كيف تصير العتبة شاطئاً؟

قراءة في كتاب «شواطئ النص.. الاقتباس التمهيدي في الرواية العربية» للدكتور ولات محمد

إبراهيم اليوسف

تقديم

لا يمكن للقارئ مقاربة عوالم كتاب الناقد ولات محمد “شواطئ النص:الاقتباس التمهيدي في الرواية العربية”[1] كما تتم مقاربة أية دراسة تقنية صِرفة فحسب، ذلك نظراً لخصوصيتها التكوينية، إذ يجد (القارئ) نفسه منذ الصفحات الأولى أمام عالم متشابك من الأسئلة والحدود والاحتمالات؛ فالموضوع الذي ينهض عليه العمل ليس طارئاً على تاريخ الأدب، وإن كان قليل التداول في النقد المعاصر، إذ إن فكرة العتبات، بما فيها من عناوين وإهداءات وافتتاحيات واقتباسات بل وأيقونات[2] ظلّت تحيط بالنصوص منذ القدم، لكنها لم تُعالج بوصفها مجالاً قائماً بذاته، بل بوصفها هوامش أو ملحقات لا قيمة لها في قراءة المتن وتأويله.

من هنا تأتي فرادة هذا الكتاب، من وجهة نظر هذه الدراسة: إنه يرفع من شأن الهامش في موازاة مقام المركز، فيجعل من الاقتباس التمهيدي ميداناً للتفكير النقدي، لا باعتباره تفصيلاً زخرفياً في محيط النص، بل فضاءً يشارك في إنتاج المعنى وتوجيه القراءة.

بمثل هذا التأسيس، ضمن شرط تقويمي، موضوعي، يأخذ المؤلف قارئه إلى مدخل واسع[3]، يذكّره من خلاله بأن النصوص لا تبدأ من متنها فقط، وأن القراءة لا تنطلق من الصفحة الأولى وحدها، سردياً، بل من العلامات التي تسبقها وتحيط بها، تلك التي تهيئ المزاج القرائي وتوجّه الانتباه وتؤسس لأفق التلقي.

الحق أن كتاب د. ولات محمد “شواطئ النص” يبدو منذ عنوانه، بما يحمله من صورة مركبة، محاولة واعية لنقل النقاش النقدي إلى مستوى لم يبلغه من قبل في مجال العتبات النصية التي كتبت بالعربية، إذ يضعنا أمام عمل لا يكتفي بالتقاط طرف خيط من حقل مجاور، بل يصر على أن يؤسس حقلاً مستقلاً بذاته، معلنًا أن الاقتباس التمهيدي، هذه العلامة الصغيرة التي وُضعت في هوامش القراءة، جديرة بأن تتحول إلى موضوع قائم بذاته، وإلى أداة استراتيجية في التحليل.

وهنا بالضبط تتحدد قيمة الكتاب ومثار النقاش في آن واحد: إنه – بحسب متابعاتنا المتواضعة – أول جهد نقدي بالنسبة للنقد المكتوب بالعربية، يجعل من الاقتباس التمهيدي مداراً لدراسة مطولة، ويخوض مغامرة وعي بأن هذه العتبة ليست ثانوية بل أساسية، لكن في الوقت نفسه يضع نفسه تحت مجهر السؤال: هل تكفي عتبة واحدة كي يُبنى عليها مشروع نظري وتطبيقي بهذا الاتساع؟

عود على بدء: هل للنص شواطئه؟

اختيار “شواطئ النص” عنواناً للكتاب ليس اعتباطيًا، في رأينا، بل يحمل في طياته رؤية المؤلف لموضوعه؛ فالدكتور ولات محمد يشبّه العتبات النصية ـ وفي القلب منها الاقتباس التمهيدي- بالشاطئ الذي يقف عليه القارئ قبل أن يغامر في الغوص في البحر متلاطم الأمواج. وبالقدر الذي يكون فيه الشاطئ منطقة تماسّ بين عالمين: اليابسة والماء، الداخل والخارج، الاستقرار والانفتاح، تشكل العتبة منطقة فاصلة وواصلة في آن: تفصل النص عن محيطه الخارجي، لكنها في الوقت نفسه تصله به، وتمنح القارئ لحظة تأمل قبل الولوج إلى العمق. يصوغ الناقد للتعبير عن هذه الوظيفة المزدوجة المتزامنة للعتبة النصية كلمة: تـ(فـ)صل.

