مثال سليمان

وأما عن الأدب الياباني، الذي هو مجموع الأعمال المكتوبة التي أنتجها مؤلفون يابانيون باللغة اليابانية، أو في مراحله الأولى باللغة الصينية الكلاسيكية، حين لم تكن اليابان قد امتلكت نظام كتابة خاصاً بها. اليابان التي تمتلك تراثاً سردياً قديماً جداً، بدأت من الحكاية في القرن الحادي عشر، لتمر بمراحل عدة من تاريخه وصولاً للرواية الحديثة التي ظهرت فعلياً في آواخر القرن التاسع عشر الميلادي. فظهر رواد الرواية الحديثة بعد انفتاح الأدب الياباني عامةً على الأدب الغربي..
في الفسحة المقدمة؛ قراءة لواحدة من روايات رائد الرواية اليابانية الشهير ياسوناري كاواباتا.
رواية ” سرب طيورٍ بيضاء/ألف كركي” التي نُشرت بدايةً في شكل حلقات متسلسلة (من خمسة فصول، تحمل العناوين التالية: “ألف كركي”، “البستان في ضوء الغروب”، “شينو المزخرفة”، “أحمر شفاه والدتها”، و”النجم المزدوج”) في عدة صحف بين عامي 1949 و1951، ثم صدرت ككتاب في عام 1952 بعنوان “Sembazuru- ألف كركي” إلى جانب رواية “صوت الجبل”. وتُعد هذه الرواية من أرقى أعمال كاواباتا، حيث كُتبت جزئياً بوصفها تتمة لروايته “بلاد الثلج” سنة 1948.
تدور الرواية المنقولة للعربية على يد الكاتب بسام حجار والموزعة على 161 صفحة، منذ الصفحة الأولى في أجواء طقس الشاي الياباني التقليدي، حيث تُشكّل هذه الخلفية إطاراً لعلاقة شاب بامرأتين: عشيقة والده السابقة وابنتها. وعلى الرغم من الإشادة بأسلوب الرواية الذي يمتاز بالاقتصاد اللغوي والأناقة الرقيقة، فقد وُجّهت إليها انتقادات بسبب برودها العاطفي وإيحاءاتها ذات النزعة العدمية.
تُعد “سرب طيور بيضاء” من الأعمال التي تجسّد الحساسية الجمالية في الأدب الياباني الحديث، حيث تتقاطع فيها ثيمات الحب، الذنب، الذاكرة، والانهيار الأخلاقي ضمن فضاء رمزي شديد الكثافة. و تتبدّى، بوصفها نصاً يشتغل على تخوم السرد والتأمل، حيث لا تُبنى التجربة عبر تعاقب الأحداث بقدر ما تتشكّل من توتر داخلي متنامٍ، يتسرّب عبر التفاصيل الدقيقة ليعاد تشكيل العلاقة بين الإحساس والمعنى. بمعنى، أنها لا تُقدَّم كمسار يمكن تتبّعه، بل كحقلٍ دلالي تتقاطع فيه الرموز، وتُستدرج فيه الذات إلى اختبارٍ شعوريّ معقّد، تتجاور فيه الرهافة مع قلقٍ أخلاقي مكتوم.
منذ العنوان، ينفتح النص على مفارقة تأويلية لافتة؛ فـ”ألف كركي- سرب طيور بيضاء” لا تشير إلى حضورٍ عددي بقدر ما تؤسس لمركز رمزي مكثّف، يستدعي أسطورةً في المخيال الياباني معاني النقاء والسلام والانسجام وطول العمر، غير أن هذا الاستدعاء لا يستقر ضمن دلالته التقليدية. فالصورة، كما تتجلى عبر المنديل الموشّى، تظل معلّقة كأفقٍ بعيد، تكشف المسافة بين المثال والواقع بدل أن تجسّرها. بهذا المعنى، يتحول الرمز إلى ما يشبه (الوعد المؤجَّل)، حيث يكتسب أثره من تعذّر تحققه، وليس من من حضوره الفعلي.
