غريب ملا زلال

تعبر هذه الصرخات ( صرخات صلاح حميد) عن عالم يغزوه السواد من الجهات العشر، ويستخدمها في سياقات معاصرة كنقاط ارتكاز لاستيقاظ الألم.
إذا كانت الوجوه خزانة الإنسان ومرآة إحساسه، فالصرخات التي تنطلق من أعماقه عبر هذه الوجوه، عبر تلك الفجوات المزروعة فيها، أو ما تُسمّى الأفواه، ما هي إلا صرخات الثورة على الذات أولًا، وعلى الجهات ثانيًا. صرخات ترتدي التمرد والرفض حينًا، وترتدي القلق والعجز حينًا آخر. صرخات يمكن أن نلمسها بعمق الشعور المتأصل فينا ونحن نقترب من أعمال التشكيلي صلاح حميد، الأعمال القادرة على القيام بفعلها في واقع غريب ومخيف ومعادٍ.
وهو لا يتراجع – وأقصد حميد – إلى الخيال بشأن تبيان القوة أو الضعف، فهو يحمل مرآة الواقع العاري تمامًا، يكفي أن يتأملها برهة حتى تبدأ البورتريهات الواقعية بالتوالد. هي ليست ساذجة، وليست غارقة في الغموض النفسي أو الاجتماعي أو السياسي، بل يمكن العثور عليها وعلى هويتها في التفاصيل التي يسلط حميد «زومه» عليها، مع الاحتمالية المتغيرة وغير المستقرة لتجاوز سياقها الراهن، وبالتالي تجاوز المكان الآخر، اعتقادًا بأن هذا التغاير قد فُرض للتمايز، لا للتفريق.
فالصرخات التي تشهد المرحلة، على أساس من الاضطهادات التاريخية التي وقعت في أمكنة وأزمنة معيّنة، لا ترتاب ولا تنفر، بل تحيي الأمل، لا كمفارقات مستحيلة، بل كإحياء للوجوه وللعناوين المنتقاة بعناية. وفوق كل شيء، فهو يستخدمها في سياقات معاصرة كنقاط ارتكاز لاستيقاظ الألم، الذي لم يخترعه هو، بل وُلد من عدم تجاهل العنف والإساءات داخل الحدود وخارجها.

فالهجوم المدمّر على الإنسانية، والذي يجري على مرأى من العالم، كيف لا تفتح الأفواه بالصراخ المستديم الذي لا يتوقف، فالموضوعات التي يشتغل عليها حميد، وبالقدرات التعبيرية وما تحمله من المدلولات، تحقق له قيمًا جمالية ونظامًا من الوحدات التكوينية، والتي بدورها قادرة على أن تحرك الفعل البصري في مشهده على نحو متزايد. ولعل السر الذي لا يرغب حميد في كشفه هو خوضه في الاختزالات الشكلية، والتي رسمت خطواته نحو أسلوب تعبيري بإيقاعات انطباعية في خضم تعقيدات هذه الحياة القاسية جدًا. وما صرخاته وصرخات شخوصه إلا انعكاسًا لها، بل تمردًا عليها، ورفضًا لها، أقصد على الحياة وللحياة. ولنستمع إليه كيف كان يلتقط تفاصيلها ومفرداتها منذ يفاعته، والتي تكاد تلخص لنا تلك الدائرة التي فيها تتداخل توازناته الشكلية واللونية والبصرية المتحركة بفعل هيمنة تلك الصرخات المختلفة:
“في ريعان شبابي كنت أمارس طقوس النظر لوجوه الناس والطبيعة، حبًا بجمال الخلق، وتطرقًا لفهم أسارير قلوبهم، لماذا يصبحون هادئين بعد تعب في تمرير عذاباتهم للآخرين، لكن دون أن يدركوا أنني التقطت تلك الصرخة من داخلهم، صرخات تعبر عن عدم ارتياحهم وعدم قدرتهم على جلب الطمأنينة إلى قلوبهم، صرخات تعبر عن فشلهم المادي في الحياة، لكن دون إدراك منهم أنهم ناجحون في تكوين الإنسان الطيب الرحيم الذي يعشق أرضه ومجتمعه”.