العنوان ، إذن، يختزل هذه الرؤية: النص ليس جزيرة مغلقة، بل بحراً يقتضي دخولَ مياهه عبورُ شواطئه أولاً. والاقتباس التمهيدي قبل النص هو أحد هذه الشواطئ، يتيح للقارئ أن يرى الأفق، أن يتأمل التضاريس، أن يتوقع شيئاً مما ينتظره في الداخل. ومن هنا تأتي قوة الصورة: فكما أن الشاطئ لا يُغني عن البحر لكنه شرط عبوره، كذلك الاقتباس التمهيدي (بوصفه عتبة نصية) لا يغني عن النص لكنه يظل ضرورة في استراتيجيات القراءة: تأمل النص، تشكيل أفق التوقع ثم معرفة النص وتأويله.تأمل النص، تشكيل أفق التوقع ثم معرفة النص وتأويله.تأمل النص، تشكيل أفق التوقع ثم معرفة النص وتأويله.

يكشف الإهداء في هذا العمل النقدي عن طبيعته؛ فالمؤلف لا يقدم نصاً محايداً، كما يقتضي النقد التقليدي، بل يستحضر ذاته، وحياته، وعلاقته بالآخر، والكتاب، إذ يهدي العمل إلى خير جليس، ثم إلى المرأة التي شاركته الحب والتفاني، ثم إلى نفسه، وكأنه يقول إن هذا الكتاب ثمرة تداخل بين الذاتي والموضوعي. هذه البداية ليست بلا معنى نقدي، كما نرى: إنها تعلن أن المؤلف يرى العتبات أفعالاً دلالية، وأنه يعي من اللحظة الأولى أن النص لا ينفصل عن محيطه. ومن ثم تأتي الاقتباسات الافتتاحية التمهيدية لتؤكد أن كل عمل ناقص، وأن النقد فعل نسبي، وأن المؤلف يعتذر للقارئ مسبقاً عن أي خلل فيه.

بالإضافة إلى ذلك ثمة اقتباسات افتتاحية أخرى تمهد لدخول متن البحث، اثنان منها في الصفحة التالية، إذ يُنسب الأول منهما لمونتيسكيو ويقول: “إذا لقي عملي هذا نجاحاً فسوف أدين بالكثير منه لجلالة موضوعي”، أما الثاني فهو لعبد الرحيم البيساني القاضي الفاضل الأديب ووزير صلاح الدين الأيوبي، ويقول فيه: “إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن ولو زيد هذا لكان يُستحسن، ولو قُدم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر”. هكذا يهيئ المؤلف القارئ عبر هذه الاقتباسات الافتتاحية لوعي مزدوج: وعي بموضوع البحث وأهميته، ووعي بحدود الجهد البشري ونسبيته.

إضافة إلى ذلك يستقدم المؤلف مقولة لميشيل بوتور: “الكتاب يضع أمامنا ظاهرة للسكن فوق ما يصفه أو يوحيه، لأنني في الواقع، أتنقل في كتاب كما أتنقل في بيت”، ومقولة لجوزيف إ. كيسنر: “ليس الكتاب موضوعاً فحسب، بل إنه موضوع معماري، وهو مشيد، وليس مكتوباً”، لتكون جميعاً ذوات دلالات أو مفاتيح المفاتيح يمكن استقراؤها في إطار آخر للاستدلال على رؤية مفتاحية للكتاب تشير إلى الموقف النقدي للمؤلف في أطروحته الراهنة.

