فاجعةٌ أيقظتني…!

ديار أحمد ملا أحمد

فاجِعةٌ أيقظتني،
الحياةُ بحرٌ مترامي الأطراف، أمواجه تحملُ إلينا لحظاتٍ من الفرحِ والسعادة، لكنها في ذات الوقت تحمل بين طياتها عواصفَ الفقد التي تعصفُ بالروح وتُغيّر مجرى الحياة بأكملها هي لحظاتٌ لا نستعد لها مهما بلغنا من القوة، تصفعنا دون سابق إنذار، تاركةً في القلب فراغًا لا يملؤه شيءٌ سوى الذكرى.
بل ونعيشُ فيها بين أمواجٍ هادئة وأخرى عاتية كلّما شعرنا بالأمان، فاجأتنا صدمةٌ تهزّ أعماقنا، تُعيدنا إلى الأرض بعد أن كنا نحلقُ بأحلامنا وأمانينا تلك الفاجعة التي تأتي بلا موعد، تأخذُ منا ما لم نتخيل يومًا أننا سنفقده ، وتتركنا نبحثُ عن معنى جديد للحياة بين أنقاض الألم

الرحيلُ الأبدي: حكايةٌ لا تنتهي
عندما نفقدُ شخصًا نحبه، نشعر وكأن الزمن توقف كنت أظنّ أنّ الموت فكرةٌ بعيدةٌ عن عالمي، لكنه اقترب منّي دون استئذان أتذكّر ذلك اليوم وكأنّه بالأمس، عندما جاءني الخبر “ لقد رحلتَْ“ تلك الجملة كانت كافية لتبدّل كل شيء كنتُ أعيشُ حياةً مستقرة، مليئةً بالروتين والهدوء، وفجأة تحوّلت إلى دوامةٍ من الحزن والارتباك في الأيام الأولى بعد الفقد، لا تكونُ قادرًا على التفكير بوضوح يصبح الحزن ضيفاً ثقيلاً لا يغادر أبداً كنتُ أبحثُ عن تفاصيلها في كل مكان في صوتها الذي كنتُ أسمعه يوميًا، في الصورالتي جمعتنا، وحتى في صمتها الذي كان يملأ البيت بالسلام .

الفقد والذاكرة : عبءٌ أم نعمة ؟
الذكريات التي تركها الراحلون خلفهم تكون في البداية عبئًا ثقيلاً على القلب كل لحظةٍ سعيدة عشناها معهم تتحولّ إلى ألمٍ يذكرّنا بما فقدنا لكن مع مرور الوقت، أدركتُ أنّ الذكريات ليست عبئاً، بل نعمةً، بدأت أرى الذكريات كجسرٍ بين عالمي وعالمهم، وسيلةٌ تجعلنا نشعر أنهم ما زالوا هنا بطريقةٍ ما صحيح أنني لا أستطيع أن أتحدث معهم كما كنت أفعل ، لكنني أستطيع أن أتذكرهم وأن أسترجع لحظاتنا الجميلة معاً
.

أبعاد الفقد النفسية والاجتماعية :
الفقد ليس مجرد تجربة شخصية؛ إنه يترك بصمته على كل جانبٍ من جوانب حياتنا على المستوى النفسي، شعرتُ بأنني فقدت جزءاً من ذاتي كنتُ أرى نفسي أحياناً في علاقتي بجدتي، وعندما رحلتْ، شعرتُ وكأن جزءاً من كياني قد اختفى ..
أما على المستوى الاجتماعي، فإنّ الفقد يغير طبيعة العلاقات، العائلة التي كانت تجتمع على طاولةٍ واحدة تبدو فجأةً ناقصة و الأصدقاء الذين كانوا يشاركونك الضحكات يبدون الآن كأنهم غرباء، لأنهم لا يستطيعون فهم عمق الألم الذي تمر به ..

أسئلةٌ وجودية ومراجعةٌ للحياة ..
في أعقاب الفقد، وجدت نفسي أطرح أسئلة لم أكن أفكر فيها من قبل لماذا نحن هنا؟ ما معنى الحياة إذا كانت تنتهي بالموت؟ وكيف يمكننا الاستمرار بعد أن نفقد من نحب؟

حقاً هذه الأسئلة قادتني إلى مراجعة حياتي بأكملها أدركتُ أنني كنتُ أعيشُ بشكلٍ سطحي، أؤجل الكلمات الطيبة والأفعال الجميلة، وكأن لدي وقتٌ لا ينتهي، الفاجعة جعلتني أُعيد التفكير في أولوياتي هل أعيشُ حقًا ؟ أم أنني أستهلكُ أيامي دون أن أستفيد منها ؟