فإذا كانت الصرخة للنرويجي إدوارد مونك (1863-1944)، والتي تأتي ضمن الأعمال العشرة الأكثر شهرة والأكثر قيمة في العالم، قد وُلِدت بعد تجربة نفسية قاسية كان قد عاشها الفنان مونك نفسه، ولنستمع إليه عبر ما دونه في مذكراته ملخصًا الدوافع التي كانت تقف خلف ولادتها:
“كنت أسير في الطريق مع صديقين لي، ثم غربت الشمس، فشعرت بمسحة من الكآبة، وفجأة أصبحت السماء حمراء بلون الدم، فتوقفت وانحنيت على سياج بجانب الطريق، وقد غلبني إرهاق لا يوصف، ثم نظرت إلى السحب الملتهبة المعلقة مثل دم وسيف فوق جرف البحر الأزرق… إلخ”.
أقول: إذا كانت صرخة مونك الشهيرة صرخة قلق وخوف واضطراب، صرخة شخص يقف في مركز العمل، ويضع وجهه بين كفيه، فاتحًا فمه في أقصى مداها، كإشارة إلى أن الصرخة تأتي من القاع، من العمق، متكئة على الهلع الكبير الذي عاشه الفنان في تلك اللحظات الصعبة التي سردها لنا في مذكراته، فإن صرخات حميد تشاطرها في بعض حوافزها، ولكنها تمضي ببعضها الآخر في اتجاهات أخرى، لها ما لها وعليها ما عليها، صرخات بين الرفض والتمرد حينًا، وبين الحيرة والضياع حينًا آخر، وبين الصمت والذهول حينًا ثالثًا، صرخات تعبر عن عالم يغزوه السواد من الجهات العشر، وتنفرط قوانينه بتعقيداتها، ولم تعد كائناته تملك نظامًا قيميًا إلا ما يخضع لشوائب التبدل والتحول، أو لنقل: نظامًا عدميًا لا يرغب الإنسان الحقيقي قدومه.
صرخات تميل بشكلها الفني إلى البحث عن العناصر التي تتماشى مع طبيعتها الجوهرية، مشحونة بالانفعالات العاطفية من خلال تركيب وحداتها الفنية، والتوجه نحو تجسيد الصور الذهنية بمعادلات متوازنة مع الانفعالات الجمالية على السطح التصويري. فما يربط بين تلك الصرخات هو الافتتان والعقيدة الجمالية بالدرجة الأولى، ثم تلك العناصر التي تتعاطف مع أسلوب العمل في المساحات اللونية. فبعد سلسلة من الصرخات التي تبدو من الوهلة الأولى وكأنها جداول متوازنة لكل منها ضفافها،
لكلٍّ منها حزنها الكبير، وحزمها الضوئية ضمن نظام من الألوان لا تترك المناطق الأخرى فيها دون لمساته، المناطق التي لا تشكّل أية حيادية فيها، فالصلابة دقيقة، والانتقال ليس دائرياً بما فيه الكفاية، وهذا يوصله إلى نسق له دينامية بصرية، تجمع بين الصوت والحركة في جانب، وبين الانطباعات التناغمية التي تتحد فيها العناصر الشكلية واللاشكلية لتحقيق ما هو مدهش وجديد في المدى والزمن في جوانب أخرى.