على ضوء كل هذه المقدمات يضع المؤلف حجر الأساس النظري وهو يسائل البداية نفسها: من أين ينطلق الباحث حين لا يجد أمامه سلفاً أو تقليداً نقدياً راسخاً؟ هنا يستعين بمفهوم إدوارد سعيد عن البدايات اللازمة، ليؤكد أن مشروعه لا يستمد شرعيته من تراكم سابق، بل من حاجته إلى صنع بدايته الخاصة. ثم يطرح الأسئلة الجوهرية: لماذا يحيط المؤلف نصه بعلامات لفظية وغير لفظية؟ ما وظيفتها؟ كيف تؤثر في القارئ؟ كيف يمكن أن تُقرأ لا بوصفها زينة خارجية، بل مفاتيح للمعنى؟

من هنا ينفتح الكتاب على جيرار جينيت وسؤاله الذي أراد عبره وضع تعريف للعتبات النصية المتمثل في قوله “ما الذي يجعل من النص كتاباً؟”، لكن المؤلف لا يقف عنده بل ينقده، لأن سؤال جينيت ظل ـ برأيه ـ أسير البعد المادي والإشهاري وأغفل البعد التأويلي الوظيفي للعتبات النصية، ويقترح أن تُفهم العتبات على أنها ” شواطئ النص“: فضاء يفصل ويصل (أو يـ(ف)ـصل حسب تعبيره) بين النص وخارجه، يعكس رؤية المؤلف في نصه، يهيئ القارئ لمغامرة قراءة النص ويحاول توجيه تلك القراءة أيضاً.

من منظور استقراء النص النقدي، فإن هذا المدخل يكشف عن رغبة تأسيسية واضحة، رغبة طرق أبواب جديدة، بعد عبور بوابات مألوفة، إلى حد ما، حيث نجد المؤلف لا يكتفي بإعادة صياغة مقولات جينيت، بل يريد أن يضيف إليها، وأن ينقلها إلى سياق مقروء في سياق ابتكاري، تنظيراً وتطبيقاً: تنظيراً من خلال محاولة وضع خطوط لرؤى جديدة، وتطبيقاً من خلال استخلاص ما لم يتم تناوله في أعمال سردية تم تناولها من خلال قراءات مختلفة.

هنا تتجلى قوة البحث، لكن يظهر- في المقابل- أيضاً أولى الثغرات؛ فالمقدمة، رغم غناها، تميل إلى الإطالة النظرية التي قد تثقل على القارئ قبل أن يصل إلى صلب الظاهرة، إذ كان بالإمكان أن يكون العرض أكثر تكثيفاً ليتفرغ التحليل لما هو أخص، أي: الاقتباس التمهيدي. ولكن يبدو أن المؤلف اختار أن يبني قاعدة صلبة، حتى لو طالت المسافة قبل الدخول إلى القراءات التحليلية.

في الفصل الأول من الباب الأول يتناول المؤلف العتبات النصية من زاوية النقد الغربي، حيث يعرض كيف انتقل النقد من البنيوية وإعلان “موت المؤلف” إلى جوليا كريستيفا التي فتحت النص على العالم عبر التناص، ثم إلى جينيت الذي نظّم هذه الرؤى في كتابه عتبات. هنا لا يكتفي المؤلف بالاستشهاد، بل يعيد رسم المشهد بكامله، من خلال استحضار أسماء عديدة: كوهن، دوشي، دريدا، دوبوا، لوجون، كومباغنون، ميتران وماري برات. هذه الكثافة تجعل القارئ يرى أن حقل العتبات النصية ليست تفصيلاً معزولاً على هامش الممارسة النقدية، بل جزءاً من مسار نقدي طويل. ومن منظور نقد النقد، يُحسب للكتاب أنه لم يسقط في التبسيط، بل أنه أعاد عرض السياق بدقة.

بعد ذلك ينقل المؤلف النقاش إلى التراث العربي معلناً، بذلك، أن العتبات ليست وافداً أجنبياً، بل كانت حاضرة بقوة في نصوص تراثية: الافتتاحيات، الديباجات، الحواشي، الشروحات، العناوين، الختم والتوقيعات. ويشير كذلك إلى أن النقد التراثي القديم ـ من جهته ـ أفرد أبواباً لهذه العناصر المحيطة بالنص، ما يعني أن دراستها ليست حالة طارئة أو ترفاً، بل امتداداً لما كان مألوفاً. وهذا ما يقوم به كذلك في الفصل الثاني فيما يخص عتبة الاقتباس تحديداً. ومن زاوية نقد النقد، يمثل هذا الإجراء دفاعاً عن شرعية المشروع، لأن المؤلف اعتمد طائفة من الإشارات العامة، في إطار تحليله الدقيق عبر الاستشهاد ببعض الافتتاحيات أو التوقيعات بعينها ليبرهن على صلة القرابة المباشرة بين العتبات عموماً والاقتباس التمهيدي خصوصاً في النقد الحديث والرؤية التراثية للمسألة.

