رواية من الظل، ل خوان خوسيه ميّاس

ژين جمعة

ما المقاييس التي نفرق بها بين الخيال والواقع؟

هل تستطيع ظلالنا التمرد على شخصياتنا؟

وهل العزلة هي نفق إلى السوداوية أم إلى نورٍ داخلي؟

هذه التساؤلات وغيرها يطرحها الروائي الإسباني خوان مياس في روايته من الظل بسرد بسيط وجمل قصيرة في جو مليء بالغرائبية ومساحة ذكية للتنقل بين العالم الخارجي والواقعي بالنسبة لنا والعالم الداخلي الذي يعيشه بطلنا دميان.

تبدأ الرواية بمحاورة متخيلة في رأس دميان مع مذيع قرر تسميته سيرخيو اوكان وهذه الحوارات هي بمثابة الباب الذي يدخلنا دميان من خلاله إلى أفكاره وماضيه حيث يسردها لسيرخيو في برنامج تلفزيوني رخيص يبحث عن الترند لتزيد مشاهداته لذلك نجد دميان مستمتعا بسرد بعض التفاصيل بطريقة سوقية لجذب أكبر عدد من الجمهور.

في الجزء الأول تتكاثف الأحداث وتتوالى بايقاع سريع واقتضاب يلعب فيها مياس باوتار الفضول لدينا لنسأل ماذا بعد؟

حيث يبدأ بحوار عبثي مع مذيع متخيل عن الرأسمالية وشعوره بأنه يشبه سمكة الحنكليس المرمية في زاوية داخل عالم لا يشبهه وأنه سرح من عمله فجأة مما أدى إلى تكاثف مشاعره عن اللّاإنتمائية لهذا الكون فقرر أن ن يرفه عن نفسه قليلاً بالذهاب إلى  إحدى مراكز التسوق وأثناء جولته قام بسرقة غير متوقعة لدبوس بمثابة هدية لصديقه المذيع حيث قال ” لقد انتبهت إلى أنني فعلت ذلك لكوني خارج وعيي. إذا كنت أخاف مما يفرضه الحدث من تغيير في حياتي كما كنت أخاف من المستقبل” .

 عندها حاول الحارس اللحاق به وبعد كر وفر وأفكار يتوغلها الخوف والاندفاع اللحظي انتهى به المطاف للاختباء في خزانة قديمة وهذا الموقف هو الحدث المفصلي في الرواية حيث تنقسم برأيي إلى:

 ما قبل الخزانة -بأفكار مشوشة وحوارات نفسية وشخصية مع شعورٍ ثقيل بعدم الانتماء إلى العالم كله_ حيث أردف مرة:” جئت إلى العالم عندما لم ينتظرني والداي حيث اكتفوا بمشاعر الأبوة والأمومة عند تبنيهم لأختي التي تكبرني بسنتين”. وهنا بذكاء ميّاس المعتاد جعلنا نقف أمام شعوره البائس بأنه عديم الحاجة أو فائض عن الحاجة منذ ولادته!

وما بعد الخزانة, الجزئين الأخيرين_ حيث الدخول الى أعماق النفس والانسلاخ عن الواقع العام وبداية الهوس بعائلة أصبحت هي عالمه كما يبدو!

ومن خلف الخزانة حيث الفراغ الميتافيزيقي يأخذنا مياس مع بطله إلى رحلة مليئة بالغرابة والهوس والتوجس.

يبدأ دميان بتتبع أخبار العائلة المكونة من زوجة تحب الماورائيات والروحانيات, مراهقة في الثامنة عشرة ولم تحيض بعد بسبب مشاكلها مع التغذية كما يبدو, وزوج روتيني يذهب إلى عمله باكراً ويعود.

من خلال هذه العائلة التي تقصّد مياس أن يختارها كعائلة عادية مثلها مثلنا! أدخلنا في أجواء من الروحانيات والعلم والفلسفة والكثير من العزلة مؤكداً مدى أهميتها لتطوير الحواس االتي نستخدم فقط جزء بسيط منها وكذلك جعلنا نتعاطف مع هذا البطل الطفيلي الذي انظلم وكره عدم انتمائه لما كان، واستراح داخل الفراغ داخل خزانة بيتٍ لا يعنيه حتى معرفة عنوانه!! كان مكتفياً وكان هذا الاكتفاء كفيلاً بابقاءه على هذه الحالة من الوعي الذاتي والنورانية.

