عن الذاكرة والرغبة في الإمساك بالزمن..

حول رواية “الجميلات النائمات”

مثال سليمان

[على كل حال، الكتاب الذي وددت لو أكون كاتبه هومنزل الجميلات النائماتلكاواباتا ]

غابرييل غارسيا ماركيز 

مدخل

الجميلات النائمات (/ Nemureru bijo ) العنوان الأصلي في اليابانية، أما المتعارف عليه في الترجمات العربية والتي قدمتها ماري طوق غوش للكاتب الياباني باسوناري كاواباتا “بيت الجميلات النائمات”…

يحمل عنوان الرواية في ذاته دلالة مركبة تتجاوز كونه توصيفاً مكانياً بسيطاً. فمن منظورٍ تأويلي يمكن قراءته بوصفه بنية رمزية تتشكل من ثلاثة عناصر أساسية: البيت، الجمال والنوم. وكل عنصر منها يؤدي وظيفة دلالية داخل المعمار الفلسفي للرواية.

[البيت] في العنوان تخطى فكرة مكان للأحداث إلى فضاء رمزي مغلق، يشبه ما يسميه النقد الظاهراتي «الحيز الداخلي للوعي». فالأحداث التي تقع داخله لن تعود لقاءات اجتماعية حقيقية، إنّما طقس تأملي يعزل الشخصيات عن العالم الخارجي. البيت هنا يعمل كحجرة تأمل وجودي، أو كمختبر نفسي يواجه فيه إيغوشي/ الرجل المسن ذاته وذاكرته.

[الجميلات ] لا يحضرن في النص بوصفهن شخصيات فاعلة بقدر ما يظهرن كصور صامتة للجمال في لحظة نقائه. إنهن لا يتكلمن ولا يتحركن، وبذلك يتحول الجسد الشاب إلى رمز للزمن المفقود أكثر منه موضوعاً للرغبة. فالجمال في الرواية ماعادت قوة فاعلة، بل مرآة تعكس ما فقده البطل من شبابه.

أما [النوم]، فهو المفتاح الفلسفي للعنوان كله. فالنوم في الأدب غالباً ما يمثل حالة وسطى بين الحياة والموت، بين الوعي واللاوعي. وفي الرواية يتحول النوم إلى شرط وجودي يسمح بإلغاء العلاقة الإنسانية المتبادلة؛ فالفتيات النائمات لا يرين العجوز ولا يحكمن عليه، ولا يطالبنه بأي شيء. وهكذا يصبح النوم آلية رمزية تُعطِّل الزمن مؤقتًا وتسمح بخلق وهم اللقاء بين الشباب والشيخوخة.

[الفتاة النائمة دون أن تنتبه لشيء، الفاقدة إدراكها من غير أن يتوقف مجرى زمنها الحياتي، ألم تكن غارقة بالمقدار نفسه في هاوية بلا قرار؟]

من خلال هذا التركيب يمكن فهم العنوان باعتباره استعارة عن العلاقة المستحيلة بين الزمنين: زمن الشباب وزمن الشيخوخة. فالجميلات نائمات لأن الزمن الذي يمثلنه لم يعد متاحاً للبطل؛ إنه حاضر جسدياً أمامه لكنه غائب وعياً وإمكانية.

ومن اللافت الإشارة إلى تقاطع بين عنوان رواية كاواباتا الياباني وعنوان رواية الأمريكي ستيفان كينغ الصادرة سنة 2017 بالاشتراك مع ابنه أوين كينغ.

” Sleeping Beauties “ الترجمة الحرفية للعربية ستكون: “الجميلات النائمات”، لكنها تختلف عن عنوان رواية كاواباتا بسبب السياق والحبكة، حيث في رواية كينغ يشير النوم إلى ظاهرة جماعية غامضة تؤثر على النساء في المجتمع، بينما عند كاواباتا يظل التركيز على التأمل الفردي والزمن والشباب، وعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين العالمين السرديين، فإن التقاطع بين العنوانين يكشف عن بنية رمزية مشتركة.