بعد التأسيس، ينتقل المؤلف (في الباب الثاني) إلى التصنيف كي يقدّم هنا جهازاً مفاهيمياً يسعى إلى الإحاطة بالاقتباس التمهيدي من كل جوانبه: موضعه من النص “أين؟”، الزمن “متى؟”، الشكل “كيف؟”، المصدر “مَن؟”، الوظيفة “لماذا؟”. هذا التصنيف يستند إلى ما أسسه جيرار جينيت في كتابه، لكن المؤلف يضيف إلى أسئلة جينيت الخمسة سؤالين جديدين[4] يسجلان له ضمن إطار ما يسجل له في بحثه[5] وهما: “ماذا؟” الذي يطرحه لمعرفة الحقل الذي ينتمي إليه نص الاقتباس، و “كم؟” لمعرفة عدد النصوصالمقتبسة في العمل المدروس.

من منظور نقد النقد تعد هذه ـ بحق ـ إضافة جديدة جريئة، لأنها تحاول سدّ فجوات تركها جينيت، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلاً عن مدى الحاجة إلى هذا التفريع الواسع: هل يفتح فعلاً آفاقاً جديدة أم أنه قد يؤدي إلى ترهّل الجهاز المفاهيمي؟ المؤلف يدافع عن خياره بالانتقال إلى التطبيق، حيث يختبر هذه التصنيفات على نصوص بعينها.

العتبة بين الإفراط والتفريط: شاطئ النص لا بديله ولا عتمته

يتخذ الناقد محمد في قراءته لمفهوم الاقتباس التمهيدي موقعاً وسطياً أو حتى وسيطاً – أيضاً – بين إفراط وتفريط، فلا يذهب مع الفريق الذي يرى في العتبة فتحاً مبيناً يغني حتى عن النص الروائي نفسه (الرأي الذي ينطوي على قدر من المبالغة التي ترفع النص الموازي إلى مقام المتن)، ولا ينحاز ـ كذلك ـ إلى الموقف الآخر الذي يعتبر العتبة “عتمة” تربك النص ولا تضيئه، ويرى ألا وظيفة لها سوى التزيين والتقليد، بل يرسّخ (الناقد) رؤيته الخاصة التي تتأسس على أن العتبة ليست بديلاً عن النص، وليست بلا قيمة، وإنما هي جزء من استراتيجية القراءة، تفتح باباً للقارئ وترافقه في مسار التلقي، وقد تمنحه مفاتيح إضافية لفهم النص أو تكمل الرؤية التي يقدّمها الروائي، لكنها ليست ضمانة مطلقة، إذ يمكن أن تخذل القارئ أحيانًا أو تضلّله. ومن ثم فإن الاقتباس التمهيدي عنده يعمل في منطقة توتر دقيقة: ليس هو الأصل ولا هو الهامش الميت، بل هو أحد “شواطئ” النص الذي يتيح للقارئ فرصة تأمل قبل خوض البحر السردي، من دون أن يُعفيه من مشقة السباحة فيه طبعاً.

الاقتباس التمهيدي بين اللغة والأيقونة: القراءات التطبيقية في “شواطئ النص

قارئ هذا السفر النقدي سيجد أن د. ولات محمد، بعد أن يغادر الإطار النظري إلى الحيز التطبيقي، يضع بين يدي القارئ مجموعة من الروايات الشهيرة تعد من ضمن الأكثر حضوراً في المشهد الروائي خلال العقود الأخيرة والتي جسّدت ظاهرة الاقتباس التمهيدي في الرواية بأشكال وأساليب متعددة، من المنظور الاعتباري أن بعضها لفظي، وبعضها أيقوني بصري، بينما يزاوج بعضها الآخر بين الاثنين (اللغوي والأيقوني) من رسوم وخرائط وبورتريهات[6]. هذا الانتقال من النظرية إلى الممارسة هو ما يمنح كتابه ثقله البين، إذ لا يكتفي بالحديث عن المفهوم، بل يُظهر كيف يتجسد على أرض واقع النصوص، وكيف يرافق القارئ في مسار التلقي.

