الانتحار: ظاهرة تتضخّم بصمتنا

محمود نعسان

إن أول ما يخطر لنا إذا سمعنا أن أحدهم انتحر وأنهى حياته هو سؤال: هل تجوز الصلاة عليه أم لا؟ ونبدأ بعدها الشروع بعملية بحثٍ على محركات البحث عن الفتاوى التي تبيح أو تحرّم الصلاة عليه، أو قد نتساءل هل هو في النار مخلدٌ فيها؟ أم أنه سيبقى فيها لفترة محدودة؟ وقد نتساءل أحياناً عن جواز القيام بواجب التعزية والحقوق الاجتماعية؟ هذه هي الأسئلة وهذه هي المحاور التي تشغلنا عند انتحار شخص مقرّب لنا، أو أحد معارفنا. لكننا هل تساءلنا يوماً لماذا أقبل هذا الشاب أو هذه الفتاة على هذا القرار الذي يفوق التصور والخيال؟! -كيف للإنسان أن يختار العدم المؤقت على الحياة؟ كيف له أن يترك النور ويسلك درب الظلام؟- وهل حاولنا إيجاد إجابة عما الذي يدفع المرء لينهي حياته ويترك وراءه أبواب الأسئلة والأسى مشرعةً على مصراعيه عند أحبابه وأهله الذين لا يبرحون يتساءلون: لماذا تركنا؟ لماذا لم يبرر فعلته برسالة وداع؟ هل أخطأنا بحقه يوماً ما وكنا السبب في قتله؟… إنه جرحٌ نازف لا يلتئم مع الأيام.

نظرة المجتمع إلى الانتحار

تعيش مجتمعات المنطقة في حالة هروب من الواقع ظناً منها بأنها بهروبها وتغاضيها عن البحث في الانتحار ودوافعه تقلّل من حجم الظاهرة والمأساة ولا تضخّمها إعلامياً، وخوفاً من وصول حديث الانتحار إلى فئة النشء وفتح الباب أمام إقبال الشباب عليه أو التهاون فيه ليغدو حديثاً طبيعياً، لدرجة أن الحديث عن الانتحار أصبح “تابو”، وباعتقادي أن هذه الآلية كانت ناجعة وسليمة في العصور السابقة، وقد أتت أؤكلها، لكن يجب أن تتغيّر التكتيكات بتغيّر الواقع الذي تغيّر كثيراً عما كان عليه قبل عقود -مثل ارتفاع حساسية الفرد النفسية والظروف المحيطة به-، وأصبحت أخبار الانتحار تنتشر على كل وسائل التواصل الاجتماعي ولا يمكن إخفاؤها أو طمسها، وتصل إلى كل فئات المجتمع وتتسرب إلى دواخل أطفالنا وشبابنا -شئنا أم أبينا- دون أن يملكوا أدوات مواجهتها، وأصبح أبناؤنا عزلٌ في مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة، وأصبح الانتحار وسيلة سريعة التحضير في ظل الأزمات النفسية التي تعصف بالفرد الهش في العصر الحديث. فبدلاً من إسكات الأصوات وتكميم الأفواه وإغلاق الآذان يجب تقبل الواقع والاعتراف به وتوعية الفرد والتحدث عن الظاهرة بكل شفافية ووضوح وموضوعية لنستطيع التغلب عليها وإيقافها عند حدها. ومما يثير الاستغراب أن المنصات الاجتماعية والباحثين يتبنون نفس المنهج الشعبوي في التعامل مع هذه الظاهرة بالسكوت عنها -ظناً بأنه الحل الوحيد- وكأنها أمر عَرَضي لا يستحق التأمل، ويصعب أن تجد برامج توعوية أو بودكاست يتكلم عنها بجدية تمّكن الفرد من مواجهتها -شخصياً بحثتُ عن حلقات بودكاست ولم أجد الشيء الكافي للتوعية-.

لغة الأرقام

بحسب منظمة الصحة العالمية (WHO) فإن الانتحار يُعتبر السبب الثالث للوفاة لدى الفئة العمرية 15-29 في عام 2021. ويُقدر عدد الوفيات سنوياً بـ أكثر من 720.000 شخصاً ي ما يقارب وفاة شخص كل 43 ثانية، ونسبة %77 من الحالات تحصل في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وتزداد الحالات في مناطق الحروب والصراعات، ففي سوريا مثلاً، هناك تقارير تفيد بأن حالات الانتحار ارتفعت في بداية عام 2024 بنسبة تقدر بـ8٪ مقارنة بنفس الفترة من 2023، حيث بلغ عدد الحالات في النصف الأول من 2024 نحو 620 حالة (325 منها نساء و295 رجال) بحسب وزارة الصحة السورية.

أيضاً، هناك تقرير تابع لـ المرصد السوري لحقوق الإنسان يفيد بتوثيق “50 حالة انتحار” منذ بداية 2024 حتى وقت التقرير، منها “9 أطفال و12 امرأة” في مناطق متفرقة من سوريا.