في رواية كينغ تدخل النساء في سبات غامض يغلف أجسادهن بشرانق بيضاء، وأي محاولة لإيقاظهن تؤدي إلى انفجار عنيف من العنف والفوضى. النوم هنا أيضاً ليس حالة بيولوجية عادية، بل ظاهرة كونية تعيد تشكيل العلاقة بين الجنسين والمجتمع. وإذا كان كاواباتا يستخدم النوم لخلق مساحة تأمل فردية في الزمن والرغبة، فإن كينغ يحوله إلى كارثة اجتماعية تكشف هشاشة النظام البشري.

يمكن القول إنّ النوم في العملين يؤدي وظيفة استعارة كبرى، لكن في اتجاهين مختلفين. ففي عالم كاواباتا يمثل النوم لحظة تعليق للواقع تسمح للعجوز بالتأمل في ماضيه، بينما في عالم كينغ يتحول النوم إلى انقطاع جماعي عن الواقع يفضح التوترات الكامنة في المجتمع.

كما أن الجمال في الروايتين يحمل دلالة متباينة. فالجمال عند كاواباتا ساكن وصامت، أقرب إلى صورة فنية أو تمثال حيّ، بينما في رواية كينغ يصبح الجسد الأنثوي محور صراع اجتماعي وسياسي. ومع ذلك يبقى التقاطع في العنوان لافتاً، إذ يشير في الحالتين إلى لحظة غياب الوعي الأنثوي التي تكشف حقيقة العالم الذكوري المحيط بها.

بهذا المعنى يمكن اعتبار عنوان «بيت الجميلات النائمات» نموذجاً مكثفاً للشعرية الكاواباتية؛ فهو لا يصف الحدث بقدر ما يفتح أفقًا تأويلياً واسعاً حول الزمن والرغبة والذاكرة. كما أن تقاطعه مع عنوان «الجميلات النائمات» لستيفن كينغ يبيّن كيف يمكن لفكرة بسيطة—امرأة جميلة في نوم عميق—أن تتحول في سياقات ثقافية مختلفة إلى استعارات كبرى عن الإنسان والمجتمع والزمن.

تحتل رواية بيت الجميلات النائمات مكاناً فريداً في عالم الكاتب الياباني الحائز على نوبل باسوناري كاوباتا؛ فهي نص قصير من حيث الحجم، شديد الكثافة من حيث الدلالة، يكتب عند الحافة التي يلتقي عندها العمر المتأخر بالوعي العميق بالزمن. غير أن الشيخوخة في هذا العمل لم تُقدّم بوصفها تدهوراً جسدياً بقدر ما تُصوَّر باعتبارها حالة تأمل داخلي، يقف فيها الإنسان بين ذاكرة الشباب وظل النهاية.

فالعجوز إيغوشي، بطل الرواية، لا يعاني انهيار الجسد بقدر ما يعيش تجربة مراقبة الزمن وهو ينطفئ ببطء. ومن هنا تتحول الشيخوخة إلى وعي حادّ بالذاكرة، وإلى مواجهة صامتة مع ما مضى من الحياة. في هذا المعنى يصبح العمر المتأخر فضاءً للتأمل في الزمن والعدم، لا مجرد مرحلة بيولوجية من الضعف.

تدور أحداث الرواية في منزل غامض يقع في ضواحي طوكيو، تقصده مجموعة محدودة من الرجال المسنين. يدفع هؤلاء أموالًا طائلة ليقضوا الليل إلى جانب فتيات شابات غارقات في نوم عميق بفعل المخدّر. غير أن صاحبة المنزل تفرض قواعد صارمة: لا يجوز إقامة علاقة جسدية، ولا يمكن رؤية الفتيات وهن مستيقظات. وهكذا يتحول المكان إلى طقس شبه سري، أقرب إلى شعيرة غامضة يدخلها الرجال كما لو أنهم يدخلون معبداً صامتاً.