حيدر حيدر: الزمن الموحش

في رواية” الزمن الموحش” تتجلى عتبة الاقتباس، أولاً، في اقتباس (شعري) تمهيدي للنص، لكنه يزداد أهمية حين يعود في النهاية على هيئة اقتباسات ختامية متعددة تلتقي مع البداية في علاقة جدلية بينية من جهة، وبينهما وبين نص الرواية من جهة ثانية. يبيّن المؤلف أن هذه الاستراتيجية جعلت القارئ محاصَراً بالاقتباس من المدخل إلى المخرج، بحيث لم يعد النص مغلقًا على ذاته، بل مفتوحًا على شبكة من الإحالات. هنا تتخذ عتبة الاقتباس شكل حلقة، تُدخل القارئ من باب وتخرجه من باب آخر، لتؤكد أن القراءة النصية ليست خطيَّة، بل دائرية، وأن النص يعيش في ظل نصوص أخرى تتفاعل معه دلالياً منذ العتبة الأولى حتى العتبة الأخيرة.

عبد الرحمن منيف: سباق المسافات الطويلة

عبد الرحمن منيف في عمله القيم هذا (سباق المسافات الطويلة) يجعل الاقتباسات التمهيدية نصوصاً موازية لفصول الرواية الخمسة. يوقع تحت هذه الاقتباسات كل من لورنس وشخصيات بريطانية استعمارية، ما يجعل القارئ يتهيأ لتلقي النص في إطار تاريخي استعماري. غير أن الرواية تنقلب على هذه التوقعات، فتجعل الأحداث تكشف فشل المشروع الكولونيالي وتعرّيه. يوضح د. ولات أن منيف استخدم الاقتباس التمهيدي بوصفه أداة تتلاعب بانتظارات أو ترقبات وتوقعات القارئ، إذ يضعه في أفق محدد ثم يفاجئه بالسرد الذي يسير في الاتجاه المعاكس. يقول في هذا الصدد: “إن الاقتباسات التمهيدية في هذه الرواية (عدا الاقتباس الأول) لا تقوم بتكثيف دلالات النص الروائي أو بالتمهيد للرؤى المطروحة فيه، بل تقوم بوظيفة استعادة التاريخ، لتخلق به أفقاً للتوقع لدى القارئ، ثم يقوم السرد (في أثناء قراءة القارئ للرواية) بكسر هذا التوقع لخلق حالة من التناقض في ذهن القارئ ستدفعه إلى التوقف والتأمل والمقارنة والاستنتاج، وهي الغاية من هذه الاقتباسات كما رأت إليها عين هذه القراءة”[7]. هنا يعمل الاقتباس كمرآة معكوسة، يهيئ القارئ ثم يخدعه، ليجعله أكثر وعيًا بالاستراتيجية والرؤية السرديتين.

صنع الله إبراهيم: بيروت بيروت

في تجربة صنع الله إبراهيم، كما أشرنا سابقًا، يزاوج الاقتباس بين النص اللفظي والنص الأيقوني؛ فالخرائط التي تتصدر الرواية[8] ليست تفاصيل ثانوية، بل عتبات بصرية تدفع القارئ إلى قراءة السرد في ضوء الجغرافيا السياسية والعسكرية للمدينة في زمن ما. الخرائط تعمل هنا كاقتباس تمهيدي، أي أنها نص بصري يوازي النصوص اللفظية في وظيفته التأطيرية، إذ تقوم بوضع القارئ أمام الجغرافيا التي ستشهد أحداث الرواية من جهة، وتشير (من خلال ما تتوزع عليها من علامات لفظية) إلى الوضع السياسي القائم على تلك الجغرافيا من جهة ثانية.

وهكذا يفتح صنع الله إبراهيم المجال أمام توسيع مفهوم الاقتباس التمهيدي روائياً ليشمل العلامات غير اللفظية أيضاً، ويؤكد أن الاقتباس التمهيدي (وكذلك الختامي) قد تكون لوحة تشكيلية أو صورة فوتوغرافية أو أيقونة، ما دامت تقوم بوظيفة التهيئة والتوجيه والتحفيز والإثارة لدى قارئ النص.

