جاڤ

تشير التقارير الإحصائية الحديثة إلى مفارقة لافتة؛ إذ يفوق عدد ضحايا حوادث السير والكحول والمخدرات والتدخين، بل وحتى ضحايا الانتحار، عدد من يسقطون في عمليات إرهابية أو في الحروب ولا سيما في العقود الأخيرة. ومع ذلك، ما زلنا نصرّ على أن مأساة العالم الأولى هي الحروب. توقف بعض المفكرين عند هذه المفارقة، مثل زيغمونت باومان ويوفال نوح هراري، فرأوا فيها أثراً للبروباغاندا وتسويق الخطاب؛ حيث تتضخم صورة الحرب في وعينا الجمعي، بينما تمرّ المآسي اليومية الصامتة كأنها قدرٌ عابر لا يستحق الهلع ذاته. غير أنّ المسألة، في نظري، أعمق من مجرد غفلة معرفية أو انخداع إعلامي. فكل حرب هي، في جوهرها، حرب الكل ضد الكل؛ فيها يتداخل الضحايا والجلادون حتى يكاد الحدّ الفاصل بينهما يتلاشى. الحرب ليست حدثاً خارجياً فحسب، بل انكشافٌ داخلي: انكشاف لذلك القاتل الكامن في بنية النوع الإنساني. إنها اللحظة التي تفضح قروناً من ادعاءاتنا عن خيريّتنا الفطرية، وتسقط القناع عن هشاشة الصورة التي رسمناها لأنفسنا بوصفنا كائنات مسالمة بطبعها.
عندما شاهدت مقطع إلقاء جسد مقاتلة كردية على يد جند الدولة السورية، كنت آنذاك أقرأ الصفحات الأخيرة من رواية البحر المحيط لأليساندرو باريكو. لم تكن الصدمة في المشهد وحده، بل في ارتطامه العنيف بموقفي من الأدب والجماليات. في تلك الفترة، كنت أعمل على ورقة بحثية عن الشعر بوصفه آلية علاجية للصدمة النفسية، أفتش في القصائد التي تعيد الإنسان إلى منزلته الجمالية، فيما كانت شاشة هاتف تلقي بي في هاوية، أو بالأصح في واقعنا اليومي. وجدت نفسي حائراً بين عالمين يتباعدان حتى حدود التضاد: عالم متخيّل أتنزه فيه مع شخوص استطيقية تناقش الحب والفن والوجود وتصغي إلى هشاشة الإنسان كأنها نغمة بعيدة وعالم آخر عليّ أن أقبله كما هو، بأشخاص يشبهونني يموتون ويهاجرون أو يُقتلون. كنت محاصراً بين عالمي الحديد والورق؛ بين قسوة تصرخ وجمال يهمس. ذروة الصدمة لم تكن في العنف المرئي، بل في انكشاف موقعي: أنا من عالم الحديد، لا من براءة الورق. لم تقدني هواجس الاضطهاد إلى تخيل نفسي ضحية مؤجلة فحسب، بل قاتلًا محتملاً أيضاً؛ كأنّ العنف ليس طارئاً علينا، بل احتمال يسكننا. ومع ذلك، لم أحسم أمري لأعلن قطيعة مع تلك الكيانات الورقية الرقيقة. ظللت معلّقاً بين الشك والإيمان، بين الحاجة إلى الأدب كملاذ والخشية منه كترفٍ أخلاقي في زمن تتكسر فيه الأجساد قبل الاستعارات.
يختزل كثيرون وجود الشعراء والأدباء والمثقفين في موقف سياسي عابر، يُصاغ تحت مسميات هلامية عن السلطة والحرب. يصورونهم كمعارضة رثّة ترفع القلم والآلة الموسيقية والفرشاة في وجه البنادق، كأنهم مشهد رمزي مُعدّ سلفاً للاستهلاك. هذا الخطاب يمنحهم سلطة رمزية، لكنه، في الوقت ذاته، يحمّلهم وظيفة تبسيطية؛ إذ يختزل دورهم في إعلان التأييد أو المعارضة، بينما يجري، بوعي أو بدونه، تطبيع الحرب نفسها، سواء عبر الهتاف ضدها أو التماهي معها. غير أن ما يضطلع به الشعراء أوسع من هذا التصور الكاريكاتوري البائس. لا أعني بالشعراء أولئك الذين يكتبون القصائد فحسب، كما لا أعني بالشعر ذلك الفن الذي تُرسم حدوده لأغراض بيداغوجية أو نقدية. الشعر، في جوهره، كل تعبير وصوت وحركة تتجاوز اللغة اليومية وتفلت من التلقي الاستهلاكي. هو انزياح عن المألوف وخلخلة للمعنى المستقر. وكل من يعبر هذا الانزياح، خلقاً أو تلقياً، هو شاعر على نحو ما. ولأنّ الحروب تخلق عالماً غير اعتيادي من المأساة، فإنّها تستدعي لغة غير اعتيادية؛ لغة لا تكتفي بوصف الخراب، بل تكشف طبقاته الخفية وتفتح في الجدار باباً سرياً. في زمن الحديد، يصبح الشعر منفذاً يتسلل منه الهاربون، لا ليهربوا من الواقع، بل ليعيدوا خلقه وليستردوا إنسانيتهم من بين الركام. إنه ليس نقيض الحرب فحسب، بل آلية للخلق والبعث من جديد.