[ربما ليس هناك بوذا للعجائز كي يبتهلوا إليه راكعين،……..أفلا يمكن إذاً اعتبار الجميلات النائمات من هذه الوجهة إلاهات مثل بوذا ونابضات بالحياه فوق ذلك؟]

في هذا الفضاء المعلّق بين الحلم والواقع يفقد الجسد الشاب معناه المباشر بوصفه موضوعاً للرغبة، ويتحوّل إلى مرآة للذاكرة. فالفتيات النائمات لا يشاركن في الحدث، إنّما يشكّلن محفزاً يستدعي الماضي. إنّهن سطح عاكس يرى فيه الرجل المسن شبابه الذي مضى، ولهذا تتحول الرغبة في الرواية إلى شكل من أشكال الحنين الوجودي، وليس إلى فعل جسدي.

تتكوّن الرواية من خمس ليالٍ تمثل كل واحدة منها مرحلة في رحلة إيغوشي الداخلية. يدخل المنزل أول مرة بدافع الفضول، لكن التجربة تقوده إلى العودة مراراً. في كل ليلة ينام إلى جانب فتاة مختلفة، بينما يتنقّل وعيه بين صور وروائح وأصوات تستحضر ذكريات بعيدة: أمه، ابنته، النساء اللواتي مررن في حياته، واللحظات التي شكّلت ماضيه العاطفي. ومن خلال هذا التداعي الهادئ للذكريات يغوص كاواباتا في منطقة شديدة التعقيد من النفس الإنسانية، 

والتي باعتقادي أنّه بقي فقط في تلك المنطقة الخاصة بالرجل فقط. إيغوشي الذي عاش حياته شبه عربيد تعرّف على نساء كثيرات ولم يكن صاحب فضيلة ذلك الرجل الملتزم ببيته وأسرته. بالمقابل يوصف معظم النساء اللواتي قابلهن بالداعرة والقوادة وغير الطاهرة. 

حيث يتداخل الحب مع الندم، والرغبة مع الخوف، والحياة مع ظلّ الموت.

الجميلة النائمة في الرواية لم تشارك العجوز التجربة، إنما هي شاهد صامت على وحدته وهشاشته. فحضورها الجسدي يقابله غياب كامل للوعي، مما يخلق مفارقة قاسية: الشباب الذي يجاور العجوز لا يدرك وجوده أصلًا. وهكذا تتحول الليالي إلى مواجهة صامتة مع الزمن نفسه. وفي الليلة الأخيرة تبلغ هذه المواجهة ذروتها حين تموت إحدى الفتيات فجأة أثناء نومها؛ موت يأتي بلا تمهيد، كأنه امتداد طبيعي للصمت الذي يلف المكان.

ليست هذه الكثافة الشعورية مصادفة في عالم كاواباتا، إذ كان أحد مؤسسي تيار أدبي عرف باسم مدرسة الإحساس الجديد، وهو اتجاه حاول التقاط اللحظة الشعورية الخاطفة بدل السرد المطوّل. كان كاواباتا يرى أنّ الاقتصاد في التعبير أكثر صدقاً من الإسهاب، وقد لخّص رؤيته بقوله:

[الكلام الكثير لغط ومضيعة للوقت، بينما اختصار الشعور هو العبورالعبور إلى إدراك الحقيقة.]

لهذا تبدو كتابته أقرب إلى ومضات: مشاهد قليلة، صمت طويل، وإيحاء كثيف. ويتجلى هذا الأسلوب أيضًا في أعماله الأخرى مثل بلاد الثلج وضجيج/صوت الجبل والعاصمة القديمة، حيث يُختزل العالم في لحظة شعورية مكثفة.

