الكُرد في اليمن في العصور الطاهرية والمملوكية والعثمانية والحديثة.

. الجزء الثاني

لهنگ إبراهيم

عندما جاء الملك المسعود الأيوبي إلى اليمن (آخر ملوك الأيوبيين في اليمن)الذي استعاد فرض هيبة الأيوبيين على مختلف القوى و المنافسين في اليمن (1215 – 1229) سارع بنو رسول [1] إلى استقباله وعملوا على مساعدته في تقديم المشورة له فيما استعصى عليه من الأمور، عندما عاد الملك المسعود الأيوبي إلى مصر لزيارة والدة السلطان الأيوبي الكامل خلفَ الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسول الكُردي نائباً له في اليمن، بعد وفاة الملك المسعود الأيوبي في مكة سنة 1229 استغلّ نور الدين الوضع وعين نفسه ملكاً على اليمن وبدأ بذلك عهد دولة بني رسول في اليمن والذي استمر مابين العامين (1239 – 1454) حيث فرضوا سيطرتهم على كل القبائل والأسر الحاكمة في اليمن كالأئمة الزيديين وآل حاتم [ المقريزي، ص79]، وكان لهم علاقات جيدة مع دولة المماليك الجراكسة قي مصر والتي قامت عام 1382 بعد الأيوبيين.

ورثت الدولة الطاهرية مناطق نفوذ الدولة الرسولية، حيث كان قد توطدت العلاقة بين بني طاهر وبني رسول في أواخر عهد الدولة الرسولية، وعندما أيقن آل طاهر من أنّ أمر الرسوليين إلى زوال لامحالة قاموا بطرد الملك الرسولي المسعود من عدن وقام الأمير عامر بن طاهر الزبيدي بتأسيس الدولة الطاهرية (1454 – 1539) فيما بقي الزيديين يحكمون الجبال الشمالية من اليمن وقاموا أيضاً بتحريض المماليك في مصر ضده آل طاهر حيث اعتبر الإمام شرف الدين الطاهريون أعداء جائرين للّه.

بدأت الأساطيل المملوكية تصل إلى السواحل اليمنية في حين كان البرتغاليون يشكلون قوة نشطة في سواحل البحر الأحمر وتهدد عدن وجزيرة كمران.

وهنا برز دور القائد الكُردي الذي خلد التاريخ اسمه الأمير حسين الكُردي [2]، حيث كان قد خرج من القاهرة إلى السويس لمحاربة البرتغاليين في البحر الأحمر والمحيط الهندي، فأنعم عليه السلطان الغوري بلقب الأمير، وأقطعه مدينة جدة فاستمر فيها إلى سنة 1515. [السنجاري، ص172]، ويقول عنه النهروالي: “كان أصله كُردياً دخيلاً في طائفة الجراكسة، لا يملأ أعينهم، ولا يعتبرونه فيما بينهم فأراد الغوري ابعاده عنهم حماية له منهم”

حيث خرج على رأس أسطول يتكون من خمسين سفينة وبصحبته عدد كبير من البنائين والصناع وعند وصوله إلى جدّة بدأ في إقامة سور وأبراج حول المدينة في 1505 بأمر من السلطان الغوري لحمايتها من النهب والسلب من قبل العربان في أيام الفتن والدفاع عنها من اعتداءات البرتغاليين.

بعد أن سيطر الأسطول البرتغالي على ميناء عدن توجهوا إلى جدة ولكنهم عندما علموا بوجود أسطول حسين الكُردي هناك عادوا أدراجهم مما شجّع حسين الكُردي على ملاحقتهم ومطاردتهم حتى سواكن ومنها إلى عدن حيث كان يحكمها نائب الدولة الطاهرية مرجان بن عبد اللّه الظافري فاستسلم للجيش المملوكي، ومنها لاحق الأسطول البرتغالي حتى گجرات[3] وتمكن من هزيمتهم في معركة شول عام 1508 وقتلَ القائد البرتغالي لورنزو دالميدا (ألميدا الصغير)، ولكن عدم اهتمام القانصوه الغوري لطلب حسين الكُردي بامداده بالمعونة حتى يخلِص على الاسطول البرتغالي بالكامل أدى إلى معاودة البرتغاليين الكرّة وهجومهم على أسطول حسين الكُردي وهزيمتهم في موقعة ديو عام 1509، فعاد حسين الكُردي مع من بقي معه إلى جدّة ولاحقهم البرتغاليين ولكن استنجاد قانصوه الغوري للعثمانيين وتلبيتهم لهم بالمساعدة مكّن من طرد البرتغاليين من جدة، فبعد أن حصّن حسين الكُردي قواته في جدّة وبمساعدة عدد من الأتراك العثمانيين والمغاربة الذين كانوا بقيادة الريس سليمان توجهوا نحو السواحل الهندية لإعادة السيطرة عليها من البرتغاليين ولكن رفض سلطان الطاهريين عامر الثاني بن عبد الوهاب تقديم المساعدة لهم وخيانتهم للمماليك جعل أسطول المماليك راسياً على شواطئ قمران (كمران) مدة ثمانية أشهر منهمكاً في بناء التحصينات الدفاعية، فبعد عودة حسين الكُردي إلى اليمن قتل السلطان عامر بن عبد الوهاب – آخر سلاطين آل الطاهر في اليمن – مع أخيه وبذلك أنهى حكم الدولة الطاهرية في اليمن عام 1517 وأخضع اليمن كلها تحت حكمه.

