احتراقات حامل المشعل

أحمد اسماعيل اسماعيل/ ألمانيا

لنعترف بداية أن اللغة في الأدب ليست للتواصل وحسب، لأن استخدامها لا يقتصر على الإخبار وتمثيل الأشياء والنيابة عنها كتابياً، بل فكراً وجمالاً ومجازاً وأحاسيس تشكل جو النص وتصنع عالمه، وعليه فإن هوية هذا العالم تتحدد بهذا العنصر.
هذه قاعدة، ولكن لكل قاعدة استثناء، يكبر هذا الاستثناء ويصغر حسب جملة من الظروف والمعطيات، فلا يمكن مثلاً أن تتساوى مسؤولية المبدع الكردي في جنوب كردستان بالمبدع الكردي في غربها أو شمالها للأسباب المعروفة لنا جميعاً من تاريخ الكتابة الطويل في هذا الجزء وتوفر المدارس والجامعات التي تدرس موادها بلغتها الكردية.. والقهر القومي المستمر في غرب و شمالي كردستان.
ولعل عدم كتابة مبدعين كثر باللغة الأم في هذا الجزء الممزق من وطنهم المستباح، ليس جبناً أو تعالياً أو حتى خياراً ذاتياً، لأن الكردية كتابة كانت مغيبة بفعل فاعل سلطوي، ومقتصرة على الحكي المتداول في البيت والشارع، وما الكتابة بالكردية من قبل بعض المبدعين، سوى ثمرة جهود فردية تستحق الثناء والتقدير، لمساهمتهم الكبيرة في تجاوز حقول الشفاهية، وذلك رغم محدودية فضاءات هذه الجهود ومعوقات تحقيق المأمول منها بسبب غياب المؤسسة المعنية، والكيان الساسي.

حين ظهرت مواهب كردية كثيرة في مجالات إبداعية عديدة، كان من الطبيعي، في ظل غياب وتغييب الكتابة باللغة الأم بأشد وسائل النظام عنفاً، أن تكتب هذه المواهب باللغة التي قرأت بها، ونهلت الثقافة منها، ورغم المرارة التي امتزجت بنشوة الانجاز لدى هؤلاء المبدعين نتيجة عدم تمكنهم من التعبير بلغتهم، وتغريدهم خارج السرب الإبداعي العربي، وتحت ظلال عصا النظام، وسعادتهم بإضاءة ليل شعبهم بنيران الآخر، بما يشبه التحدي، إلا أن هذه المرارة لم تنقلب إلى اغتراب حاد إلا بعد أن بدأت أصوات كردية كثيرة تدعو إلى محاكمتهم صورياً، وإنزال أقسى العقوبات النفسية والقومية عليهم، ليجد هؤلاء أنفسهم يحترقون بالنار التي حملوها مشاعل إضاءة في ليل شعبهم.
بعيداً عن تفصيل الحديث عن ظلم ذوي القربى للمبدع الذي يكتب بغير لغته، رغم معرفة الأقرباء بأسباب ومسببات ذلك، فإن لتجربتي خصوصيتها، ولتوجهي أسبابه المختلفة، فإذا كانت الكردية لدى غالبية الكتاب الذين يتحدثونها في بيوتهم لغة واحدة وحيدة حتى سن دخول سجون التعليم الابتدائية لتعلم لغة الدوائر الحكومية والمخافر والمساجد.. والجنة، فقد كانت بالنسبة لي غير ذلك تماماً، لأن العربية كانت لغة أمي، ولغتي في البيت والشارع، ولم أتكلم لغة أبي الكردية الذي توفي باكراً إلا بعد أن بلغت سن العشرين. ولا يعود ذلك إلى تفضيل مني أو رغبة، رغم ما أكن لهذه اللغة من وحب وامتنان، بل لظروف اجتماعية يطول شرحها، تتلخص في رحيل والدي المبكر، وتملص أهله من مشاركة زوجته، البسيطة والصغيرة السن، مسؤولية تربية سبعة أطفال صغار، وتنكر رفاق دربه السياسي لعائلة رفيقهم في الحزب القومي: مادياً ومعنوياً واجتماعياً، ليتردد في بيتنا صوت أمي فقط وهي تخاطبنا بلهجتها العربية المحلية، وتحت صورة أبي المعلقة على جدار البيت، وفي الذاكرة.

ورغم وجود أصوات كثيرة واعية لا تختزل هوية الأدب في عنصر واحد مهما عُظم دوره، إلا أن الأفواه التي لا يصلح بعضها سوى للشعارات.. كانت عالية.. ومثيرة للصداع في الرأس وقاسية لروح أرهفتها ضربات الظروف القاسية.