في تقرير آخر يُذكر أن “191 حالة انتحار” تمّ تسجيلها في سوريا خلال فترة ما في 2024، منها “104 يموتون” و“87 محاولات انتحار” موزعة في مناطق متعددة. ولا نملك إلى اللحظة أي بيانات وإحصاءات عن منطقتنا بشكل كامل بسبب التكتم وعدم الإفصاح عن الحالات، ومحاولة تزوير تقرير الطبيب الشرعي أحياناً خوفاً من الوصمة والرفض المجتمعي، وربّما أمكننا لو وجدت أرقام حقيقية أن نستنتج بشكل مبدئي وظاهري أسباب الانتحار في دولنا وعملنا على تفاديها وزيادة الوعي بها، أما والحال هذا فإننا بحاجة إلى مراحل مسبقة للوصول إلى المعالجات الرسمية والمجتمعية لأننا لا بد أن نتخلص في البداية من نظرة المجتمع التكفيرية والوصم بالجنون ليستطيع ذوي الضحية أن يفشوا بالسبب الحقيقي للوفاة ومن ثم إجراء مقابلات مع ذويه ومقربيه وأصدقائه لمحاولة فهم شخصية الضحية والتكهن بدوافعه.

قتل الألم، لا قتل النفس

كم صرخة أطلقها المنتحر قبل موته ولكننا لم نسمعها؟ كم مرةٍ بكى وحده في جوف الليل ولم نمسح دموعه؟ كم مرة كان يبحث عن شخصٍ يسمعه ويروي له ألمه ومواجعه لكنه لم يجد أحداً؟

قبل أن نقول أن المنتحر في النار وجهنم، وقبل أن نكفّره أو نفسّقه يجب علينا أن نعرف أنه انتحر لسببٍ ما، وأن نبحث في هذا السبب ونعالجه كي نحمي غيره، بدلاً من أن نطلق الأحكام.

معالجات للظاهرة

للأسف الشديد جداً أن هذه الظاهرة التي تزداد في التفاقم لم تحظَ بالاهتمام والبحث لا من الجهات الرسمية، ولا من علماء النفس والاجتماع في منطقتنا، ولم تُقاد حملات توعوية في التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي لتوعية الشباب على أهمية الحياة، وبناء شخصية قادرة على مواجهة تحديات الحياة وظروفها الصعبة وتقبل فكرة الموت والفقد والانهزام والضياع وخاصة في المناطق التي ترزح تحت وطأة الحرب والصراعات الداخلية وانتشار المخدرات ومواد الإدمان، وتعيش حالة اقتصادية متردية تعاني من سوء البنية التحتية والبطالة، أو في المجتمعات المرَفهة والغربية والتي تنعدم فيها الروابط والعلاقات الاجتماعية والتي يفقد فيها الإنسان الإحساس بالمعنى بكل الأشياء من حوله، فيغدو العالم بارداً ولا يمت إليه بصلة ولا يثق بالأشياء من حوله. الأمر يحتاج إلى خبراء وعلماء وباحثين ووعاظ دينيين… وهذه بعض الإجراءات الوقائية التي يمكن أن تكون ذو نفعٍ كبيرٍ:

  • التوعية الصحية عن طريق المنظمات الصحية والتحذير من التعاطي والابتعاد عن المواد المخدّرة، وتعريف الناس بضرورة زيارة الطبيب النفسي عند الحاجة أو استشارة المرشد النفسي في المدرسة.
  • تدخل وتكاتف جهود جميع الوزارات:
  • وزارة الداخلية: لمعالجة المشكلات السياسية والأمنية وخلق بيئة مستقرة وآمنة تحمي المواطن وتثمن رأيه في المشاركة في الحياة السياسية، وتصون كرامته.
  • وزارة الاقتصاد: للقضاء على البطالة وتوفير فرص عمل للشباب وفتح سوق العمل وزيادة القدرة الشرائية ورفع مستوى الدخل لرفع فرص امتلاك بيت وسيارة وأساسيات الحياة.
  • وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل: إزالة مظاهر الابتذال (مثل التسول والنوم على الأرصفة وفي الحدائق) وتوفير فرص العمل والدورات المهنية والقيام بأنشطة ترفيهية بهدف خلق أهداف للشباب والقضاء على الوحدة والضجر والملل، وخلق أجواء تشاركية وتنافسية ورفع الكفاءة.
  • وزارة الثقافة: والشخصيات الثقافية الذين يمكن أن يفهموا طبيعة الإنسان ويحددوا له أهدافه ويرسموا له طريقه، ويشجعوه على القراءة لتتغيّر نظرته للحياة.
  • وزارة الأوقاف: التي يمكن بدورها أن تخصص خطب الجمعة عن أهمية المحافظة على النفس وعدم انتهاكها، وزرع القيم الأخلاقية والإنسانية، ونبذ العنف والتشدد والتوجيه نحو التدين المعتدل.
  • ووزارة الإعلام: التي يمكن أن تخصص برامج تلفزيونية وحلقات بودكاست مع مختصين في هذا الشأن لرفع الوعي وملاحظة الأخطار والتنبيهات التي يمكن أن نلتقطها قبل فوات الأوان من الأشخاص الذين يفكرون بالانتحار.
  • ووزارة التربية: تعيّن مرشداً نفسياً ودروس التثقيف النفسي في المناهج.

لا زلنا نستطيع أن ننقذ أرواحنا تعبت من أصوات القصف وأزيز الرصاص، أو لم تعد تحتمل أن تبقى عاطلةً بلا عمل وبلا بيتٍ يحترم خصوصياتهم، لا زلنا نستطيع أن ننقذهم إذا اعتبرناهم ضحايا لا جناة، بأن نصغي إليهم ونطبطب آلامهم، وأن نمسح دموعهم، وأن نأخذ بيدهم ونرأف بحالهم، إذا تعاملنا معهم كأرواح تعبت وصرخات انقطعت، لا كمجرمين وجبناء.

اترك ردّاً