كاوا نوري سيدي

مضى دهرٌ وأنا عالقٌ بين الأرض والسماء، بين ربيعِ وطنٍ يسكنني، وشتاءِ شتاتٍ قارسٍ ينهش روحي رويدًا رويدًا، كأنها رمالٌ ظامئةٌ تبتلع موجاتِ أشواقي التي حوّلت قلبي إلى صحراءٍ قاحلة.
كم من المرّاتِ ساورني حلمُ العودة، ثم تلاشى الحلمُ كوهمِ سرابٍ ينتهي عند شريطٍ ضوئيٍّ رفيعٍ في صحارى ظمأى، يوحي بصراعٍ أشبه بصراع الليل والنهار السرمدي.
كم من المرّاتِ حلمتُ أن أركع على عتبات قريتي، أن أستنشق هواءها دون خوف، دون أن تغزو رائحةُ التفاح أنفاسي… تلك الرائحة التي تُذكّرني بالاختناق.
أن أتيمم بترابها دون استئذان، لعلّها تُطهّر روحي من رِجْسِ النّدم، النّدم الذي يُرافقني كالظلّ حتى في الظلام.
أن ألمسَ أغصانَ الزيتون كما يلمسُ العاشقُ وجهَ حبيبتِه بعد أمدٍ طويل، أن أملأ كفّي بحفنةٍ من ترابها التي نسيتُ أن آخذها معي قبل الرحيل، وأبوحَ لها بعشقي.
كنتُ على إيمانٍ ويقينٍ تامٍّ أن فجرًا ما سيشق بشُعاعه نفقي الباردَ المظلم، مُضيئًا عتمةَ اليأس التي أرهقت غربتي، ويُذيب جليدَ الشتاء المدفون في أعماقي، ويسري الدفء في روحي التي أنهكتها برودةُ الدياسبورا.
في فجرِ ذلك اليوم، استلقيتُ في سريري مذهولًا، عاجزًا عن استيعاب الخبر، ذلك الخبر الذي لم أجرؤ يومًا على تخيّله.
سأعود إلى هناك، حيث يرقد والدي تحت ظلالِ الزيتون.
إلى الأرض التي نادتني طويلًا، إلى الجذور التي لم أستطع بترَها، كسرطانٍ مستعصٍ عَشَّشَ في جسدي المُنهك وتغذّى من روحي.
أبتي،
كم أخشى رهبة اللقاء؟
ذلك اللقاء الذي طال انتظاره، ذلك الأمل الذي صارع الموت في صدري بعد كل محاولات الاغتيال والقتل الفاشلة، أصرَّ نبضي على الحياة.
نبضاتٌ وخفقانٌ سريعٌ في القلب يحاولان الهروب من خلفِ ضلوعِ قفصي الصدري.
أفكارٌ مسموعةٌ تهمسُ وتعلو، يتجاوز صوتُها صمتَ المنطق والواقع.
بدأتُ على الفور أستحضر كلَّ مفرداتي الغائبة عن ذهني، لكي أكتب له سرديّةً تليق بلقائه.
بدأتُ بنفضِ الغبار عن كلّ خواطري المنسيّة في أركان الذاكرة، ونثرتُها فوق الورق.
أيقظتُ كلَّ الذكريات التي كانت خامدةً تحت رمادِ التوق.
بدأتُ من جديدٍ بالتمرّن على رسمِ ابتساماتٍ عابرةٍ على ملامحِ جغرافيةِ وجهي الكُرديّ الحزين.
حرّرتُ كلَّ الضحكاتِ المحبوسةِ في حلقي، أعتقتها كصرخةِ شعبٍ توّاقٍ إلى الحرية.
أعلمُ أنه حينما أصلُ إلى المكان، سأجدُ ملامحَه قد محاها التراب، وصوتَه قد تلاشى مع الريح وهو ينادي باسمي، لكنّني سأجلسُ عند قبره، سألفُّ له سيجارةً من تبغِه المتبقّي وأدعُها تحترق بهدوء، كما لو أنها صلاةُ فجرٍ.
سأدعُ النار تلتهمُ التبغَ كما التهمني الشوق.
سأحادثه كما لو أنّ الزمنَ لم يمضِ، سأمسحُ غبارَ ورمادَ المدافع عن شاهدةِ قبره، لأكشفَ عن حروفِ اسمِه التي بدأت تذبل مع مرورِ السنوات، وأسقيها بدموعِ الحنين.
وأسرُّ له بكلّ الكلماتِ التي بقيت حبيسةَ الصدرِ طوالَ تلك السنين، وأُفضي إليه بكلّ ما لم يُسعفني الوقتُ لبَوحِه قبل الرحيل.