ومع دخولي مرحلة الدراسة الثانوية، وسماع تهامس زملائي بالكردية، وتناولهم فيما يتداولونه من أحاديث لمواضيع وشخصيات كردية، كان انكسار ثورة البارزاني، معبود والدي، ومن ثم موته، الموضوع الأكثر تداولاً حينها، بدأت ذاكرتي تستعيد صورة أبي وأحاديثه عن الكرد ومآسيهم، وتسترجع مشاهد اجتماعات رفاقه السرية في بيتنا، ليبدأ وعيّ القومي بالتفتح، الذي راح يترسخ بمرافقتي لزملاء خُلص إلى ندوات سياسية لأحزاب كردية، كنت فيها: أخرساً تماماً، ونصف أطرش.
من هنا، بدأت مشاعر الاغتراب تدمي قلبي، لأقع ضحية تمزق روحي، زادها عمقاً خجل شديد وثقافة مجتمع مقهور ينتقم أفراده لأنفسهم بالتهميش والسخرية من عثرات الآخرين، وحتى مما رسمته الأقدار لهم، لتتحول حياتي حينها إلى حرب على أكثر من جبهة، وحين خرجت منها منتصراً بكثير من الجروح والانكسارات، وجدت نفسي أتوسل الكتابة لتتويج ما بدأت به في هذا المجال، فكانت قصتي عن حلبجة، والتي حملت عنوان” الطائرات وأحلام سلو” أول عمل إبداعي لي، تلتها مسرحيات مشبعة بالروح الكردية، وكتاب عن المسرح الكردي كان، وما يزال، الرائد في مجاله كرديا “سوريا” ليس لجرأة طروحاته وحسب، بل لجدتها، لأتبعه بنصوص “عندما يغني شمدينو” التي قدم لها عربي كبير بكثير من الإعجاب والتعاطف مع موضوعها الكردي وقال عنها ناقد آخر في مجلة المدى العراقية: إنها الروح الكردية باللغة العربية” غير أن ذلك كله لم يشفع لي لدى الأفواه التي اعتادت ترديد الشعارات دون حساب للظروف والخصوصيات.
ورغم وجود أصوات كثيرة واعية لا تختزل هوية الأدب في عنصر واحد مهما عُظم دوره، إلا أن الأفواه التي لا يصلح بعضها سوى للشعارات.. كانت عالية.. ومثيرة للصداع في الرأس وقاسية لروح أرهفتها ضربات الظروف القاسية.
من المعروف أن المجتمع المقهور يطالب المبدع والسياسي والفنان أن يكون بطلاً، وساحراً تطرد كتاباته الأعداء من الوطن كما تفعل التمائم والتعاويذ بالشياطين، ولا أخفي أن هذا الأمر استفزني زمناً؛ لينقلب ذلك إلى حزن على دعاته المقهورين بعد أن أدركت مصدره وأسبابه، من قهر ممنهج ورد فعل عليه، وكل رد فعل له مسوغاته رغم سلبيته ونتائجه الكارثية حين يتحول إلى ثقافة ونهج، ولكن ما أثار حفيظتي على الدوام، وزاد من حدة مشاعر الاغتراب في داخلي، بروز أصوات ينادي أصحابها بهدر وطنية وانتماء الكاتب بغير لغته، ليس من منطلق غيرة قومية، أو معرفة عميقة بمسألة الهوية وملابساتها، بل عن ضغائن متلونة.
أعترف أن هذه الأصوات ساطت روحي، وأثرت سلباً على تفكيري زمناً.. استطعت بعدها أن أسد أذني عن هذا العزيف وأتابع مشروعي، لاتخذ قراري بأن أتابع التعبير بلغة أمي عن هموم وقضية أبي القومية، وكم كانت أمي مخلصة لهذه القضية، طبعاً وفاء لأبي.
ثمة من يزعم أن الكتابة إبداعيا بالكردية لا تحتاج من صاحبها سوى الالتحاق بدورة تعليمية تمحو أميته في زمن قصير، دون تفريق بين كاتب كردي نشأ في عائلة تتحدث الكردية ليل نهار، ويحدث نفسه بها؛ وآخر تربى وعاش في نمط حياة مختلفة، إذا اشتكى لنفسه؛ حدثها بالعربية.
قد تكون الكتابة بالكردية ممكنة بقليل أو كثير من الجهد، غير أن الكتابة لمن يجري حواراته الداخلية معه نفسه بالعربية، لا بد أن تكون نتاجاته أشبه بالترجمة الحرفية أو الآلية، أضف إلى ذلك أن امتلاك قدرة التغلب على الصعوبات كلها، كبيرها وصغيرها، ليست مبذولة للجميع. بل وقاسية أشد القسوة على من كانت حياته سلسلة من معارك من أجل إثبات الهوية وبناء الثقافة ومقاومة الفقر الشديد والصراع مع مرض الديسك الذي افترس روحي وأضعف من همتي كثيراً… ناهيك عن صراعات أخرى جد خاصة.
الحديث عن هذه التفصيلة في حياتي درامية تماماَ وموجعة حدّ نزيف الروح.
بعيداً عما يخصني، وقريباً من واقع حالنا، فإنني، ورغم إقراري بمركزية اللغة في تحديد هوية النص، لأنها المادة التي ينسج الكاتب منها، وبها، جلّ عناصر وعوالم وشخصيات نصه، إلا أن هذا ليس كل شيء، فلا بد من الإقرار بأن هناك عناصر أخرى غير اللغة مثل: التاريخ والأحداث والأمكنة والشخصيات.. تساهم بقوة في تشكيل هوية النص، بل وهوية الإنسان والمجتمع، فالهوية التي لا تظهر بهذه الحدية إلا في الأزمات، ليست معطى ثابتاً ومقدساً. بل مفهوماً حيوياً يتبدل حسب الظروف، ولعل اختزالها في عنصر واحد وحيد هو اللغة، رغم مركزيته، دون عناصرها الأخرى؛ إساءة كبيرة لها.. وخطأ فادح قد يعطل بوصلة المبدع والسياسي والوطني.
ويتضاعف هذا الأمر خاصة لدى شعب مقهور لا كيان سياسي له ولا مؤسسات وقاموس لغوي رسمي واحد. رابض بكليته ليل نهار على جبهات كثيرة للدفاع عن خصوصيته ومشروعية وجوده: بالقوة وبالفعل.
والكتابة عن قضيته، والتعبير عن روحه بغير لغته؛ نضال على واحدة من هذه الجبهات.

