باسو كورداغي

تحتاج المجتمعات إلى الوعي والثقافة، وإلى بيئة خالية من الإحباط والتثبيط، وذلك لبناء إنسان قادر على النهوض بمحيطه. ومن بين أبرز عوامل التطور والنهوض، يأتي النقد البنّاء كأداة فعّالة تسهم في تحسين الأداء وتوجيه المسارات في مختلف المجالات.
مفهوم النقد اصطلاحًا
يُعرّف النقد بأنه التعبير عن رأي أو موقف تجاه ظاهرة فنية أو أدبية من خلال التذوق الجمالي للنصوص، سواء أكانت شعرية أم نثرية. ويتطلّب هذا التذوّق اتباع خطوات دقيقة ومنظمة، تبدأ بالتحليل، ثم التفسير، فالتعليل، وتنتهي بالتقييم. ويُعنى النقد الأدبي بإبراز جوانب القوة والضعف في النصوص، من خلال رؤية عميقة وخبرة متخصصة يتمتع بها الناقد.
وظيفة النقد في المجال الأدبي
يقوم الناقد بدور محوري في تقييم النصوص الأدبية. إذ لا يقتصر دوره على إظهار الأخطاء أو الإشادة بالنجاحات، بل يتعدى ذلك إلى اقتراح حلول بنّاءة، وتعزيز الإيجابيات، والعمل على تطويرها وترسيخها.
ولكي تكون العملية النقدية فعّالة، لا بدّ للناقد من فهمٍ عميق للنص، ومعرفة تامة بمراجعه ومصادره، وأهدافه، وصوره الفنية، خاصة في الأعمال الأدبية ذات الأبعاد الرمزية أو التجريبية، حتى تتضح معانيها ومقاصدها أمام المتلقي.
جدلية الناقد والنص
رغم أهمية النقد في تقويم الأعمال، إلا أن وظيفته ما تزال محل جدل. إذ يرى البعض أن النقد قد يتحوّل إلى تسلّط على النص، خاصة إذا كان الناقد غير ملم بتجربة الكاتب أو السياق الإبداعي الذي أُنتج فيه العمل. وهنا تكمن الخطورة، إذ يتحول النقد من أداة للتقويم إلى معول للهدم.
النقد والتوجيه الأدبي
إحدى وظائف النقد الأساسية هي توجيه الأدباء، خصوصًا عندما يبتعدون عن الواقع أو ينفصلون عن نبض مجتمعهم. وهذا التوجيه ليس تقليصًا لحريتهم، بل هو دعوة لتقوية الصلة بين الأدب والواقع، وتعزيز صدقه وواقعيته، والابتعاد عن الانحرافات أو التكلّف الأدبي.
ثقافة النقد.. هل نمتلكها؟
من يملك حق ممارسة النقد؟ وهل نقبل النقد بصدر رحب؟ ما الغاية الحقيقية منه؟
النقد البنّاء ليس مجرد رصد للسلبيات، بل هو عملية تقويم شاملة تهدف للوصول إلى الأفضل، من خلال تراكم الخبرات، ومراعاة الثوابت والمتغيرات في آنٍ معًا. وهو ضرورة للفرد والعائلة والمجتمع والدولة، لأنه يدخل في مختلف مناحي الحياة.
أسس ممارسة النقد البنّاء
• لا بد من وضع أسس واضحة ومنصفة للنقد، ليُمارس بشفافية ومهنية.
• للنقد وجهان متكاملان: تعزيز الإيجابيات، وتحديد السلبيات، وكلاهما يخدم الغاية الأسمى.
• النقد وسيلة وليس غاية بحد ذاتها.
• يُعطى حق ممارسة النقد لأشخاص ذوي اختصاص وكفاءة قادرين على إنجاز المهمة بوعي وموضوعية.
• من المهم التمييز بين النقد والانتقاد، وبين الناقد والمنتقد، وبين من يستخدم النقد للفائدة، ومن يستعمله كوسيلة لتصفية حسابات شخصية أو بدوافع خفية.
ممارسات خاطئة في النقد
حينما يُمارَس النقد بروح عدائية، ويتحول إلى انتقاد لاذع قائم على الحقد والكراهية، يصبح أداة لهدم الأشخاص لا تقويم الأعمال. حيث يركّز المنتقد على نواقص هامشية، ويتجاهل الإيجابيات، ويُضخّم الأخطاء بنية الإضرار وتشويه الصورة، وهذا ما يُخرج النقد من إطاره المهني والأخلاقي.
أهمية النقد الأكاديمي
يبقى النقد الأكاديمي المتجرّد من الأهواء والنيات المبيّتة، هو السبيل الأمثل لخدمة العمل الأدبي، إذ يُسلّط الضوء على جوانب القوة والضعف على حدٍ سواء، دون تهويل أو تقليل، ويقدّم حلولًا واقعية قابلة للتنفيذ، مما يُسهم في تحسين المنتج الإبداعي وخدمة الصالح العام.
خاتمة
إن ممارسة النقد البنّاء تتطلب ثقافة عالية، ورؤية ناضجة، وتجردًا من المصالح، وحرصًا صادقًا على التطوير. وحين نفصل بين النقد الحقيقي والانتقاد الهدّام، نُمهّد الطريق لمجتمع أكثر وعيًا، وأدب أكثر واقعية وتأثيرًا.
——
المراجع:
د. بلبل عبدالكريم
د. بتول قاسم ناصر
محاضرات في النقد الأدبي
أ. رائد الحسن