وقد نال  كاواباتا جائزة نوبل في الأدب عام  1968،ليصبح أول كاتب ياباني يحصل على هذه الجائزة. غير أن حياته الأدبية ارتبطت بحزن عميق انعكس في علاقته بتلميذه وصديقه الكاتب يوكيو ميشيما الكاتب. فقد بعث إليه ميشيما رسالة مؤثرة كتب فيها:

يبدو أنهم لا يريدون الاستماع إليأنت الوحيد الذي تسمعنيلقد ترعرعت على قراءة رواياتكاليوم قررت أن أقف على قمة ذلك الجبل.”

بعد سنوات قليلة هزّ اليابان خبر انتحار ميشيما  بطقوس الهاراكيري، وبعد أربع سنوات من فوزه بنوبل عُثر على كاواباتا ميتاً في غرفته عام 1972  بعدما أنهى حياته بالغاز، في نهاية مأساوية كثيرًا ما فُسِّرت بوصفها امتداداً للقلق الوجودي الذي يملأ أدبه.

في قراءة لاحقة للرواية رأى ميشيما أن عذرية الفتيات ترمز إلى (استحالة الامتلاك). فالعجائز لا يستطيعون امتلاك الشباب كما لا يستطيعون إيقاف الزمن. إنهم يقتربون من الجمال دون أن يمسكوا به حقاً. ومن هنا يبدو الزمن في الرواية وكأنّه متوقف في لحظة معلّقة خارج الماضي والمستقبل.

[ما كانت تبثّه ذراع الفتاة في أجفان العجوز مثل إيغوشي هو تيار الحياة، إيقاع الحياة، دعوة إلى الحياة والرجوع إليها]

تظهر هذه الفكرة أيضاً في قصة  كاواباتا ذراع واحدة/ذراع، المنشورة مع مجموعة قصص قصيرة كاواباتا، وترجمها كامل يوسف حسين. حيث تعطي فتاة ذراعها لرجل ليحملها معه إلى منزله. يقترح الحلم أن يستبدل الرجل ذراعه بذراعها المليئة بالحياة، لكنه عندما يستيقظ تعود ذراعه الحقيقية لتفرض واقعها القاسي، فيتلاشى الحلم فجأة. وكأن كاواباتا يلمّح دائماً إلى التوتر بين الحلم والواقع، بين ما نتمناه وما يسمح به الزمن.

من هذا المنظور يمكن قراءة “بيت الجميلات النائمات” بوصفها تأملاً في اللحظة التي تسبق الفعل: لحظة الشغف قبل أن يتحول إلى تجربة، ولحظة الحياة قبل أن تتحول إلى ذكرى. إنّ الرواية لا تتحدث عن الجنس بقدر ما تتحدث عن العجز الإنساني أمام الزمن، وعن الرغبة الدائمة في الإمساك بما يتلاشى.

[ومع النفور زادت رغبته في المجيء، ورغبة في إيقاظ الفتاة، في تحطيم محظورات هذا المنزل، في تبديد الملذات البغيضة السرية للعجائز…]

إن فرادة هذا العمل لا تكمن في حبكته المحدودة، بل في المجال التأملي الذي يفتحه أمام القارئ. فالنص يكاد يخلو من الأحداث الكبيرة، لكنه يعوّض ذلك بلغة شفافة وصور حسية دقيقة: صوت الريح، أنفاس الفتاة النائمة، الموج المتكسر على الشاطئ، الضوء المنسكب على البشرة. كل تفصيل صغير يتحول إلى رمز لدورة الحياة.

وفي النهاية يترك كاواباتا قارئه أمام صورة تلخص التجربة كلها. ففي أحد سطور الرواية يقول:

[في الشفتين نصف المفتوحتين للفتاة النائمة كان الشيخ يرى شبابه.]

إنها صورة بسيطة لكنها تختصر مأساة الزمن الإنساني كله: الإنسان ينظر إلى الجمال، وفي الجمال يرى ما فقده.

ماهذا يا كواباتا!!؟

وهذه استعارتي من الرواية ذاتها لاختتام القراءة..[عن ليالي الأرق كتبت شاعرة: هو ذا الليل يخبئ لي ضفادع وكلاباً ميتة وغرقى]