سيتولّى الذكاء الاصطناعي تدوين ما أفكر وأشعر به…؟

تقديم: مثال سليمان

 في ظل التحول الرقمي المتسارع، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة على نطاق واسع، ما أثار نقاشًا واسعًا بين الكتاب حول حدود استخدامها في النصوص الأدبية. على وسائل التواصل الاجتماعي، تتداول اتهامات بأن بعض الأعمال الأدبية، من مقالات إلى شعر، رواية… قد تم إنشاؤها أو دعمها بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما أثار جدلاً حول الإبداع البشري والمعايير الأدبية.

إذ، 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصراً على ميدان الكتابة الإبداعية، بل غدا رفيقاً يومياً يتسلل إلى أدق تفاصيل ممارساتنا اللغوية والمعرفية؛ فمنذ أن أمسكنا بالهواتف الذكية بدأ اعتمادنا يتعاظم على أنظمة تقترح الكلمات وتصححها وتستبق أفكارنا. وقد اتسع أثر هذه التقنيات ليشمل الحقول الفنية والعلمية والثقافية، حتى أصبح بإمكان المستخدم توليد نصوص ومقالات كاملة في لحظات. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وفرة المحتوى، ولكن في موثوقيته ودقته، إذ قد تختلط المعرفة الراسخة بالمعلومات غير المحققة إن لم يُحسن التمحيص.

أما الجدل القائم بين الكُتّاب فلا يعكس بالضرورة خوفًا على “الكتابة” بوصفها فعلًا إنسانيًا أصيلًا، بل قلقًا على قيمة الإبداع والتميّز في زمن تتقارب فيه الأساليب. والحقيقة أنّ النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي لا تُنتج من “تجميع أوامر المستخدمين” كما يُظن، بل تقوم على نماذج مدرّبة على كمّ هائل من البيانات اللغوية، فتُنشئ استجابات جديدة تحاكي الأنماط المكتسبة. ومع تسارع هذا التطور، سيغدو التمييز بين النص البشري والآلي أكثر صعوبة، دون أن يعني ذلك اندثار الإبداع، بل تحوّله.

من هنا تبرز الحاجة إلى وعي نقدي وأدوات منهجية تمكّن الإنسان من استخدام هذه التقنيات بوعي ومسؤولية، بحيث تكون معينًا على الإبداع لا بديلًا عنه، ووسيلة لتعزيز المعرفة، لا مصدراً لالتباسها.

<<عن هذا الأمر يقول الشاعر العراقي عامر الطيب:

الأمر يحدث كثيرًا هذه الأيام، وقد بدأ ينتشر، وربما يتحول إلى ظاهرة جديدة في عالمنا الأدبي. ومع ذلك، لا أجد صعوبة في التفريق بين النص الأدبي الحقيقي والنص المكتوب عبر الذكاء الاصطناعي.

الكتابة، حتى الإبداعية منها، ينبغي أن تستند إلى الصدق، لا بوصفه قيمة أخلاقية فحسب، بل باعتبار أن النص المكتوب يجب أن يعبر عن أفكار وخيالات مؤلفه الحقيقي. أعني أنه ليس نصًا منحولًا أو مسروقًا أو مبنيًا على نص آخر. وضمن هذا السياق، فإن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي أسوأ من السرقة، وأكثر سذاجة منها في الوقت نفسه.

• نحن نتعامل مع قراء على قدر من الوعي، وهؤلاء القراء هم من أعوّل عليهم شخصيًا، وأشعر أنني أكتب، على نحو ما، لهم. وهذه العينة القليلة يصعب على هاوٍ للكتابة أن يخدعها، فالقراءة بالنسبة للقراء الذين نطمح إلى الوصول إليهم هي موهبة أيضًا. وبالإضافة إلى ذلك، قد نستهدف قراء الأزمنة المقبلة في خطابنا الإبداعي، لكنني أحيانًا أشعر أننا نحلم بالقراء الذين نكتب لهم، وأنهم غير موجودين إلا في أحلامنا.

في الحقيقة، لست مشغولًا بالمعايير التي تمكنني من الكشف عن كتاب الذكاء الاصطناعي، لأن أي نص إبداعي أو معرفي، إذا لم أشعر بالمتعة والدهشة عند قراءته، فسأشيح بصري عنه ببساطة، حتى لو كان لمؤلفين عظام لم يعيشوا زمن الكتابة الآلية.