قرار الخروج الشعري من تاريخ المنتصرين وعالمهم ليس اغتراباً، بل مقاومة للغربة الأنطولوجية؛ رفض لاختزال الكينونة الجماعية في رموز سلطة تتغذى على الدم والخراب. فالشعراء لا ينجون من الحرب بضربة حظ أو بمكر عابر، بل يقصدون النجاة قصداً ويصنعونها وعياً، ليشكلوا عالماً محايثاً لا تحدده خرائط الغلبة. الذين يعيشون على نصر الحروب وحده لا ينجون؛ إذ تُمحى ذاكرتهم ما إن ينفصلوا عن عالم الآخرين، فيغدون أقرب إلى موتى يسيرون خلف قرع الطبول منهم إلى إنسان منتشٍ بقلق الوجود والحب والجمال. ويؤكد هذا الانفصال أنّ المنتصرين إمّا يحرمون الجمال، كما تفعل بعض الحركات الجهادية الإسلامية وإمّا يمسخونه باختزاله في رموز السلطة مدحاً وتقريظاً، بل وحتى نقداً، كما حدث في بعض التجارب اليسارية. لذلك تبدو الحكمة القائلة إنّ الأشرار لا يغنون أقرب إلى حقيقة وجودية؛ فما أهازيج النصر الحديدي وأناشيده إلا ضجيج مضاد للغناء، صخب يزيد حاجة القتلة إلى مزيد من الدم.
وعند تأمل تاريخ الشعوب المغلوبة، خاصة تلك التي لم تُصب بعقدة التماهي مع الجلاد، نجدها محمية، رغم أنّها لم تمتلك سوى جسدها الحر. في الحالة الإيزيدية، على سبيل المثال، لم يكن الانتصار بالمعنى التقليدي أفقاً واقعياً؛ لقد كانت النجاة هي الأفق، لكنها نجاة كاملة. منذ العهد العثماني وصولًا إلى أنظمة مستبدة كحكم حزب البعث العربي في العراق، سنحت فرص للالتحاق بجبهة المنتصرين، لكن الخيار كان مختلفاً: النجاة بدل النصر والذاكرة بدل الجسد والمنعطف الجمالي بدل رايات الحديد. وقد صكّ الإيزيديون مفهوماً يصف حال من انحازوا إلى المنتصرين: خرّابون، أي المتفسخون؛ أولئك الذين لم يتحولوا تحولًا سليماً، بل مسخوا ذواتهم.
ما يميّز هذا المخرج الجمالي أنّه متاح دائماً، ولا يكلّف سوى خسارة نصر مزعوم. قد يبدو زهداً، لكنه ليس زهداً لأجل إله، بل لأجل الذاكرة؛ وقد يُرى استسلاماً، لكنه ليس استسلاماً للعدو، بل انحيازاً للجمال. بعد الإبادات المتعاقبة، لم يسعَ الإيزيديون إلى بناء جيش ولا إلى حلفاء أقوياء لوعد بانتصارات قادمة. ما فعلوه كان أبسط وأعمق: نساؤهم بذلن جهداً أكبر في ارتجال قصائد غريبة، ورجالهم درّبوا حناجرهم على قصائد أطول وأشد رسوخاً في الذاكرة. ولم يكن أبطالهم قادة عسكريين يعدون بنصر مؤجل، بل نساءً ورجالًا يقعون في الحب ويموتون على سور الذاكرة. في عالم حديدي لا يضمن الحياة إلا للقتلة والمستهلكين، لا ينجو سوى الشعراء. والاختيار مفتوح دوماً بين جهتين لا تلتقيان: جهة النصر الأكيد وجهة الجمال الأكيد. في روژآڤا، لعل الكرد، أو أغلبيتهم، لن يختاروا تاجاً يحيط به قتلة يطالبون بمزيد من الدم، بل سيبقون أوفياء لوعد الجمال؛ لأنهم، في جوهرهم، شعراء ولأن النجاة عندهم فعل خلق لا فعل انتصار.