الحزن كمعلمٍ قاسٍ ..
الحزن هو أكثر المعلمين قسوة، لكنه أيضًا الأكثر صدقاً في خضم الألم، تعلمتُ دروساً لم أكن لأتعلمها بطريقةٍ أخرى تعلمتُ أن أكون ممتنًا لكل لحظة، مهما كانت بسيطة تعلمتُ أن الحياة ليست مضمونة، وأن كل لقاءٍ قد يكون الأخير.
الحزن علّمني أيضًا أن أكون أكثر تعاطفًا مع الآخرين عندما ترى الألم في عيون الناس، تبدأ بفهم أن كلشخصٍ يحمل داخله فاجعةً ما، حتى لو لم يظهر ذلك
.

كيف نتصالح مع الفقد ؟
التصالح مع الفقد لا يعني النسيان، بل يعني قبول الحقيقة في البداية، كنتُ أرفض تصديق ما حدث كنت أبحثُ عن أي طريقة لأتجنب الألم، لكنني أدركتُ لاحقاً أن الألم جزءٌ أساسي من عملية الشفاء.
التصالح يتطلب أن نعيد تعريف علاقتنا بالراحلين بدلاً من أن نفكر فيهم كأشخاصٍ غابوا، يمكننا أن نراهم كأرواحٍ ترافقنا، تذكّرنا بالحب الذي كان بيننا
.

رحلة البحث عن السلام ..
السلام بعد الفاجعة ليس شيئًا يأتي بسهولة إنه رحلةٌ طويلة من الألم، الصراع والتأمل بالنسبة لي، كان السلام يبدأ عندما أسمح لنفسي بالحزن لم أعد أحاول الهروب من الألم ، بل بدأتُ أواجهه.
بدأت أرى أن الفقد ليس نهاية العلاقة مع الشخص الذي رحل بل هو بداية علاقةٍ جديدة، علاقة قائمة على الذكرى، الحب والإيمان بأن الأرواح لا تفنى
.

رسالة إلى من يعانون الفقد ..
إذا كنت تمرّ بفقدٍ مشابه، أريد أن أقول لك إن الألم الذي تشعر به الآن لن يختفي، لكنه سيتغير ستصبح قادراً على التعايش معه، وستجد طرقاً لتحويله إلى قوةالحب الذي حملته في قلبك لمن فقدته لن يضيع.
ستجد أنه يعيش في كلماتك، في أفعالك، وفي الطريقة التي تحبّبها بالآخرين

الحياة بعد الفاجعة ..
اليوم ، أشعر بأنني شخصٌ جديد، الشخص الذي كنتُ عليه قبل الفاجعة لم يعد موجوداً، لكنني لا أرى ذلك كشيءٍ سلبي الفقد غيّرني. نعم ، لكنه جعلني أكثر عمقًا، أكثر امتناناً، وأكثر قدرة على التقدير
.

الحياة ليست مجرد أيامٍ نعيشها، بل هي مجموعُ اللحظات التي نختار أن نمنح فيها الحبوالذين فقدناهم علمونا كيف نحب ، لذلك فهم يعيشون فينا

خاتمة : إرث الحب والأمل
الحب هو الإرث الوحيد الذي لا يموت الأشخاص الذين فقدناهم يظلونمعنا من خلال الأثر الذي تركوه في حياتنا
.

فاجعةٌ أيقظتني
ليست مجرد قصة عن الألم ، بل هي قصة عن التعافي ، الحب والإيمان بأن الحياة تستحق أن نعيشها، رغم كل شيء
.

إلى ذاتَ الوجنتين الحمراوتين:
إلى روحكِ الطاهرة يا جدتي، كتبتُ هذه المقالةَ بقلبٍ أثقلته الذكريات وعيونٍ أنهكها الحنين، لأنكِّ كنتِ الوطن الصغير الذي لجأنا كُلنا إليه في كل انكسار، كنتِ الحضن الذي يحتوي ضعفنا، والابتسامة التي تمنحنا الأمان، رحلتِ ولكن عطركِ لا يزال يملأ زوايا الذاكرة، وصوت دعائكِ لنا يرنّ في آذاننا ، كأنكِ تقولين لنا امضوا بثقة لأنني معكم دوماً، في دعائي، في قلبي، وفي كل لحظةٍ أستحضر فيها دفء محبتكم الذي لن يذبل أبداً ..