فنّ الإلتزام والهوية القومية: من يريفان إلى جبال كُردستان

آناهيتا حمو

احتفاءً بكشف الستار عن تمثال شارل أزنافور في العاصمة الأرمنية في ساحة شارل أزنافور بقلب العاصمة يريفان، حيث امتزجت أنغام “La Bohème » بأصوات الحضور، أغنيته المعروفة والمتداولة في فرنسا والدول الفرانكوفونية، كُشف الستار عن تمثالٍ جديد يُخلّد فناناً لم يكن مجرد مغنٍ، بل ضميراً حيًا لشعبه، وصوتاًعالمياً حمل همّ الإنسان الأرمني لا بل والإنسانية في آنٍ واحد. لم يكن هذا الحدث مجرد لحظة رمزية، بل تذكيرٌ حيّ بأن الفن حين يكون ملتزماً، يُصبح ذاكرة أمة ونوراً لأجيالها.


وما زال الوفاء يزود ريشتي، صدى مذياع والدي الساعة الخامسةبعيدالظهيرةبتوقيت قامشلو،”صوت يريفان” يبث باللغة الكُردية من العاصمة الأرمينية في الذواكر:” يريفان خبردده،يريفان تتحدث”.عكَيده جمو، قناته كردو،كَره بيته خاجو….”
وما يلفت في قصة الفنان شارل أزنافور، المولود في فرنسا لأبوين أرمنيين نجوا من الإبادة، أنه لم يتخلّ عن جذوره قط، بل حوّل مأساتها إلى طاقة إبداعية وأداة للدفاع عن الحق. في أعقاب زلزال سبيداك 1988، لم يكتف أزنافور بالتضامن الرمزي، بل أسّس مؤسسة “أزنافور من أجل أرمينيا”، مجسداً المفهوم الأسمى للفنان المواطن.


وما بين سطور هذا المشهد الفني ،الإنساني الأرمني، تلوح أمامنا مآلات الشعب الكردي، ذاك الذي تقاسم مع الأرمن تاريخاً من الإضطهاد والمجازر، لكنه أيضاًعُرف بمقاومته الثقافية والفنية. كما أزنافور، ظهرت أصوات كردية ارتقت بفنها من رحم المعاناة إلى مصاف العالمية، أمثال :” آيازوأردوان زاخولي، كريم كابان تحسين طه،نسرين،محمد عارف جزرازي، شيرين، كليستان ،محمد شيخو، شفان برور، محمود عزيز، سعيد يوسف، حسن زيرك حسن زيرك، مظهرخالقي، ، دلشاد محمد سعيد وغيرهم ممّن جعلوا من اللغة الكردية والذاكرة الجمعية وقوداً للإبداع والتميّر لا للتقوقع.


الفن عند الكرد والأرمن لم يكن ترفاً بل ضرورة وجودية، وسلاحاً ناعمًا وناجعاً، لمواجهة المحو والتهجير،التهميش الثقافي والإنكار. إنهم لم ينكفئوا على جراحهم، بل حوّلوها إلى قصائد وأغنيات ولوحات ومسرحيات تشهد لهم بأنهم حاضرون، رغم كل محاولات الإجتثاث في ظل البعث العفلقي الشوفيني.


الكشف عن تمثال أزنافور ليس فقط احتفالاً بفنان، بل تتويجاً لمسيرة شعب قاوم بالإبداع، ودعوة لكل شعوب المنطقة خاصة الأقليات المضطهدة منها أن تُدرك أن الفن الملتزم هو أداة بقاء واستمرار واعتراف.
ختامًا، إذا كان الفنان أزنافور “100% فرنسي، 100% أرمني”، فإن الفنان الكردي الملتزم بقضايا أمته الكُردية، اليوم هو أيضاً “100% عالمي، 100% كردي”، حين يكون صادقا مع شعبه وقضاياه، فيغدو الفن جسراًنحو الإعتراف، لا سياجاً للعزلة.

اترك ردّاً