لم يدم الانتصار المملوكي على الدولة الطاهرية طويلاً بعد هزيمة المماليك في معركة الريدانية 1517 وسقوط دولتهم في مصر على يد سلطان العثمانيين سليم خان بن بايزيد (سليم الأول)، وأُصدر فيما بعد أمر من السلطان سليم خان بقتل حسين الكُردي حيث أُخرج إلى بحر جدة وغرق هناك بعد أن ربط في ظهره صخرة سنة 1517.

اضطر المماليك في اليمن إلى الاعتراف بالسيادة العثمانية، وهكذا دخلت اليمن تحت السيادة العثمانية عبر تبعتيها السابقة للمماليك وبدأت معها مرحلة الفوضى بين مختلف القوى في اليمن فلم تتم السيطرة الفعلية للعثمانيين على اليمن حتى حملة العثمانيين الأولى على اليمن في 1538 عبر إرسال قوة عسكرية بقيادة سليمان باشا الخادم (الأرناووطي) فأُجبر من بعدها المماليك على الفرار.

الجامع الكبير بجزيرة ‎كمران يعد من أهم المعالم الأثرية والتاريخية، أسسه حسين الكردي، قائد الحملة المملوكية على اليمن عام 1515م، وشهد عمليات تجديد متكررة وتوسيع كان أخرها عام 1948م، من قبل الملك فاروق ملك ‎مصر عند زيارته للجزيرة، ‎أرشيف اليمن القديم.

كان الكُرد من مكونات الإدارية والعسكرية الرئيسية في الجيش العثماني الذي سيطر على اليمن ومازال هناك قرية باسم بيت الكُردي تابعة لمحافظة محويت يرجعون بنسبهم إلى الكُرد الذين رافقوا العثمانيين في تلك الحقبة الزمنية من خلال عدة لقاءات متلفزة معهم، حيث كان من قادة الجيش العثماني مثقال بن إبلاغ التركي ومصطفى حكمت باشا وعلي باشا العثمانيين فتجد في مقربة من هذه القرية قرية بيت التركي أيضاً الذين ينسبون أصلهم إلى الترك العثمانيين.

بعد أن أنهى سليمان باشا الخادم مهمته أسند حكم اليمن للوالي مصطفى باشا النشّار الكُردي [4] واتخذ من من مدينة زبيد مركزاً لولايته وهو أول من أطلق عليه لقب باشا وبكلربكي [5] في اليمن وقد حاول خلال فترة ولايته هذه إصلاح أوضاع اليمن ما امكنه ذلك، استمرت ولاية مصطفى باشا النشار[6] الأولى خمسة أعوام (1540 – 1545)، أما ولايته الثانية فقد كانت في الفترة (1555 – 1556) وذلك بعد عزل اوزدمير باشا عنها.

استمرت فترة حكم العثمانيين الأولى لليمن حتى عام 1635 تخللتها انتفاضات وثورات من قبل الزيديين والإسماعيليين حيث كانوا يسيطرون على المناطق الشمالية من اليمن، إلى أن أعاد آل القاسم السيطرة على كامل أيالة اليمن بعد طرد العثمانيين منها وأسسوا الدولة القاسمية التي استمرت حتى عام 1849 ليعود العثمانيون بالسيطرة عليها من خلال حملة أخرى.

وبرز من ولاة الكُرد في العهد العثماني الثاني لليمن الوالي محمد باشا الكُردي الذي حكم ايالة اليمن من 1852 حتى 1856 والوالي أحمد جميل باشا [7] (1837 – 1902) الذي أرسله السلطان عبد الحميد إلى اليمن لفض العصيانان حيث أخذ معه خيرة عساكر من ديار بكر وعُين والياً على اليمن لفترة من الزمن.