إبراهيم الكوني: البئر

يقدّم إبراهيم الكوني في رواية البئر نموذجًا آخر للاقتباس التمهيدي، إذ يأتي بنص الاقتباس من عالم الأسطورة هذه المرة، حيث يعتمد الكوني على مقطع من نص أسطوري يتحدث عن حكاية تكون الصحراء، ليقوم بتهيئة القارئ بأفق توقع معين وإغرائه بدخول عالم روائي صحراوي مشبع بالرموز قد يكشف له عن أصل تكون الصحراء. يرى د. ولات أن هذا الاقتباس ليس مجرّد أداة تمهد لنص الرواية، بل يتحوّل إلى إطار ميتافيزيقي يطبع الرواية قاطبة بطابعه الأسطوري. أما “البئر” التي يعلن عنها عنوان الرواية وتمثل أحد العناصر الرئيسة في نص الاقتباس فلم تعد مكاناً سرديًا فقط، بل صارت رمزًا يتأسس عليه البناء الروائي، ويعود الفضل في ذلك إلى عتبة الاقتباس الأسطورية التي سبقت المتن، فأعطته هالة وقداسة، وربطته بالذاكرة الجماعية الواقعية الحالية من جهة، والمجتمعية الأسطورية القديمة من جهة أخرى.

جبرا إبراهيم جبرا: يوميات سراب عفان

في يوميات سراب عفان يوظف جبرا اقتباساً عاماً من الكوميديا الإلهية لجون ميلتون يطرح رؤية فلسفية عن العلاقة بين حرية الذهن والإبداع. يفتتح الروائي نصه بهذا الاقتباس ليغدو مفتاحاً لقراءة الرواية التي تتمحور حول حرية التفكير وإبداع الذهن وقدرته على تشكيل العالم. يرى مؤلف الكتاب أن جبرا جعل من الاقتباس التمهيدي نصًا فاعلاً يظل يحاور المتن وسلوك الشخصية الروائية حتى النهاية المفتوحة للنص الروائي، بحيث يتحول القارئ إلى شريك في إنتاج المعنى. الاقتباس هنا لا يزول بمجرد الدخول إلى النص، بل يبقى مرافقاً للنص والمتلقي طول رحلة القراءة، كأنه نَفَس يمدّ الرواية والقارئ معاً بطاقة إضافية.

سالم حميش: فتنة الرؤوس والنسوة

يتميز الاقتباس التمهيدي في رواية فتنة الرؤوس والنسوة لسالم حميش بخصلتين: الأولى أنه فني وليس موضوعاتياً، والثانية أن متعدد (اقتباسان) وليس مفرداً: الأول لفرجينيا وولف والثاني للويس بورخيس. يوضح د. ولات أن هذا التعدد لم يكن اعتباطياً، بل عكس بنية الرواية ورؤيتها السردية القائمتين على ثقافة النص وتداخل الأجناس. الاقتباس التمهيدي هنا يؤدي وظيفتين: فهو ـ من جهة ـ يفتح أفق القراءة على ثقافة نصية متعددة المشارب، ويظهر أن النص الروائي نفسه حوار مع التاريخ والفكر والشعر، كما يظهر ـ من جهة ثانية ـ أنه نتاج حوار وتداخل بين أجناس أدبية مختلفة. وبذلك يصبح الاقتباس التمهيدي فضاءً ثقافياً موازياً، يجمع بين الرواية وما يحيط بها من نصوص ومعارف، ويمهد للرؤية الفنية لحميش في نصه الروائي.

