المنفى وتأثيراته في الإبداع
ندا الخوّام
ضمن أطار المنفى وتأثيراته على الإبداع كان هذا محور حديثنا وآرائنا في حلقة النقاش حول ‘الإبداع ومحاكاته للهجرة’ عبر مهرجان ‘شبابيك’ بدورته الأولى 2023 الذي اقامتة ‘الأكاديمية الثقافية الدولية- ألمانيا’ في مدينة ‘Detmold’ الألمانية وعملها المثمر في المنفى لفتح جسور من التواصل بين الثقافات المختلفة وتعريف الجمهور على أدب المبدعين في منفاهم.
مما لا شك فيه أن المتغيرات التي تطرأ على حياة الإنسان، لاسيما صاحب النتاج الإبداعي، تأثر بشكل أو بآخر على نتاجه المتنوع وقد يربكه أحيانا وذلك بفعل ما يحدثه عنصر المفاجأة في النفس وقيادتها إلى مفترق طرق حديثة العهد في خوض تجربة جديدة. وحديثنا اليوم عن “اللاعب الرئيسي” في تشكيل مسارات العمل الإبداعي وإحداث التغييرات والتحولات الكبيرة في تأسيسه وتشكيل عناصره، سواء كانت عند كاتب النص الأدبي بقصائده وسرده أو الفنان التشكيلي بألوانه وريشته وإحساسه، أو العازف بموسيقاه وتراثه وفي مختلف الفنون الإبداعية ألا وهو “المنفى”.
فالمنفى يخلق اغترابا للنص من خلال انحيازه عن بيئته وزرعه في بيئة ومناخ مختلفين جذرياً عما كان عليه، وحتى في تعاطيه مع مساحة الحرية الممنوحه له بعد كمّ القيود التي كان يعاني منها في ماضيه ومواريثه، إذ يحتاج وقتا للتكيف معها ومن ثم كيفية رسم مسار خاص به وجديد لنصه وتفريغ ذاكرته من مخزونها على الورق من أجل بداية منهج جديد لكتابة النص وهنا أخص بكلامي الكاتب ونصه السردي والشعري معاً، كونهما الأكثر تأثراً بالمتغيرات في حقل الإبداع وأكثر الفنون الأدبية صعوبة في إيصال المعنى عبر ترجمة النص من لغة إلى أخرى.
وتمثل التغيرات هنا حالة كاملة فيما يخص عناصر النص السردي أو الشعري من المكان والزمان واللغة والاسلوب وحتى الرمزية الأدبية، واختلاف الطقس البيئي والاجتماعي وانغلاق الكاتب حول نصه بفقدانه لمصادر أفكاره المتنوعة في بلده الأم ومجريات الأحداث المتجددة هنا وفقًا لطبيعة البيئة السياسية والأجتماعية المحيطة به آنذاك.
وهذا ينعكس على تأثر الفكرة نفسها بالمناخ الجديد، وبالتالي ما هو إلا انعكاسٌ واضحٌ على إبداعه في المنفى وكيف بدأ نصه يحكي المقارنات والموازنات بين الوطن والهجرة والتي غالبا ما تكون قسرية بسبب ظروف الحرب وانعدام الاستقرار في الشرق الأوسط.
وهذا ما يلمسه القارئ نفسه بين سطور النص واختلاف نسيجه الأدبي بما كان عليه وما هو كائن في حاضره ورصد الاختلافات الموجودة بينهما.
ولكن هذا لا يعني ولادة هوية جديدة للنص الأدبي في المنافي، برأيي هو اغتراب للنص بانقطاعه عن بيئته مثلما ذكرت سابقاً، وفي هذه الحالة أُرجع الأمر إلى مدى تأثره بالمناخ الغريب عليه وبداية التأقلم على صياغة النص بصورته الجديدة. هذا ما يبدو عليه في الوهلة الأولى من استئناف عمله في منفاه. ربما نلحظ بعد ذلك شكل النص بدأ يخرج مما هو مألوف عليه باحثا عن مصادر وأحداث مثيرة تثري مكنونه الأدبي بمحاكاة التجربة نفسها أو بمحاذاة التخييل في النص السردي تماشياً مع طقوسه الجديدة وخلق حالة التأثر والتأثير في الوقت نفسه .
ولا ننسى أنّ ثمة تحديات تنولد مع أول خطوة له بعالمه الجديد الذي صار مأواه أو اختار الهجرة إليه لسببٍ ما. وعلى حد تجربتي يمكنني القول أنّ العامل النفسي يعد أهم وأول تلك التحديات وما يحتاجه من الوقت لتجاوز الصعاب ولملمة شتاته واسترجاع قوته وطاقته الإبداعية مثلما ذكرت بالتأثر والتأثير، ثم تتبعه تحديات وعقبات أخرى لاتقل اهمية عنه. لكن يمكن التأقلم معها لو تجاوزنا العامل النفسي كاللغة مثلاً التي تحتاج الوقت الكثير لاكتسابها واحترافها لصياغه نص إبداعي يصل إلى إحساس المخاطب المتحدث بها.
وتليها العوامل الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة جداً على نهج الإبداع بصعوبتها مع تجربة الكاتب في معترك الحياة، لكن العامل النفسي يبقى هو المسيطر والأداة المحركة لكل ما يعقبه، فإن اجتازه المبدع كسبنا إبداعًا جديدًا يحسب له .
وهذا نلتمسه بنتاج الكتّاب الصادر في المنفى ومطبوعاتهم من أدبٍ روائي وقصصي وشعر، وفن تشكيلي، ومحاكاة المنفى عبر خشبة المسرح والموسيقى الشرقية للروح الغريبة في المنفى ونقل إرثنا الثقافي والموسيقي والأدبي ومشاركته مع الآخر وإن اختلفت لغات التخاطب، لكن يبقى للمفردة احساسها الرفيع ممزوجة بإبداع المترجم وأدواته ومهاراته بترجمة النص وصياغته بإتقان، فلا ننسى أن الترجمة واحدة من أبرز الفنون الإبداعية، سنحاول التطرق إليها في مقالٍ خاص، إذ تعد بوابتنا لإيصال رسائلنا عبر جناح الحرف والحبر والكلمة الى المتلقي المختلفة لغتة عن لغة السارد المغترب.