وهكذا تتالت التطورات في التاريخ السياسي اليمني بعد انتهاء الوجود العثماني وبدء الاحتلال البريطاني ثم فترة المملكة المتوكلية التي عان فيها الكُرد منهم بسب كره المتوكلين للعثمانيين وهذا ما أصاب بالضرر للكُرد، ومن ثم بدء مرحلة الجمهورية.

 ويُعرف مِنَ الكُرد في وقتنا الحالي في اليمن:

آل الكُردي في قرية بيت الكُردي التابعة لمحافظة محويت والتي يسكنها حوالي 150 عائلة كُردية، وعائلة فيروز الكُردية في إب، وهناك قرية الكُرد التابعة لمديرية الدريهمي في محافظة الحديدة حيث يبلغ عدد سكانها 1885 نسمة، وأسرة الكُردي المعروفة في زبيد، وأسرة الكردسي في الجبين ريمة، وبيت الكُردي في مدينة الحديدة ومنهم في بالاسم ذاته في الضحى.

وهناك العديد من العائلات المذكورة تملك وثائق تؤكد انتسابه إلى الكُرد وأنّ أجدادهم كانوا يعرفون الكُردية.

المصادر:

  1.  تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، الذّهب المسبوك في ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك، حققه: د. جمال الدين الشيّال، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1955.
  2.  د. جهان إبراهيم شار علي عبد الرحيم، حسين الكردي وحياته العسكرية (1508م- 1517م)، جامعة الطائف،2021.
  3.  أ. د. سيد مصطفى سالم، الفتح العثماني الأول لليمن (1538 – 1635)، القاهرة، دار الأمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1999.
  4. أ. ماجد يحي مجاهد لعجة، حملة مصطفى باشا النشار على اليمن 1551م، مجلة آداب الحديدة، العدد 8، جامعة الحديدة، 2021.

الهوامش:

[1] سلالة كُردية حكمت اليمن بعد الأيوبيين، ويذكر المقريزي أنّ جدّهم كان كردياً بدأ ظهورهم في اليمن مع السلطان طغتكين بن أيوب، أما الخزرجي فنَسبهم إلى التركمان وأنّ جد الأسرة جبلة بن الأيهم استقر في الأناضول.

[2] حسين الكُردي هو الأمير الحسامي حسين الكُردي أحد القادة المقدمين عند السلطان الغوري، كان كُردياً دخيلاً على طائفة المماليك الجراكسة، عينّه السلطان قانصوه الغوري نائباً لجدة سنة 1505.

[3] گجرات ولاية هندية في شمال غرب الهند

[4] مصطفى باشا النشار بن بييكلي محمد باشا الكُردي (وهو لقب تركي Bıyıklı وتعني ذو الشارب ولُقب بالفاتح أيضاً لأنّه فتح ديار بكر (آميد) وأخرجها من سيطرة الصفويين، ثم نال لقب أمير الأمراء Mîrê Mîran وبنى في آمد جامع الفاتح باشا وتوفي فيما بعد في آمد عام 1521 وتوفي في باحة الجامع)، كان مصطفى باشا النشار نائباً على غزة وفيما بعد تولى ولاية اليمن لفترتين منفصلتين.

[5]  البكلربك (البكلربكية) كانت عبارة عن وحدة إدارية كبرى في السلطنة العثمانية، يحكمها بكلربكي (والي) ويتبعه سناجق، ثم استخدمت كلمة إيالة بدلاً منها لبعض الوحدات، وأخيراً حلّت كلمة ولاية محل الإثنين [جانكارلوا كازالي، رياس البحر الهندي عصر الاستكشافات العثمانية، ترجمة: مصطفى قاسم، إصدارات عالم المعرفة، الكويت، آب 2018 م، ص 168]

[6]  لُقب بالنشار لأنه كان في طريق الحج إذا وقع في يده سارق أو قاطع طريق ينشره نصفين كعقوبة على مافعل [النهروالي،غزوات الجراكسة والأتراك في جنوب الجزيرة العربية، الرياض، منشورات دار اليمامة، ط1، 1967 م، ص 94.]

[7]   أحمد جميل باشا والي اليمن ومتصرف لسيرت، تم نفي عائلة جميل باشا بعد ثورة الشيخ سعيد، ومنهم أكرم جميل باشا وقدري جميل باشا من مؤسسي منظمة خويبون في سوريا.

تعليق واحد

اترك ردّاً