لكنني أحيانًا أطالع مقالات ونصوصًا وأشعر أنها مكتوبة عبر الذكاء الاصطناعي، لأنها تفتقد إلى فكرة واضحة، فضلًا عن تسلسل معلوماتي فوضوي، وغياب أسلوب خاص بالمؤلف. وينسحب هذا على النصوص الشعرية أيضًا، إذ لا تجد في نص الذكاء الاصطناعي أي روح، كما أنه لا يشبه أي نص شعري آخر للكاتب نفسه.

وعن تأثير الاتهامات المتداولة، يقول:

• الإبداع العربي ما يزال يعاني من قيود اجتماعية وسياسية. وحتى مع كونه لم يعد سوى هامش ضئيل في معيش الفرد العربي، إلا أن ثمة تهديدات يفكر بها أي مبدع عربي قبل الإقدام على مغامرة كتابة أدبية أو فكرية تمس القيم السائدة أو الفهم الشائع لقضايا دينية أو سياسية.

بمعنى أننا لا نزال في القفص نفسه؛ إذ إنك، ككاتب، لا يمكنك المساس بما يهدد الرأي العام أو الآداب العامة، وكلمة “عام” تشير إلى كل ما يُرفض المساس به، ذلك أن السلطة الدينية أو الاجتماعية أو السياسية هي من تحدد عمومية هذا المفهوم.

• قد يجرني السؤال حول مصداقية الكاتب وحفظ الأدب إلى منطقة الوعظ التي لا أحبذها، لكنني أرجو أن يكتب المبدع ما يؤثر فيه قبل أن يفكر بكتابة نص يؤثر في الآخرين. إن الأدب ينبغي أن يظل وحيدًا وفريدًا في مصداقيته، في ظل أي ظرف يعيشه الكائن البشري.

<< وتقول الشاعرة العراقية ندا الخوّام:

إن علاقة الأدب والذكاء الاصطناعي علاقة ضدية بينهما، لأن الأدب، بصفته عملًا إبداعيًا وتوثيقيًا، يعتمد على كاتبه ومؤلفه ومؤرّخه، بينما يمتاز الذكاء الاصطناعي بكونه برنامجًا مساعدًا في جمع المعلومات وما إلى ذلك من خدمات يقدمها للبشرية.

وبما أن الأدب، بكل أجناسه، يُعد عملًا إبداعيًا تحكمه أسس علمية ومنهجية، فإن تدخل الذكاء الاصطناعي فيه يُعد عاملًا سلبيًا يهدم من قيمته، ويمارس نوعًا من خداع القارئ، إذ يوهمه أن النص المكتوب عبره عملٌ كُتب باحترافية صاحبه.

ومن هنا نرى تأثير الذكاء الاصطناعي، للأسف، حتى على ثقة القارئ بالنصوص، إذ أخذت موجة التشكيك تنتشر في التعاطي مع النصوص المنشورة، لا سيما إذا كانت لكتّاب غير معروفين، بحيث يفقد القارئ القدرة على تتبّع أثر أسلوبهم الأدبي في صياغة النص.

وهنا أقول: إن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو ألف وجه، وكنت أتمنى ألا يصل إلى الأدب، لكنه، للأسف، وصل وتغلغل في تفاصيل كثيرة تخص الأدب خاصة، والحياة بصورة عامة.

لكن، وبالرغم من ذلك، يبقى للعمل الأدبي مكانته، وتبقى مسؤولية الكاتب نفسه قائمة في الحفاظ على الأدب أولًا، وعلى نتاجه الإبداعي ثانيًا.

ونلمس الفرق الواضح بين النص الناتج الأدبي الإبداعي وبين نص نتاج الذكاء الاصطناعي، إذ يعتمد النص الأدبي، كما ذكرنا سابقًا، على روح النص وأسلوبه وتحولاته، بطريقة تميّزه عن النص المكتوب بشكل آلي، الخالي من الروح، نصًا مبرمجًا يفتقر إلى الحس والمعنى.

وهذا ما يميّزه ذكاء القارئ المثقف، المتتبع للمشهد الثقافي وتطوراته ونتاجه

<<كما وشارك في الاستطلاع الكاتب الكردي فاضل متين:

الكتابة، بوصفها فعلًا جماليًا، هي في الأصل ظاهرة بشرية ناتجة عن ذكاء بشري، عن تجربة تشكّلت وتَصقّلت بالتدريج البطيء عبر مراحل من الزمن. والكتابة، كفعل معرفي، لم تُوجَد لتوثّق المعارف والأحداث والتقلبات التاريخية فقط، إنما هي مرآة تعكس الوجه الحقيقي للحاضر، وجرس يوقظ الكائن البشري من انزلاقاته، وذاكرة أخلاقية تحذّر الإنسان من نسيان أنه إنسان، بل كثيرًا ما تصبح أداة ردع أخلاقية.