وهكذا كاواباتا الذي لم يكن يختار عناوينه بوصفها انعكاساً كمّياً لما يتكرر في النص، إنّما بوصفها “مفتاحاً تأويلياً” يضيء العمل كله انطلاقاً من تفصيلة تبدو عابرة. إن حضور سرب طيور الكركي على منديل تلك الفتاة في مشهد واحد فقط ليس نقصاً في التوظيف، بل هو تكثيف مقصود، حيث تتحول اللحظة العابرة إلى مركز إشعاعي دلالي ينعكس على الرواية بأكملها.
[ومال أن استدار حتى رأى الفتاتين اللتين بدلتا منذ لحظة خفافهما ولفتا تلك التي خلعتاها بالمنديل الموشى بالسمبازورو]. وفي موضع آخر [أتقصدين الفتاة التي تحمل الفوطة المزركشة بالسمبازورو؟ من يهتم بالفوطة؟]
[يبدو لي أنّ نظرتك ثاقبة وإلا لما استطعت أن تلاحظ النقوش على الفوطة، قالت شيكاغو]
يتعمّق هذا التوتر في الفضاء الذي تحتله طقوس الشاي، والتي تُستدعى بوصفها نظاماً جمالياً يقوم على الانسجام والدقة والصفاء. غير أنّ هذا النظام لا يُستعاد بوظيفته الأصلية، بل يُعاد تشكيله ليغدو إطاراً يُبرز اختلالًا داخلياً. فالأدوات—الأكواب، الأقمشة، الإيماءات—تتجاوز حيادها الظاهري لتصبح حوامل لذاكرة عاطفية وأخلاقية، وكأنها تحتفظ بآثار العلاقات السابقة بقدر احتفاظ الشخصيات بها. هكذا، يتخذ الجمال هيئة قشرة مصقولة، تُخفي تحتها تاريخاً من الالتباس، فيغدو الكشف عن التناقض جزءاً من اشتغاله، لا نقيضاً له.
حتى كاواباتا نفسه، فقد رفض فكرة النظر إلى روايته في محاضرته خلال تقليده جائزة نوبل عام 1968، معبّراً عن أسفه باعتبارها “استحضاراً للجمال الشكلاني والروحي لمراسم الشاي”، موضحاً أنها “عمل سلبي، وتعبير عن الشك وتحذير من الانحدار إلى الابتذال الذي وصلت إليه مراسم الشاي”.
[وأنا لم يكن في نيتي أن أنقاد إلى لقاءٍ تقليدي بهدف الزواج]
ضمن هذا النسيج، تتشكّل شخصية كيكوجي بوصفها ذاتاً منخرطة في مسار يتجاوز إرادتها المباشرة، حيث تتقاطع رغباته مع إرثٍ عاطفي خلّفه الأب، فتتداخل التجربة الفردية مع تاريخ لم يكن له يد في اختياره. علاقاته لا تنبثق من فراغ، بل تنشأ مثقلة بذاكرة سابقة، الأمر الذي يمنحها طابعاً إشكالياً منذ البداية. انجذابه إلى نساء ارتبطن بالأب يشي بنمط يتكرّر أكثر مما يتطوّر، وكأن الزمن في الرواية لا يتحرك خطياً، بل يعيد إنتاج ذاته في صور متبدلة.
[بالطبع لم يحدث شيء، غمغم كيكوجي. فأنتي لم تفعلي أكثر من إحياء ذكرى والدي لبعض الوقت! ولا شيء آخر، فقط هذا!]
في هذا السياق، تكتسب العلاقات طابعاً مركّباً، حيث يتجاور القرب العاطفي مع شعور مبهم بالذنب، ويتداخل الحاضر مع طبقات زمنية سابقة. العلاقة مع السيدة أوتا تنفتح على تراكب زمني يلغي الحدود الواضحة بين تجربتين، -تجربة الأب مع السيدة أوتا ومن ثم تجربة الابن معها-، فيما يقدّم حضور فوميكو إمكانية مغايرة تتشكّل داخل الإطار ذاته، بحيث لا تؤدي إلى قطيعة مع الماضي بقدر ما تعيد صياغته في مستوى أكثر دقة. ومن خلال هذا التشابك، يتعزز الإحساس بأن التجربة لا تُعاش بوصفها بداية مستقلة، بل كامتداد مشروط.
