الطاغية في سقوطه الأخير

للأديب ابراهيم اليوسف

صدرت حديثاً عن دار تاسك للنشر والتوزيع – لندن/الجزائر، الطبعة الثالثة من كتاب “الطاغية في سقوطه الأخير: سوريا وأسئلة الدمار والبناء” للكاتب إبراهيم اليوسف، في طبعة أنيقة من القطع الكبير، مواصلةً لمسار توثيقي وفكري يرصد تحولات المرحلة السورية عقب سقوط نظام البعث والأسد، ويقدّم قراءة تحليلية معمّقة لأسئلة الدمار وإمكانات البناء.

ويأتي هذا الإصدار باعتباره الجزء الأول من ثلاثية فكرية وسياسية، تتكامل أجزاؤها في تقديم شهادة زمنية وفكرية على واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ سوريا الحديث، حيث ينهض الكتاب على مزيج من الرؤى واليوميات والشهادات التي كتبها المؤلف كشاهد معني، لكل ما يجري في بلده ووطنه .

وقد تميزت هذه الطبعة الثالثة بإضافة نوعية، إذ تضم مختارات من المقالات التي كتبها المؤلف خلال السنة الأولى الكاملة من مرحلة ما بعد سقوط النظام، بما يمنح القارئ أفقاً أوسع لمتابعة تطور الرؤية والتحليل، وتحولات المزاج السياسي والاجتماعي، وتبدلات الخطاب العام في سوريا الجديدة.

وكانت الطبعة الأولى من الكتاب قد صدرت متضمنةً مقالات المؤلف خلال الشهر الأول من مرحلة ما بعد السقوط، في لحظة مشحونة بالأسئلة والقلق والترقب، حيث التقط الكاتب نبض التحول الأولي، وسجل ملامح الصدمة السياسية وتداعياتها المباشرة على المجتمع السوري. أما الطبعة الثانية، فقد وسّعت هذا الأفق، إذ جمعت ما كتبه المؤلف خلال الأشهر الستة الأولى من المرحلة ذاتها، مقدمةً قراءة أكثر تركيباً للواقع، ومقاربة تحليلية أعمق لمسارات القوى الفاعلة، داخلياً وإقليمياً ودولياً.

وتأتي الطبعة الثالثة اليوم لتستكمل هذا المشروع، عبر إدراج نصوص تمتد على مدار عام كامل، ما يجعل الكتاب في نسخته الراهنة أقرب إلى أرشيف فكري وزمني متكامل، يوثّق لحظة السقوط وما أعقبها من إعادة تشكل للسلطة والمعارضة والمجتمع، فضلاً عن موقع الكرد في هذه التحولات، بوصفهم أحد المحاور المركزية في خطاب المؤلف وتحليلاته.

ويُذكر أن الطبعتين الأوليين من الجزء الأول من هذا العمل كانتا قد صدرتا عام 2005، متناولتين آنذاك واقع سوريا في ظل مرحلة جديدة مفصلية، ولا سيما ما يتعلق بوضع الكرد وإشكاليات الهوية والحقوق، في سياق سياسي وثقافي بالغ التعقيد. أما الإصدار الحالي للجزء نفسه، فيعيد فتح تلك الأسئلة في ضوء التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، بعد إضافة العديد من مقالات العام 2025، ويعيد مساءلة المتابعات السابقة على ضوء التجربة التاريخية اللاحقة.

الكتاب، في أجزائه الثلاثة، سيشكّل مشروعاً توثيقياً وتحليلياً متماسكاً، كما خطط له، يزاوج بين الكتابة اليومية الساخنة والرؤية النقدية بعيدة المدى، حيث لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يسعى إلى تفكيكها وتأويلها، مستنداً إلى تجربة شخصية ومعايشة مباشرة للأحداث، وإلى حس نقدي يشتبك مع قضايا الحرية والعدالة والهوية.

وهكذا، تغدو الطبعة الثالثة من الجزء الأول من ثلاثية “الطاغية في سقوطه الأخير” امتداداً طبيعياً لمشروع بدأه المؤلف منذ اللحظة الأولى للسقوط، ليتحول تدريجياً إلى وثيقة فكرية مفتوحة، تواكب التحول السوري في لحظته الأكثر هشاشة وعمقاً، وتضع القارئ أمام أسئلة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.

*إبراهيم اليوسف كاتب كردي مقيم في ألمانيا من مواليد تل أفنديقامشلي– 1960 له أكثر من أربعين كتاباً مطبوعاً مابين الشعر، القصة، الرواية و النقد.