الكاتب المسرحي أحمد اسماعيل اسماعيل

أحمد اسماعيل اسماعيل   

قاص وكاتب مسرحي

تولد : سوريا، قامشلي 1961

تخرج من معهد إعداد المعملين ” الحسكة” سنة 1983

يقيم حالباً في مدينة بوخم- ألمانيا

صدر له :

للكبار:

1-  مسرحنا المأمول- مقالات مسرحية تمهيدية– دمشق سنة -1997

2-  عندما يغني شمدينو- 3 مسرحيات-دمشق سنة 1999

3-  رقصة العاشق – مجموعة قصصية- الشارقة  سنة 2001

4-  أهلاً جحا- عفواً مموزين :مسرحيتان- دمشق 2009

5- ليل القرابين، مسرحيات قصيرة، دار أوراق، القاهرة سنة 2019

6- تشريح الخيانة، مقالات، دار الزمان، سوريا، 2020

7- على سراط البحر، مجموعة قصصية، القاهرة، مصر، سنة 2023

للأطفال :

1-  توبة الثعلب -أربع مسرحيات -دمشق (وزارة الثقافة) سنة 2000

2-  مسرحية البارزاني، مطبعة آراس، أربيل -سنة –2003

3-  الحقل المنيع -أبو ظبي (جائزة أنجال الشيخ هزاع آل نهيان )سنة 2003

4-  الثغرة- مسرحية للفتيان-دمشق (وزارة الثقافة) سنة 2004

5- حكاية الأشقياء الثلاثة –الهيئة العامة السورية للكتاب-وزارة الثقافة-2009

6-  أحلام الحمار الكسول-الهيئة العامة السورية للكتاب-وزارة الثقافة-دمشق-2010

7-  الطائر الحكيم- الهيئة العربية للمسرح-الشارقة-2010

8 – مملكة المسرح- مبادئ أولية للأطفال- الهيئة السورية العامة للكتاب- وزارة الثقافة –

2012

9- قاضي محمد- التاج الذهبي ( مسرحيتان للناشئة) الاتحاد العام للأدباء الكرد- أربيل 2013

10- ياقوت وشجرة التوت، قصة، دار الصفا ، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة. سنة 2020

الجوائز:

– جائزة الشارقة للإبداع العربي –الإمارات العربية المتحدة- عن مجموعته القصصية (رقصة العاشق) سنة 2000

– جائزة ثقافة الطفل العربي –الإمارات العربية المتحدة- أبو ظبي- عن مسرحيته – الحقل المنيع – سنة 2001

– جائزة الهيئة العربية للمسرح سنة 2010 – المركز الأول عن مسرحيته (الطائر الحكيم) الموجهة للأطفال.

شارك في ندوات وأمسيات ثقافية وأدبية داخل سوريا وخارجها، كما نشر في العديد من الصحف والمجلات العربية والكردية داخل سوريا وخارجها.

قدمت مسرحياته الموجهة للأطفال خاصة في بلدان عربية كثيرة وفي مهرجانات عربية عديدة.

اترك ردّاً