بسمة أحمد

العُقدُ الذاتيةُ هي انعكاسٌ للهشاشةِ الداخليةِ في الإنسان، حيثُ تُمثِّلُ نقاطَ ضعفٍ تتشكَّلُ نتيجةَ تجاربَ حياتيةٍ عاطفيةٍ أو اجتماعيةٍ. تأثيرُها لا يقتصرُ على الفردِ، بل يمتدُّ ليشملَ علاقاتِه بالعالمِ الخارجي، ويُعبِّرُ عن نقصِ الإنسانِ من الناحيةِ النفسيةِ أو الجسديةِ، أو تجربةٍ يمرُّ بها وما يتخيَّلهُ العقلُ البشري. وكلُّ إنسانٍ يحملُ في داخلهِ تجربةً أو مرحلةً مرَّ بها، ولها أثرٌ كبيرٌ على مشاعرِ الإنسانِ بينَ ماضٍ مليءٍ بالذكرياتِ والتجارب، وحاضرٍ يُشكِّلُهُ الواقعُ والأوهام، ومستقبلٍ يلفُّهُ الغموضُ، وأفكارٍ وتوقُّعاتٍ للمستقبلِ المجهولِ في أعماقِ النفسِ الداخليةِ للإنسان.

ومن خلالِ التجاربِ التي يمرُّ بها الإنسان، تتشكَّلُ لديهِ عُقدٌ ذاتيةٌ ونقاطُ ضعفٍ، أو هشاشةٌ داخليةٌ، وغالبًا يكونُ أثرُها عميقًا على طُرُقِ التواصلِ وتأثُّرهِ بالعالمِ الخارجي. ويمكنُ أن تكونَ هذهِ العُقدُ جروحًا عاطفيةً، أو مخاوفَ غيرَ واعيةٍ، أو تصوُّراتٍ خاطئةً وأفكارًا لا وجودَ لها. وعندما تُولدُ تلكَ العُقدُ، تؤدي إلى عدمِ المشاركةِ في الحياةِ اليوميةِ مع الأشخاصِ القريبينَ منه.

الهشاشةُ الداخليةُ لها أسبابُها، منها تراكماتٌ عبرَ الزمنِ من الناحيةِ العاطفيةِ أو خُذلانٌ من الأصدقاء. وكلُّ إنسانٍ يتأثَّرُ بطبيعةِ الأشخاصِ الذينَ مِن حولهِ وبآرائِهم، وأيضًا بمواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ كافةً. وتشكِّلُ الهشاشةُ الداخليةُ لدى الإنسانِ العزلةَ والابتعادَ عن الواقعِ الحقيقي، وتمسُّكهُ بالواقعِ الافتراضي.

والإنسانُ يكونُ مرآةً لنفسهِ، على سبيلِ المثال: إنسانٌ يعاني من شعورٍ بعدمِ الكفاءةِ اللازمةِ للعملِ أو الدراسةِ أو التواصلِ مع الآخرين، ويُفسِّرُ ذلكَ على أنَّ الانتقاداتِ عبارةٌ عن هجومٍ شخصيٍّ. ويؤدي ذلك إلى الخوفِ والقلقِ من خوضِ تجاربٍ جديدةٍ، ويُشكِّلُ مشاعرَ وأحاسيسَ مختلفةً، سواءً كانت مشاعرَ حزنٍ أو فرحٍ أو حبٍّ.

تأثيرُ العُقدِ الذاتيةِ على العالمِ الخارجيِّ وتأثُّرُها على الحياةِ الشخصية
تُشكِّلُ العُقدُ الذاتيةُ عزلةً أو دائرةً عن العالمِ الخارجي، ومن آثارِها على الواقعِ الحقيقي:

  1. التفاعلاتُ الشخصية:
    شخصٌ يعاني من ضعفِ الثقةِ بالنفسِ ويفتقرُ إلى الإحساسِ بالأمانِ والخوفِ من عدمِ اجتيازِ عملٍ أو مهمةٍ مُوكلةٍ إليه، أو خوفًا من آراءِ الآخرينَ المُحيطينَ به، أو انتقادٍ من أشخاصٍ ذوي شأنٍ أقلَّ. وهذا يولِّدُ شعورًا بعدمِ الكفاءةِ، أو الإحباطِ الداخليِّ، والإقرارِ بمزايا الآخرين. كما قالَ موسى عليه السلام: وأخي هارونُ هو أفصحُ مني لسانًا.”
  2. الأثر البيئي والاجتماعي:
    الإنسانُ الذي يحملُ عُقدًا داخليةً وتراكماتٍ يُساهمُ بشكلٍ غيرِ مباشرٍ في تشكيلِ عزلةٍ وخلقِ بيئةٍ مشحونةٍ. وتنتقلُ تلكَ المشاعرُ السلبيةُ إلى الآخرين، مثل: شخصٍ يشعرُ بعدمِ الثقةِ والاهتمامِ من قِبَلِ أصدقائِه، فيولِّدُ شعورًا بالخوفِ وعدمِ الارتياحِ في تلك العلاقة.
  3. تأثيرُ التغييرِ الداخليِّ على العالمِ من حولنا:
    عندما يبدأُ الإنسانُ بالتخلُّصِ من الأفكارِ السلبيةِ والشعورِ بعدمِ الثقةِ، وتحريرِ نفسهِ من عُقدهِ الداخليةِ، يصبحُ أكثرَ وضوحًا وإيجابيةً وتوازنًا. وهذا التغييرُ يؤثِّرُ إيجابيًا على البيئةِ المحيطةِ به.

التغييراتُ الداخليةُ تُساهمُ في:

  1. تطويرِ الذاتِ واتخاذِ قراراتٍ يوميةٍ بطريقةٍ سلسةٍ.
  2. تحسينِ العلاقاتِ ضمنَ البيئةِ التي يعيشُ فيها.
  3. بناءِ علاقاتٍ متينةٍ وصادقةٍ.

ختامًا:
العُقدُ الذاتيةُ والهشاشةُ الداخليةُ جزءٌ مستمرٌّ من رحلةِ الإنسانِ لفهمِ ذاتهِ. وكلُّ تجربةٍ جميلةٍ أو مؤلمةٍ تتركُ أثرًا، ولكنْ بداخلِ الإنسانِ بذورُ القوة. والحلُّ هو أن نكونَ لطفاءَ مع أنفسِنا ومع الأشخاصِ المُحيطينَ بنا، وذلكَ من خلالِ مواجهةِ ذواتِنا ومشاكلِنا الداخليةِ بشجاعةٍ. وهذا يؤدي إلى تحسُّنٍ في حياتِنا العمليةِ والمهنيةِ وفي البيئةِ المحيطةِ بنا والعالمِ الخارجيِّ من حولنا.