[ أتكون خطيئتها هي التي أسلمتها للموت بعد أن فقدت كل سبل الخلاص منها؟ أم أن قوة حبها التي ما عادت تقوى على عيشها هي التي دفعتها إلى الموت؟ الخطيئة أم الحب؟ …]
لغة كاواباتا تسهم بعمق في بناء هذا الأثر، إذ تقوم على اقتصاد صارم وإيحاء كثيف، يحمّل التفاصيل الصغيرة—منديل، فنجان، صمت—طاقة دلالية تتجاوز حجمها الظاهري. وهكذا، لا يقدّم السرد تفسيراً مباشراً، بل يترك فراغات محسوبة تدعو القارئ إلى استكمالها، فيتحول التلقي إلى فعل مشاركة. هذا الخيار يمنح النص طابعه التأملي، ويخلق في الوقت ذاته مسافة شعورية تضبط الانفعال وتعيد توجيهه نحو الداخل.
في الخلفية، (كفكرة تفتح أزهار الكرز بجمالها الأخاذ، لكنها سرعان ما تتساقط)، يتردد صدى مفهوم مونو نو أواري، حيث يتجلّى الجمال في ارتباطه بالهشاشة والزوال، غير أنّ الرواية تدفع هذا التصور إلى أفق أكثر تعقيداً، إذ لا يقتصر الأمر على وعي الفناء، بل يمتد إلى مساءلة إمكان بلوغ الصفاء ذاته. فالقيمة لا تنشأ من فقدان الجمال بعد امتلاكه، بل من تعذّر الإمساك به في الأصل، الأمر الذي يضفي على التجربة طابعاً مرثياً غير مصرّح به.
وفي سياق البنية، يقوم الرواية على تتابع لحظات ومشاهد تتراكم دون أن تنتظم في خط سببي تقليدي، بحيث يتحول الزمن إلى عنصر متداخل، تتجاور فيه الاسترجاعات مع الحاضر في حركة دائبة. هذا التشكيل لا يسعى إلى تصعيد درامي بقدر ما يعمّق الإحساس بالتكرار والالتفاف، ويعكس رؤية ترى في التجربة الإنسانية حالة يصعب اختزالها ضمن مسار واضح.
وعلى مستوى أوسع، يمكن الإقرار، بأن الرواية تطرح تأمّلًا في علاقة الإنسان بماضيه، حيث تتقاطع الذاكرة مع الرغبة، ويتحوّل الإرث إلى بنية خفية تعيد تشكيل الحاضر. ليظهر هذا الإرث كجزء من تكوين الذات، الأمر الذي يجعل الانفصال عنه إشكالية تتجاوز حدود القرار الفردي.
بهذا التكوين، تتبلور “سرب طيورٍ بيضاء- ألف كركي” كنص يقيم توتره في المسافة بين صفاء مُتخيَّل وواقع مثقل بالذاكرة، حيث يغدو الجمال أداة كشف بقدر ما هو موضوع تأمل، وتتحول التجربة السردية إلى مساءلة هادئة لإمكان البدء من جديد داخل عالم لا ينفصل فيه الحاضر عن أثر ما سبقه.
الرواية المكتوبة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهي فترة شهدت اضطرابات اجتماعية وسياسية عميقة في اليابان، تطرح إشكالية مركزية:
هل يمكن للفرد أن يتحرر من إرث العلاقات الماضية، أم يظل أسيرها حتى في محاولاته لبناء معنى جديد؟
[بالظلال الزمرديّة،
ترقصُ طيورُ الكركيِّ أبدًا،
في أمطارٍ نقيّة،
يُرتشفُ كويشا دافئ،
فوق صدورٍ مُثقلة،
وصلواتٌ هادئةٌ تركع].
…….
1-مفهوم “مونو نو أواري” (もののあはれ) هو تعبير جمالي وفلسفي عميق في الثقافة اليابانية، يرتبط بإدراك الإنسان لحقيقة زوال الأشياء وتأثير ذلك عليه عاطفيًا.







