- لينا العاشور

أمي امرأة حملت العالم دون أن تطلب اعترافاً
لم تكن أمّ أسامة تعرف أنها تحمل العالم.
كانت تظنّ أنها تحمل أكياس الخبز، وأثقال الأيام، وأسماء أولادها السبعة واحداُ واحداً، كي لا يسقط أحدهم من الذاكرة.
في الثانية والثلاثين من عمرها، صار البيت ممتلئاً بأصوات لا تشبه الطفولة.
أسامة، الأكبر، لم يكن قد بلغ السادسة عشرة، ومع ذلك تعلّم باكراً كيف يقف مكان الأب الغائب.
أما الصغرى، فكانت في الرابعة، تناديها وحدها حين تخاف، لأن كلمة «أبي» لم تكن قد وجدت طريقها إلى فمها بعد.
العلاقة بين أمّ أسامة والحياة لم تكن متكافئة.
الحياة كانت تأخذ على عجل، وهي تعطي ببطء، لكن بثبات.
لم تسأل لماذا، ولم تطلب تفسيراً.
كانت تمضي، فقط تمضي.
هكذا كانت الايام تدار، بلا شرح.
كان بيتها مفتوحاً أكثر مما يحتمل:
طلاب بلا سرير في المدينة الجامعية،
مسافرون بين حلب والحسكة،
أصدقاء أولادها،
خائفون يطرقون الباب في ساعات متأخرة
كانت تقول: «البيت الذي يُغلق، يبرد….
وتترك الباب نصف مفتوح، حتى في الشتاء.
البيوت تعرف متى تخاف، ومتى تحمي.
حين ينفد الطعام، كانت تقسّمه كأنها لا تجوع
وحين يقلّ المال، كانت تبتسم كأن الفقر حالة عابرة.
لم تكن كريمة بالمعنى البطولي،
بل بالمعنى اليومي:
أن تعطي دون أن تشعر أنك تفعل شيئاً استثنائياً.
في طفولتها، كانت تستقل الترام كوسيلة نقل في حلب،
أواخر الحرب العالمية الثانية،
تشدّ حقيبتها الصغيرة وتمضي إلى المدرسة.
تتذكّر ذلك المشهد أحيانا همست لي في أخر مكالمة هاتفية،
أفكّر بالفتيات اللواتي لم يعدن يذهبن إلى المدارس،
ليس لأنهن لا يردن،
بل لأن الخوف صار أقرب من الطريق.
الطريق، حين يضيق، لا يختفي. …يتخفى.
كبر أولادها،
دخلوا الى عوالم المعرفة والدراسة، ثم العمل،
ثم السياسة.
وحين أُغلقت أبواب السجون خلفهم،
وقفت كما تقف الأشجار أمام الريح
لا تصرخ،
لا تنكسر،
تنتظر.
الانتظار ليس فراغا، هو شكل أخر من الوقوف.
كانت تقول: «كل شيء يعود، الناس
الأحبة،
حتى الفرح.
تعلّمت الفراق،
لكنها لم تعتده.
بعض الدروس لا تحفظ.
ثمانيةٌ وأربعون عاماً من العمل،
وأربعةٌ وثمانون عاماً من الحياة،
مرّت دون أن تطلب اعترافاً.
لم تقل: انظروا كم صبرت
لم تكتب سيرة،
ولم ترفع صوتها.
الصمت، أحيانا، هو الشكل الوحيد للصدق.
وحين أقر الطبيب اليوم:
أنها رحلت سريرياً،
اكتشف الجميع أن ما تركته لا يُختصر:
بيتاً صار ملجأ،
وأولاداً صاروا رجالاً،
وذاكرة تقول لنا بهدوء:
هناك نساء
لا يحملن العالم لأنهن قويات،
بل لأن أحداً لم يحمل عنهن شيئاً.
وحين لا يحمل أحد يتعلم الجسد كيف يفعل.
شباط 2026