استراتيجية واحدة للقراءة وشواطئ متعددة الوجوه

بغية تقديم قراءة منتجة للنصوص الروائية المومأ إليها أعلاه استناداً إلى عتبة الاقتباس، يرسم الناقد لمقارباته خطة متوازنة تجمع بين أهمية المتن وضرورة الهامش أولاً، وبين قراءة “القارئ العادي” وقراءة القارئ الناقد ثانياً. في هذا الصدد وتحت هذا العنوان الفرعي: “في منهجية المقاربة الراهنة”[9] يكشف المؤلف عن استراتيجيته في مقاربة النص من خلال العتبة النصية التي يمكن إيجازها في النقاط الآتية: أولاً قراءة نص الاقتباس بنية ودلالة بوصفه نصاً مستقلاً ومعرفة سياقه الأصلي إن وجد. ثانياً، احتلال موقع المؤلف ومحاولة فهم أو توقع آلية تفكيره وهو يضع نص الاقتباس على حافة النص الروائي. ثالثا، قراءة نص الاقتباس من منظور “القارئ العادي”، ثم الانتقال إلى قراءة أعمق من منظور القارئ الناقد. رابعاً، وضع نص الاقتباس في سياقه الخاص ودراسة علاقته الدلالية بالعتبات النصية المحيطة به من عنوان وغيره. خامساً، الانطلاق دائماً من نص الاقتباس باتجاه نص الرواية وليس العكس، وذلك بغية الكشف عن تجليات تحرك العتبة ودلالتها داخل المتن الروائي.

بهذه الاستراتيجية، ومن خلال القراءات التطبيقية، يؤكد المؤلف أن الاقتباس التمهيدي ليس عنصراً شكلياً أو زينة خارجية، بل إستراتيجية متحركة؛ فهو قد يكون مقطعاً لغوياً يفتح النص، وقد يكون خريطة أو لوحة أو أيقونة تشارك في تشكيل البنية السردية، وقد يكون أسطورة تُعيد أسطرة الواقع، أو فلسفة تُرشد القارئ إلى المعنى، أو نصوصاً متداخلة تكشف تعددية الأجناس. ومن هنا يتضح أن العتبة عند د. ولات محمد ليست بديلاً عن النص، وليست بلا قيمة، بل هي شاطئ النص، أي الفضاء الذي يتيح للقارئ أن يتهيأ قبل أن يخوض البحر السردي، وأن يستعين بمفاتيح قد تنير له الطريق أو قد تضلله أحياناً، لكنها على الدوام ترافقه في رحلة التلقي.

هذه القراءات التطبيقية هي الجزء الأكثر فحوى وجدوى في الكتاب، بل والأكثر إقناعاً، باعتبارها تؤكد بجلاء عمق الرؤى التنظيرية التي تبناها المؤلف في سفره النقدي، إذ إنه ومن منظور نقد النقد، يمكن القول إنها برهنت على أن الاقتباس التمهيدي ليس شكلاً فارغاً بل أداة حقيقية لفهم النصوص، فيما لو أجيد تشكيلها وتوظيفها وقراءتها. غير أن اختيار الروايات المدروسة يطرح هذا السؤال: لماذا اقتصر المؤلف على أسماء كبرى معروفة؟ كان يمكن أن يوسّع العينة لتشمل نصوصاً أقل شهرة لتأكيد أن الظاهرة عامة. كما أن التحليل ركّز على العلاقة بين العتبة والمتن، لكنه لم يتوسع في أثرها على القارئ الفعلي أو في استقبال النصوص، وهو ما كان سيغني النقاش ويمنحه بعداً سوسيولوجياً.

 وهكذا فإن د. ولات محمد يعلن أن الاقتباس التمهيدي ليس تفصيلاً، بل أداة استراتيجية، وأن كتابه قدّم نظرية وتصنيفاً وتحليلاً تطبيقياً. من منظور نقد النقد، هذه خاتمة منطقية، لكنها قد تبدو أيضاً طموحة أكثر مما تسمح به النتائج. فالكتاب لم يغلق النقاش بل فتحه، ولم يحسم الأمر، بل قدّم بداية. وهذا أمر طبيعي لأن مهمة أي عمل من هذ النوع تتمثل في رسم أبعاد الظاهرة وتقديم إجابات على بعض الأسئلة من جهة، وطرح أسئلة أخرى لإجابات مستقبلية مفتوحة من جهة ثانية. 

إن قراءة هذا الكتاب في إطار” نقد النقد” تجعلنا نرى فيه عملاً تأسيسياً بامتياز. تكمن قوته في أنه جمع بين النظرية الغربية والرافد العربي، بين التصنيف والتطبيق، بين العرض التاريخي والدفاع التراثي. وكانت له طريقته في الموازنة بين التمهيد النظري والتفصيل التحليلي، عبر تناول أثر العتبة على التلقي الفعلي. ومع ذلك، فإن القيمة الأكثر أهمية – فوق هذا وذاك – من وجهة نظرنا تكمن في أن العمل أعاد الاعتبار لمفهوم العتبة النصية، وأثبت أن النص لا يُقرأ من داخله فقط، بل من محيطه أيضاً.