أمّا التنوع الهائل في صرخات صلاح حميد، وإنتاجها الفني، فينطلق من تجربة شخصية تمتد لسنوات طويلة، بدءاً من مرحلة الصبا والبدايات حين كانت العينان لديه لا تقتصران على الرؤية العادية والطريق إلى الأشياء، بل كانتا عدستين في أعلى درجات دقتهما، تلتقطان الوجوه وتفاصيلها في إطار من المتابعة التي تحمل كل أهميتها، وصولاً إلى مرحلة النزوح والهجرة وما تنبض به من ضياع وتعب. فهذا التنوع لم يأت من فراغ، بل من تجربة زمنية تشكّلت خطوطها من الوجع الكبير، فالسماء حينها لم تعد زرقاء، والهوية لم تعد إلا كسرة خبز على رصيف ما، ولهذا نجد صرخاته تتوزع على الصمت والتأمل العميقين على ما يجري، والحزن الذي حل ككابوس على قلوبنا جميعاً، والحيرة والضياع والتشرد الذي كان يلف روحنا. فصرخاته باتت خرائط لجولاتنا في أزقة الحياة الضيقة جداً، وثمّة أهمية لذلك تتجسّد في التوجه نحو الصور الذهنية بآليات تعمل على تحويل الانفعالات والمشاعر الداخلية إلى واقع آخر، ألا وهو الواقع المحسوس، أي المنجز الفني المبني أصلاً على تدوينات وخطوط وحركات عمودية وأفقية تجعلك تحس بأنك تتجه نحو دواخل المنجز الفني ذاته، كإضافة لتلك الحركات للنهوض بالمنجز بفعالية وحيوية، وكأن الذي يقدمه الفنان للمتلقي ينخرط بدوره في عمليات التفكير والتخيل التي تجعلك ترى الواقع وكأنه خيال، والخيال كأنه واقع. ولهذا جاز لنا القول بأن تلك العمليات لا تتقيد بالواقع كثيراً وبمدلول محدد، بل بكل ما يحرك الذاكرة الجمعية عن طريق الانفعالات والتخيلات، ومن ثم يجسدها بما يسمى منجزه.
صلاح حميد لا يرسم للتعبير عن نفسه وعن وجوده ضمن هذه الدائرة ذات السطوة الظالمة، ولا ليبرز نتاجاته ضمن فعاليات ذات تركيبات مختلفة، بل ليوقد الإنسان والأماكن البعيدة في ظل الاغتراب الحضاري والتشظي الذي يعاني منه الإنسان المعاصر، وللتعبير عن واقع اجتماعي محيط به، حيث تؤثر فيه بالشكل الذي يحقق ما كان مرجواً منه، بصيغ جديدة، يقوم بناؤها على معطيات معرفية وفكرية بأدوات يمكن الوثوق بها ضمن مراحل بحثه الدائم عن الجديد، بحثه عن قيم جمالية جديدة. وهذا بحد ذاته خروج عن المألوف، وبعيد عن التصورات السائدة، مستلهماً كل ما يساهم في ترسيخ قيمه الفنية وفق أسس تجريبية، حينها تكون الثمار معطيات لا نهائية، ويجد ما يمده بأسرارها وأسرار الموجودات كلها، وهذا ما يجعله يمضي بمتلقيه نحو دهشته. فما يبذله حميد من جهود، بالرغم من الظروف الاستثنائية والصعوبات التي يواجهها، حاله كحال معظم السوريين في بلاد الشتات، ليست صغيرة، فيبدأ التعامل مع المناخات المختلفة، بما في ذلك تعامله مع الطبيعة، وله ارتباط وثيق معها، كيف لا وهو ابن الزيتون، ابن مدينة عفرين المعروفة بجمالها وصدقها، بأشجارها ومائها، بجبالها وناسها. فمن البداهة أن يكون لذلك حيز لا بأس به في مساحات نتاجه، ويمكن القول بأن حميد احتفظ لفترة طويلة بأسلوبه الذي يعتمد على استيقاظ اللاوعي كمحرك فعلي للشكل قبل تشظي أجزائه على سطوح المنجز ذات المحمولات التي تؤكد بأن آليات التنفيذ عنده تتفعّل من خلال شبكة الخطوط والمساحات اللونية المتباينة، ومن خلال مجموعة من الأشكال الحية التي لا تنفصل عن بعضها بعضاً، على الرغم من غموض بعضها وغموض المدى الذي تمضي إليه.
زوم صغير:
-الاسم: صلاح حميد
-المهنة: فنان تشكيلي
-الميلاد: عفرين، سوريا (1984)
-الدراسة: دراسة ذاتية وخاصة في الفن
-المعارض:
معارض جماعية في مدينة عفرين
معارض جماعية في مدينة حلب
معرض ديار بكر (بلدية آمد) – 2015
معرض أقامته منظمة أمنستي إنترناشيونال
معرض جماعي في إستغوا – الدنمارك