[كانت العائلة تتحرك،في النهاية،بنظام،يتبع قواعد منضبطة بالتمام،ورغم أن أعضائها قليلا ما يتجادلون،إلا أنهم كذلك قليلا ما يظهرون مشاعرهم.بغياب الحب،كان يسري بينهم نوع من اتفاق ضمني بالتعايش،كأنهم،بدلا من كونهم في بيت،وجدوا أنفسهم بالصدفة في صالة انتظار بمحطة قطار،حيث ينتظر كل منهم أن يرحل،عاجلا أو آجلا،إلى قبلة مختلفة.]

تحليل ورمزيات:

حوار متخيل مع مذيع وجذب المشاهدات بالترند_ مع الحياة الحديثة وإيقاعها السريع تبدلت الكثير من المعتقدات وكذلك سبل العيش والرضا عن النفس, فكل ما يهم الشخص الحالي هو كم الناس الذين يشاهدون ويتتبعون حياته_حتى لو لم يكن هناك ما يتطلب المشاهدة_ يرى دميان نفسه بعد ما سرّح من عمله وهو في الأربعينات من عمره-غارقاً في الفشل بلا عائلة ولا هدف ولا حتى عمل. وأراد بمخيلته أن يخلق مذيعاً ويكسب شهرة حتى ولو وهمية ترضي ما تبقى منه! فيما بعد نراه يتلذذ أيضاً بأخذ دور القائد الشبح على المنصات التي يدخلها من خلال الكمبيوتر العائد لابنة البيت الذي يسكنه أو بمعنى أدق البيت الذي يخبئ فيه .

يشعر بنشوة الانتصار اللحظي كلما زاد عدد الزائرين وبدأوا بالتساؤل حول امره وحقيقته- وهنا نرى ان مياس أبدع في وصف مدى تأثير الحياة الحديثة علينا وبشكل خاص على الأشخاص الذين لم يركبوا الموجة بعد.

_أهي عزلة أم وحدة؟

في حالة دميان, بدأها بوحدة مؤلمة وسار من خلالها -داخل خزانة بيت غير معروف-إلى العزلة والتنوير الروحي.

عبر رحلةٍ كان يتحدث بها مع المذيع، مرة بأنه لم يعد يأكل إلا القليل القليل وهناك أيام لا يشرب فيها حتى، ثم ترقّى مرةً عن النزعات الجسدية، وأضحى متعالياً عن العالم المادي.

ومرة أيضاً أنه بدأ بتطوير حواسه فقد بدأت أذنه تستشعر الأصوات البعيدة بوضوح غريب وكأنه يرى من خلال أذنه فقط.

[كنت أكثر حرية من أي وقت مضى. كأن هذه الخزانة مركز الكون، كأن العالم يتمدد من خلالها]

_خيانة الزوج:

حادث عرضي وروتيني يحدث في الكثير من العائلات بسبب الملل أو التباعد النفسي العائلي مما يجعل الشخص باحثاً عن الآخر الذي يكسر هذا النمط الممل. 

قتل الزوج بفكرة عشيقته التي طرحتها كمزحة للتخلص من الزوجة!

الزوج هنا لا يمثل فقط رب الأسرة  ولم يقتله دميان بدافع الغيرة فقط! أنما تخلص منه دميان لسببين:

الأول أن الزوج يمثل النظام, فهو يمثل عامود البيت ونظامه الثابت والروتيني, وبذلك أراد دميان أن يتمرد على النظام والواقع المبتذل ويقتله.

والسبب الثاني أن البطل غير سوي ذهنياً وأراد أن يفعلها ليثبت لنفسه أنه ما زال مرئياً وحياً بعدما أصبح يتلاشى في دور الشبح الذي أخذه, فكان القتل بمثابة وسيلته الوجودية وكذلك إثبات انه يستطيع العبور من الظل إلى النور.

النهاية:

بعد القتل يتحول دميان إلى طفل يريد الاحتضان, وهذه المعضلة الحقيقية: 

أراد أن يقتل الزوج ليصبح الرجل المرئي وها هو ذا يتحول إلى طفل!

ميّاس كعادته ترك النهاية معلقة وباردة حيث خرج دميان من مخبأه وذهب الى الفراش واحتضن الزوجة .

لم نعرف ماذا كانت ردة فعل الزوجة! ولا ماذا حصل بعد الاحتضان! لأن هذه التساؤلات غير مهمة إطلاقاً, المهم أن دميان قرر أخيراً أن يكون مرئياً حتى ولو على فراش الجريمة .