والرواية، كما نعرف، هي كيان لغوي يناقش الحياة الاجتماعية عن قرب، ينغمس في الألم البشري، ويسرد تفاصيل الواقع من منطلق شعور مُعاش، وعين تلتقط، ورأس يحفظ.

وبما أنها تحاكي الواقع، وتنقله، وتعيد إنتاجه، وتسرده، ينبغي أن يدوّنها كائن عاش الواقع، واختبره، وتعلّم منه وفسّره، وذلك لئلا تفتقر إلى الروح والمنطق والإقناع. وفي هذه الحالة، ما الذي ستقدمه آلة رقمية لا تملك استثارات الإنسان وحساسيته وروحه وتفاعلاته، غير قالب لغوي مصطنع مسبق الإنتاج؟ كيف لكائن غير بشري، لم يعايش الواقع، أن يكتب رواية عن البشر؟

ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، وتأثيرها في تصور الجمهور والنقاد، يقول متين:

مما لا شك فيه أن كثيرين أنفوا الكتابة وتوقفوا عن القراءة بعدما شاهدوا أن هناك من يتحول، بقدرة ChatGPT، إلى كاتب وناقد وشاعر ورسّام ومغنٍ بكبسة زر. بالنسبة لي، أشعر بحالة يأس من هذه الظاهرة، وخاصة بكوني في بداياتي الكتابية، إذ أشعر باللاجدوى من متابعة المشوار والعمل على تطوير نفسي، ما دام أن هناك من بمقدوره أن يختزل السنوات التي قضيتها في القراءة لتعلّم الكتابة في خمس دقائق.

ومن الجيد أنني نشرت أول نتاجي القصصي قبل ظهور هذه الآفة الرقمية، وهذه نقطة العزاء الوحيدة بالنسبة لي.

— من المؤكد أن هناك فرقًا واضحًا بين النصين، لأنهما نابعان من عقلين مختلفين: عقل بشري يخطئ، وآخر رقمي مؤتمت نادرًا ما يسهو. بين لغة بشرية متباينة في التصعيد والطول والنَّفَس، ولغة آلية متشابهة، قائمة على صياغات ومفردات متكررة ونغمة موحّدة.

عندما تقرأ النص البشري، غالبًا ما تلاحظ أن الكاتب يدوّن جملًا طويلة، ولا يتقيد كثيرًا بالتنقلات بين الأفكار، ولا يسعى لأن يبدو النص كأنه معادلة رياضية تبدأ من العقدة وتنتهي إلى الحل. وهذا ما يفعله الذكاء الاصطناعي، إذ تبدو نصوصه كأنها شكل هرمي يبدأ من القضية، وينتقل إلى التفسير، ثم إلى الحل والنتيجة باقتضاب.

وربما تلاحظ أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة كبيرة على استخدام استعارات غريبة ومدهشة تبدو عبقرية، وبالمقابل يستخدم جملًا قصيرة مكثفة، لا تتعدى خمس عشرة مفردة، من بداية النص إلى آخره. نعم، قد يدهشنا الذكاء الاصطناعي بعبقريته ولغته العميقة، لكننا، بعد قراءة عدة نصوص مكتوبة به، سنشعر بالملل، لأنه غالبًا ما يقدّم آراءه بلغة تنظيرية تعريفية استعراضية، ذات نمط لغوي متشابه.

• الاتهامات بالاختلاس والسرقة والتلاص بين الأدباء لم تبدأ مع ظاهرة الذكاء الاصطناعي حتى تنتهي معها، لكنها ازدادت مع تغوّل تطبيقاته في الحياة الاجتماعية. أعرف كثيرين ممن يشعرون بالنقص وقلة الكفاءة، جعلوا من الذكاء الاصطناعي وسيلة لسدّ ثقوبهم وتجميل عيوبهم بطريقة ساذجة، إلى درجة تجعلني أشفق عليهم. وهناك من يتذاكى بأن يعدّل على النص المنتج عبر ChatGPT، ويتلاعب ببعض الجمل حتى يظهر نصًا بشريًا من إنتاج ذهنه، فنغدو أمام نص هجين. هو حرّ في النصب والتلاعب، وأنا حرّ في ألّا أصدقه.

