مقاربة نقدية في البنية والدلالة
تقديم: مثال سليمان

” لا يستطيع البشر أن يتحملوا الكثير من الحقيقة “
توماس إليوت1
- عتبة تأويل العنوان: المطار بوصفه عتبة رمزية:
يمثل عنوان رواية «في المطار أخيراً» للكاتبة السورية لجينة نبهان-الصادرة عن دار نوس هاوس ٢٠٢٤- عتبة دلالية مكثفة تضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام مفارقة زمانية ومكانية. فـ”أخيرًا” توحي بنهاية مسار وانتظار طويل، في حين أن “المطار” هو موضع انتقال، لا إقامة. بين الدلالة الظرفية والبعد الرمزي، يتحول العنوان إلى استعارة للزمن السوري المتعثر، حيث الوصول نفسه لا يحمل الطمأنينة، بقدر ما يرسّخ الهشاشة ويؤطر الشخصيات في فضاء برزخي، معلق بين الرحيل والعودة، القرار والتردّد، الوطن والمنفى.
- تشظي البنية السردية وتفكيك مركزية الحكاية:
تشتغل الرواية -الموزعة في نسختها الورقية على ١٤٠ صفحة من القطع المتوسط – على تفكيك النمط السردي التقليدي عبر اعتماد تعددية الأصوات وتداخل الضمائر (المتكلم/الغائب)، بما يُنتج سرداً لا يتكئ على الراوي العليم، بل يتيح للشخصيات أن تعبّر عن أزمتها من داخل التجربة. هذا التنوع يُنتج ما يمكن تسميته بـ”السرد المنكفئ”، الذي لا يوجّه القارئ نحو حقيقة واحدة، إنّما يُخلخل يقينه ويُشركه في مساءلة الذات والنص معاً.
تنبني الرواية كذلك على تفتيت الحبكة الكلاسيكية لصالح لحظات شعورية مكثفة، تهيمن عليها الاستبطانات النفسية واستدعاءات الذاكرة، حيث تتشابك الأزمنة وتتماهى الأزمنة الداخلية (الذكريات، الانفعالات) مع الأزمنة الخارجية (الوقائع، الأحداث)، مما يخلق بنية سردية أقرب إلى التداعي الحر.
- الشخصيات بوصفها بنيات دلالية:
تتجاوز الشخصيات في الرواية حدود التمثيل الواقعي، لتُبنى في تقاطع بين البعد الرمزي والتكوين النفسي.
-نور هي مركز الثقل السردي، تعبر من خلالها أزمة المرأة السورية، بوصفها ضحية وموقع صراع بين الانتماء والثورة، بين الحب والانكسار. إنها صورة الذات التي تعيد مساءلة كل شيء: الذاكرة، العلاقة، الموقف.
-نضال محمد علي، الشخصية المعتقلة سابقاً، هو وجه الفيلسوف الخارج من كهف أفلاطون، الذي يدفع ثمن وعيه؛ تحضر تجربته بوصفها مرآة لمصير المثقف الحقيقي في وجه القمع السياسي.
-دانيال، من جهة أخرى، يُجسد النخبة الثورية الزائفة، الخطاب الثوري المنفصل عن التجربة والصدق، مقابل شخصية خالد، القادم من الهامش، الذي يحمل صدقاً فطرياً وجذراً شعبياً غير ملوّث بالأدلجة.
في هذا التقابل الرمزي، لا تقع الرواية في نمطية التمثيل، إنما تمنح شخصياتها عمقاً نفسياً من خلال التأملات والتجربة العاطفية، لتظل فردانية في صوتها رغم بعدها الرمزي.
- التناص الفلسفي والاشتغال الرمزي:
تلجأ الكاتبة إلى توظيف التناص الفلسفي بوصفه أداة تأويلية. أبرز هذه التناصات هو أسطورة كهف أفلاطون، التي يُعاد توطينها في سياق الرواية من خلال شخصية نضال، الذي يخرج من “كهف الاعتقال” إلى مواجهة مجتمع غير مستعد لتقبّل الحقيقة. هذا الخروج لا ينتهي بالخلاص، وإنما بالخذلان والعقوبة.صـ ٢١
كما تستدعي الرواية إحراق كتب ابن رشد كرمز للقمع المعرفي، وتُعزز هذه الثيمة بصوت ت.س. إليوت*١ عن عدم قدرة البشر على تحمّل الحقيقة، لتُنتج بعداً معرفياً دون مباشرة أو تنميط.ص٧٢
هذا التوظيف الرمزي يعمّق المساءلة الوجودية في النص ويُحمّل التجربة السورية معنى كونياً يتجاوز الواقعة السياسية إلى سؤال الوعي نفسه.
- اللغة بين الصمت والإيحاء:
تعتمد الرواية على لغة مقتصدة، تتجنب البلاغة الزائدة لصالح الإيقاع الداخلي للجملة وتوترها العاطفي. تنحو اللغة في لحظات كثيرة نحو الشاعرية الكامنة، بالصمت، بالتلميح، بالتردّد. فالعلاقة بين نور وخالد، مثلًا، لا تُفصح عنها الحوارات، بل تتسرّب عبر الجمل المبتورة، النظرات وحركة الجسد.
لا يُعدُّ الصمت هنا غياباً عن الكلام، إنما فعلًا سردياً يُفصح عن المسكوت عنه، عن اللاوعي العاطفي والسياسي للشخصيات، ما يمنح الرواية طبقة تعبيرية عالية، رغم بساطة المفردات.
- المطار كاستعارة وجودية:
يشغل المطار في الرواية موقعاً رمزياً مركزياً، بوصفه مكانًا للسفر و كمفصل درامي تتقاطع فيه الخيارات والمآلات. إنه فضاء العبور المؤجل، اللحظة البرزخية بين القرار واللاقرار، بين ماضٍ يُستعاد وواقع يُنكر، ومستقبل لا يتضح. المطار هنا هو صورة مصغّرة عن الواقع السوري ذاته: أرض انتظار جماعي، لا يُفضي إلى خلاص، بل إلى مزيد من القلق الوجودي.
- ختاماً، الرواية بوصفها مقاومة سردية:
لا تقدم لجينة نبهان في روايتها “في المطار أخيرًا” حكاية حدثية بالمعنى التقليدي بقدر ما أنها تقترح نصاً قائماً على التأمل والانفعال والتفكيك. رواية تُقاوم الخطابات الجاهزة، بالكشف أكثر منه بالتصريح ، بالأسئلة أكثر من الشعارات.
تنتهي الرواية كما تبدأ: في العتبة، حيث لا شيء محسوم، ولا خلاص متحقق. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها فعل مقاومة رمزي، يُعيد الاعتبار للذات في مواجهة عريها، ويفتح أفقاً سردياً جديداً لتأويل المأساة السورية خارج ثنائية الضحية والجلاد، وداخل حقل الوعي، الحب والموقف!
- توماس ستيرنز إليوت: شاعر وناقد أدبي بريطاني مولود في الولايات المتحدة ١٨٨٨ م. ↩︎