باسو كرداغي

جئت مبكراً
دون أن أدعوك للمجيء
لكنك أتيت لتستقرّ في كياني
وتستوطن النجوى
جئت لتسقيني من وهني
غير اني لا أملكُ روحاً تحتمل لقياك
تمنيتُ برهةً من الزّمن لأغفوَ
بعيدةً عن ذكريات بلا وجعٍ
بعيداً عن خفقان قلبي الكسير
فأثقلت خطاي
خريف العمر
رجوت الأمل أن يفك أسري
ولكنّه كبلني بسلاسل النهى
وقيود الهجر والغمر
وها انا أتخبط بين دفتي الريح
سكرة بفلك النجوم ، ولا أتقن العوم
باغتني ليلا لتجتاح فجري
بعثرت نجومي خلف الضباب
على أنين صدر الشّفق
فغابت الشمس كمداً
خلف الأفق
وانطفأت وقدة الوجد
وأطايرت أوراق العمر دون كنف
وبعثرت الريح أطياف الظلال
الحبور بين الدروب الشائكة
فغدت أحلامي حيرى
وناس ضوء قنديلي
في سراديب الغسق
خريف العمر
امنحني استراحةً من العمر…
بل من الذاكرة
فأنا على مشاريفِ خاصرة الأرق
دع الوجع يغادرُ كاهلي
لأنني أضعتُ بقايا الرّوح
وكلَّ دروب الديار…
و أثر عبق البيلسان
ومُلهمتي عبر اخاديد الزمن
المْ تكتف بوجعي
دثرت جزءاً من الرّوح في الثّرى
لمْ يبقَ منها إلّا عبقُ الارضِ
خذي… بالله عليك
بعيداً عن غبار النّسيان
لأستريح على عتبة الدّار
في ظلِّ الصفصاف الباكي
على هدهدة خرير النهر
بمشارف قريتنا الجبلية
خريف العمر
جئتني قاصداً….ترفق بي
لم أعد أحتمل مواجع العمر
الحزن هصر أغصاني …
انطمر ظليلها لجفاء الشّمس
ولم أعد أسمع حفيف الأوراق
فهجرتني النوارس
حتى أزهاري الندية
ذوتْ من المحن
وضاقت بها الغبراء
خريف العمر
ترفّق بي ….
بات النور في الضياء خافتاً
وترهّل العودُ الطريُّ
ضاع اللون الوردي من وجنة الشمس
وغفت الأقاحي بشفا الغدير
ورحلتْ النوارس تستجدي الدّفء
ياساقي الوجد أرقاً
لن أهمس في خاطري بعد اليوم
قد تخونني الذاكرة
دعني ألممُ أشلاء تلك الروح
وألتمس جهامة الشتاء
بعدما رحل السلام والأمن قسراً
أعدم الياسمين على مشارف الأمل
وتوارتْ المآقي صبابة
تبعثرتْ الكلماتُ مني رويداً رويداً
وضاع اليراع في حقول القصب
وجفت المحابر من مطاردة الفَراشِ ، وتتبّعِ الأثرِ
فأصبح الغيمُ ملاذي
والأفق محاكاة لأشعاري
والسماء مُلهمتي
خريفَ العمرِ
على رسلكَ ..أرهقني المشوار
فتناثر الأصحاب تناثر البرد
ولم يتبقَّ غير ثمالة الأيّام
ولكن راع الودَّ والهوى
وبشّر الغصن الفتيّ
بقدوم الرَّبيع…