بهذا المعنى، فإن كتاب الناقد د. ولات محمد ليس مجرد دراسة في الاقتباس التمهيدي، بل هو بيان نقدي يذكّر بأن القراءة تبدأ من الشاطئ قبل أن تغامر في عرض البحر، وأن شواطئ النصوص ليست هوامش، بل مفاتيح، ليست زينة بل أدوات فاعلة. وإذا كان لكل مغامرة مخاطرها، فإن فضيلة البحث أنه حرّك المياه الراكدة، وفتح الباب أمام جيل من القراءات النقدية العربية التي ستتعامل مع العتبات لا بوصفها تفاصيل، بل بوصفها استراتيجيات تؤسس للكتابة من جهة، ومفاتيح قرائية تأويلية بيد المتلقي من جهة ثانية. ومن هذا الموقع تحديداً ينبغي النظر إلى “شواطئ النص”: ليس باعتباره القول الأخير، بل باعتباره البيان الأول، كما جاء ذلك في موقع سابق من النص.


[1] د. ولات محمد: شواطئ النص.. الاقتباس التمهيدي في الرواية العربية (الأنماط – الوظائف – آليات الاشتغال). دار لوتس للنشر الحر، الطبعة الأولى، القاهرة، يناير 2024 (598 صفحة من القطع الكبير).

[2] تشتمل العتبات النصية أيضاً على كلمة التنويه، كلمة الشكر، المقدمة، الخاتمة، الحواشي، التعليقات، الإحالات، كلمة الغلاف، الفهارس، قائمة المراجع وغيرها مما يحيط بالنص المتن.

[3] يقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أبواب رئيسة: يقدم في الأول منها عرضاً لنظرية العتبات النصية عموماً وعتبة الاقتباس على نحو خاص. ويخصص الثاني لتقصي عتبة الاقتباس وأشكالها وأنواعها ووظائفها في أكثر من مائتين وثلاثين رواية عربية. أما الثالث فيقوم فيه المؤلف بدراسة تحليلية مفصلة لستة نماذج روائية عربية جاعلا الاقتباس التمهيدي مفتاحا لهذا التحليل.

[4] للإحاطة بكل ما يخص العتبة النصية يطرح عليها جيرار جينيت في كتابه “عتبات” خمسة أسئلة هي: أين، متى، كيف، مَن ولماذا؟ ويرى مؤلف الكتاب أن هذه الأسئلة تترك فجوة معرفية نقدية بخصوص عتبة الاقتباس التمهيدي تحديدا تتمثل في معرفة الحقل الذي ينتمي إليه نص الاقتباس وعدد نصوصه، لذلك يضيف إلى الأسئلة الخمسة سؤالين آخرين هما: ماذا؟ وكم؟

[5] يمكن الإشارة هنا مثلا إلى أن الناقد لا ينظر إلى العتبات النصية في إطارها النصي فقط، بل يتناولها كذلك في إطارها الثقافي الاجتماعي اليومي، ليثبت أن مفهوم ثنائية الهامش والمتن وتأثير الأول في تأويل الثاني آلية يمارسها الإنسان في حياته اليومية.

[6] في القسم التحليلي يتناول المؤلف ستة نماذج روائية تعود للروائيين: حيدر حيدر، عبد الرحمن منيف، صنع الله إبراهيم، إبراهيم الكوني، جبرا إبراهيم جبرا وبنسالم حميش، مراعيا فيها تنوع نصوص الاقتباس التمهيدي من حيث الطول والجنس والشكل والعدد والمصدر والحداثة والقدم.

[7] د. ولات محمد: شواطئ النص… ص417.

[8] يضع الروائي مكان عتبة الاقتباس ثلاث خرائط لكل من بيروت ولبنان ومحيط لبنان بوصفها اقتباسات تمهيدية، لكنها تمزج بين اللفظي وغير اللفظي (الصوري). وهذا ما كان يقصده جيرار جينيت بالسؤال: كيف؟

[9] د. ولات محمد: شواطئ النص… ص282 وما بعد.

اترك ردّاً