• للحفاظ على مصداقية الكاتب والأدب في ظل هذه الاتجاهات الرقمية، يقول: لا أعرف بالضبط، ربما حساسية القارئ العالية هي التي ستنصف الكاتب الحقيقي، وإن كان الأمر ميؤوسًا منه.

— برأيي، الحل بيد شركات الذكاء الاصطناعي؛ عليها أن تتناول الموضوع من ناحية إنسانية بحتة، لا اقتصادية نفعية. فهناك مواهب غير مكتشفة تمتلك قدرات هائلة، قد تندثر بسبب الاستياء والشعور باللاجدوى من الابتكار والتنافس، لصالح عقول باعت ذمتها للذكاء الاصطناعي.

ومن جهة أخرى، علينا أن نعيد التفكير في كلمة “الحرية”: هل يُعدّ النصب والاحتيال على المتلقين، في شتى النتاجات الإبداعية، فعلًا حرًا؟ برأيي، هناك أمور لا يمكن المساومة عليها ولا التساهل فيها.

<<وتقول ديلار خلف والتي تكتب بالألمانية :

من وجهة نظري، ليست الكتابة مجرد مهارة، بل حالة شعورية عميقة تنبع من التجربة والصدق الداخلي. هي لحظة التقاء بين الإنسان ونفسه، حيث تتحول المشاعر إلى كلمات، والكلمات إلى حياة تُقرأ وتُحَس.

بالنسبة لي، الكتابة هي فعل تشافٍ، ومساحة أعود إليها لأفهم ذاتي وأرتب ما بداخلي. أقرأ كثيرًا و أحيانًا أجد  في النص عن ما يلامس أعماقي، وأحيانًا أخرى لا أجد ذلك.

أميل إلى النصوص التي تحمل أصواتًا حقيقية، كتب يكتبها أشخاص عاشوا تجاربهم بصدق، فنقلوا مشاعرهم، نجاحاتهم، وانكساراتهم كما هي. فالتجربة الإنسانية لا تُختصر، ولا يمكن استنساخ عمقها بسهولة. ورغم التطور الكبير في الذكاء الاصطناعي، لا أعتقد أنه قادر على نقل ذات العمق الإنساني الذي يولد من المعايشة الحقيقية.

قد يكون من الصعب على البعض التمييز بين الكتابة الشخصية والبديل الاصطناعي، خاصة في هذا الزمن السريع الذي تتقارب فيه الأساليب وتتشابه المخرجات. لكنني أؤمن أن الكتابة العميقة، المليئة بالإحساس والمشاعر الصادقة، تبقى مختلفة، ولا يمكن تقليدها بسهولة أو الإبداع فيها بذات الروح.

المفارقة أن بعض الكتّاب الحقيقيين والمبدعين قد يُتَّهَمون اليوم بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، فقط لأن نصوصهم متقنة أو مؤثرة. وفي المقابل، هناك من يستعين بالذكاء الاصطناعي لأغراض تجارية بحتة، فينتج نصوصًا أو حتى كتبًا كاملة خلال وقت قصير جدًا، دون عمق حقيقي.

لكن في النهاية، أؤمن أن مثل هذه الأعمال، مهما بدت متقنة في ظاهرها، تفتقد الروح، ومع الوقت ستفقد قيمتها وتصل إلى طريق الفشل. لأن القارئ، مهما تغيّرت الوسائل، يبقى قادرًا على الإحساس بالصدق… وتمييز ما كُتب بالقلب عمّا كُتب فقط بالكلمات.

فالكتابة الحقيقية لا تولد من العجلة، بل من الهدوء. حين يكون الإنسان هادئًا، يمنح نفسه الوقت الكافي ليشعر، ليفهم، ثم ليعبّر. تحتاج الكتابة إلى مساحة من الصمت، إلى تأمل، إلى بطء يسمح للمشاعر أن تنضج قبل أن تتحول إلى كلمات.

إن روح الكتابة، ومعنى الكلمات، هما ما يمنحان النص حياته الحقيقية؛ فهما ما يجعل القارئ لا يقرأ فقط، بل يغوص في عمق الحكاية، ويعيشها إحساسًا بإحساس، وكأنها جزء منه.