بقلم: أمل صيداوي

“حين آخر المدن” من القصص الرمزية التي إن استطاع القارئ فهم سيميائية العنوان فإنّ ذلك يقوده نحو استشراف مضمون القصص وجوهرها، فقد اختارت الكاتبة زينب خوجة كلمة المدن في قصتها لتدلّ على تنقّلها أو ترحالها المضني والقسري من مدينة إلى أخرى ومن بلدة إلى أخرى في قوارب الموت.
تحليل قصة “حين آخر المدن” كتبت هذه القصة الأديبة المبدعة زينب خوجة ضمن مجموعتها القصصية التي تحمل اسم القصة نفسها، وقد صدرت عام 2021 م عن دارالمصورات للنشر والطباعة والتوزيع.
يتضح اختيار العنوان وسبب التسمية من المقارنة التي أجرتها الكاتبة بلسان راوية القصة بين المدينة التي نشأت وترعرعت فيها وبين المدينة الأوروبية التي وصلت إليها. جرى ذلك بعد اتصال حبيبها بها حيث دعاها للذهاب معه لحضور فيلم سينمائي في مدينة أخرى غير المدينة التي تسكنها الشابة. وصفت تلك الشابةالمدينة والمحلات والأماكن وسلوك العاشقين الأجانب في الطرقات العامة ونمط اللباس والألحان الموسيقية والغناء في الشوارع وقارنت بين كل مارأته مع مدينتها عامودا وأنماط عيشهم فيها ولباسهم وموسيقاهم وبين بائعة الزهوراللطيفة ووالدتها الحنون وذكريات طفولتها مع أبيها الذي لم يتيسّر له شراء لعبة لها لأنها كانت باهظة الثمن، ثم عندما أتى الشاب وذهبا معاً إلى السينما حيث حاولت التقاط صورة تجمعهما سوياً داخل قاعة السينمافنهَرَها. عند انتهاء الفيلم حينما خرجا سوية جاهد ليكون بعيداً عنها، ومن ثم تأنيبها لنفسها لأنها رضيت بالقيام بهذا الدور المخزي، وهكذا انتهت قصة حبهما.
وظّفت الكاتبة لغة إيحائية رمزية في وصف الألم الذي شعرت به أثناء مشاهدتها الفيلم وكأن أضواء الشاشة استمدّت أشعتها من جسدها الذي استنفذ طاقاته في التحمّل، والصدمة التي مُنيت بها شبهتها من هولها وثقلها وكأن قطاراً يمشي على ركبتها ورصاصاً أصيبت به في صدرها، كانت أصوات رنين أجراس الكنيسة بمثابة منبّه يصحّيها من غفوة الحب المخادعة ومن خيبة الأمل ويُعلِمها بأنه عليها بالنسيان ولو ترك هذا النسيان جروحاً وندوباً في القلب والروح، وكأن حكاية حبها كانت حلماً انتهى وذهب إى غير رجعة :
“المساء اليتيم الذي فقدَنا تماماً وفقدناه ونحن عبثاً نرتب مواعيد لن تأتي أبداً!” صفحة: 57
“القاعة التي كانت مضاءة بفعل أضواء الشاشة الكبيرة التي خلتبرهة أنها تنبعث من جسدي ولوهلة حسبت أن القطار يمشي على ركبتي وأن كل الرصاص الذيأطلق استقرَّ في صدري الرصاص الذي سمعته كثيراً في عامودا ” صفحة57 و58
“كان الفجر قد غادر منذ برهة عندما تناهى إلى مسمعي صوت أجراس الكنيسة المجاورة لبيتي لتوقظني من حظ عاثر كدت أتخبط به, وليعلمني أنه كان مجرَّد حلم مات!
ترك في وجيبي ندبةً وكثيراً من الزهور البيضاء … يوم أضعتُ ظلّي….”صفحة: 58
بدأت القصة بالحبكة المركّبة بلسان الراوية:
“كانت تقفز بجواره مرحة كيوم اصطفاه الله ليكون عيداً كونها, أشبه بندى زهر استيقظ للتو من غفوته حين فجر وهو يصطحبها, معه ليزورا السينما في أمسية سبت ماطر” صفحة 51
تماهت الكاتبة مع الشابة العاشقة في تلك الحبكة بحيث شبهّت شوقها إلى الحبيب بالعيد في يوم ماطر تغدق السماء فيه عطاءها وخيراتها بينما هما يتوجهان سوّية إلى السينما، وأنها من فرط صدق عواطفها نحوه تشبه قطرات الندى على الأزهار تنعشها وتحييها وتبعث فيها التفاؤل والأمل.
أبدعت الكاتبة في استخدام الزمن من خلال تقنية الإسترجاع لتربط بين الماضي والحاضر: فرسمت لبائعة الزهور من خلال المقص الذي استخدمته لقص الأزهار لوحة فنية أشعرتنا بأنه ليس للجمال مقاييس أو مسطرة ثابته بل يكمن الجمال في إحساسنا الإنساني به وفي تعاطفنا ومحبّتنا لتلك البائعة الستينية التي شاب شعرها وانحنى ظهرها، ثم استحضرت ذكرياتها مع والدتها التي كانت تصبغ شعرها بالحناء وتخبئ شعرها المتساقط لكي تحشو بها لعبة تصنعها لابنتها ثم تخيط الشعر الباقي بفروة رأس اللعبة لتكون اللعبة في النهاية صنواً لوالدتها، ولنشعر من خلال ذلك النص بمدى الفقر الذي كانوا يعانون منه.
“ذاك المقص الذي تحمله البائعة الستينية رغم أنه يجز أطراف
الزهور إلا أنه يعطيها جمالاً مختلفاً وهي تخيرني أيها اختار
بظهرها الذي احدودب قبل الأوان ،شعرها الفضي القصير لا يشي
بأي خريف إنه يختلف عن شعر أمي الذي كانت تخفي أبيضه
الذي غزا مفرقها، بالحناء، إنه لا يروي أي حكايا عن بيتنا الطيني
وتلك الجدائل المتعبة التي كانت تتساقط بكثافة عند كل مرة تسرِّح
بها أمي شعرها بمشطها الأبيض الصغير وتجتهد أن تخبئه للعبتي
التي كانت تحشوها بذاك الشعر وتخيط فروة رأسها ببعضها
الآخر لتغدو تلك الدمية نسخة عنها” . صفحة: 54
يمكننا القول إن المجموعة القصصية”حين آخر المدن” ، والتي هي عبارة عن ثلاثة عشر قصة قصيرة ذات طابع إجتماعي إنساني لكل نص قصته الخاصة دوّنتها زينب من وقائع عاشتها خلال تنقلاتها وقد جذبتني جميع القصص فيها وأذكر منها قصة بعنوان “الضفيرة”(قصة عشتها حقاً مع كل كلمة قرأتها)، وقصة:”حين آخر المدن”، وقصة: “ياسمين زنبقة مدن الخراب” وقصة: “أسمر والأغنام التي احتفظت برائحة الشواء”. مجموعة قصصية فيها نقد للمجتمع وعاداته البالية، واختصار لوجع الأكراد ومعاناتهم في ظل الحكم البائد الذي مارس عليهم أقسى أنواع الظلم والاضطهاد والقمع.