بسام مرعي / أقليم كردستان

“لا أسعى انطلاقا من المقارنة بين الدين واللغة إلى وضع أولية أو تفضيل، أريد فقط جذب الانتباه إلى أن اللغة تمتلك تلك الخصوصية المدهشة في أنها عنصر هوية وأداة اتصال في الوقت ذاته. لذلك وعكس التمني الذي كنت أصوغه فيما يتعلق بالدين، يبدو لي أن فصل اللغة عن الهوية غير ممكن وغير مفيد، فقدر اللغة أن تبقى محور الهوية الثقافية، وأن يبقى التنوع اللغوي محور كل تنوع “
أمين معلوف الهويات القاتلة
لا يمكن فصل اللغة عن هوية الشخص، لأنها تشكل أحد العناصرالأساسية لتكوين هذه الهوية ككل ، فاللغة من هذا الباب عنوان ومحور أساسي وأصيل في تشكيل هوية الانسان، كما أنها أحد المركّبات المهمة التي تشكل الهوية الجمعية للإنسان، وينبغي عدم التقليل من الأهمية الرمزية و التي تشكلها اللغة في حياة الانسان وفي تكوين أي مجتمع .
تختلف أهمية اللغة في هذا السياق باختلاف المجتمعات وانفتاحها وحسب مركزية الحكم العرقية فيها وإعطاء الأولوية اللغوية لجماعات عرقية معينة، وذلك بسبب السلطة السياسية ونظام الحكم وذلك على حساب جماعات مختلفة لغوياُ وثقافيا ً.
ومن هنا تأتي أهمية التعليم باللغة الأم،كشرطٍ أساسي ومهم لتشكيل هوية الإنسان والطفل الثقافية والمجتمعية ، فمن من المهم أن تبدأ الأم بدورها الفطري والمسؤول بتعليمها وتدريبها للطفل نحواكتساب هذه اللغة بأصولها،علماً أن هذا التدريب كثيراً ما يأتي عفوياً وخاصة في السنوات الأربعة الأولى من عمره، ليبني عليها فيما بعد أسس تلقي وتعلم اللغة الثانية ، أوأية لغة إضافية أخرى، حيث تؤكد الدراسات الحديثة على أهمية ودور تعلم اللغة الأم كأساس وقاعدة في تعلم واكتساب اللغات الأخرى.
“إذا كان الشخص الذي أتعلم لغته لا يحترم لغتي فالتحدث بلغته لا يكون دليلاً على الإنفتاح بل ولاءً وخضوعاً“
لاشك أن تجربة الكثير من الدول وأنظمة الحكم التي كانت تفرض نظام تعليمي أحادي اللغة في مجتمعات مركبة ثقافياً ولغوياً واضحة وجلية وأدت إلى انحسار اللغات الأخرى على حساب اللغة الرسمية وما جمهوريات الاتحاد السوفييتي إلا مثالاً واضحاً، بالرغم من الاعتراف الشكلي والهامشي مما أدت الى ردود فعل عكسية تجاه اللغة الروسية بعد استقلال هذه الدول، هذه الردود التي تحمل في طياتها وتوجهاتها قطيعة ثقافية ومجتمعية، وما مثال اللغة الاوكرانية اليوم وبعض جمهوريات أسيا الوسطى إلا دليلاً واضحاً في تبني لغاتها الوطنية بعد الاستقلال وانحسار اللغة الروسية وتهميشها في هذه الدول.
ويسعنا القول هنا أن هذا الموضوع يتجلى بشكلٍ أوضح في الحالة الكردية في ظل هيمنة اللغات التركية والعربية والفارسية وفي ظل سياسات ممنهجة ومدروسة لطمس الثقافة واللغة الكردية، مما خلق وأوجد حالة ثقافية مشوهة، بل وجداراً ثقافياً بين المجتمعات الثقافية المتعددة التي تتكون منها هذه الدول .
يتحدث الكاتب والسياسي التركي”اسماعيل بيشكجي” في كتابه” كردستان مستعمرة دولية” أن الطبعة الأولى من ملحمة”مم وزين”ظهرت عام 1968 بترجمة جديدة” لمحمد أمين بوز أرسلان” وأنه أورد النص الأصلي باللغة الكردية، وترجمته التركية متقابلين على نفس المنوال.
وفي صيف1971وأثناء حكم انقلابي12مارس، حيث وضِعَ بيشكجي في السجن العسكري بمدينة دياربكر، وكان من بين المعتقلين الذين التقاهم بيشكجي في السجن بوزأرسلان، بتهمةٍ تخص علاقاته مع الروابط الثقافية الثورية للشرق ، وفي عصرأحد الأيام استدعى الإدعاء العام العسكري بوز أرسلان، واستبقاه مرة أخرى وهذه المرة من قبل الادعاء العسكري بتهمة الدعوة للقضية الكردية والانفصالية وذلك بسبب الجزء الخامس”همومنا”والجزء السادس”لماذا كتبت مم وزين باللغة الكردية”وتم اتهامه بجرح مشاعر القومية التركية .
في مرافعات تلك المحاكم (1971) رفض الإدعاء التركي إحضارمترجمين للمتهمين، مدّعيا ً أن المتهمين أتراك، وإن اللغة المعروفة بهذا الاسم ليست سوى لهجة مشتقة من اللغة التركية ، واستعان لذلك بعدد من الأساتذة الجامعيين لإثبات وجهة نظره تلك.
تختلف أهمية اللغة في هذا السياق باختلاف المجتمعات وانفتاحها وحسب مركزية الحكم العرقية فيها وإعطاء الأولوية اللغوية لجماعات عرقية معينة، وذلك بسبب السلطة السياسية ونظام الحكم وذلك على حساب جماعات مختلفة لغوياُ وثقافيا ً
حتى في ايران ولفترةٍ طويلة كانت تعتبراللغة الكردية لهجة فارسية، ولم يسمح بنشرالصحف أوالكتب بالكُردية، كما لم يتم السماح بتدريسها في المدارس ، و كان على أصحاب الكُتب الكُردية إخفاءها وتداولها سراً مخافة قمع السافاك في حال العثورعليها، كما استمرت الدولة بعملية تطويروتنقية اللغة الفارسية من المفردات الغريبة الكُردية منها، حفاظا ًعلى لغة الشمس كما سُميت الفارسية. في ظل الجمهورية الإسلامية، تسمح الحكومة بالنشرولكن برقابة شديدة، ولا نجد حتى الآن أي تعليم باللغة الكردية في المدارس الحكومية ، رغم أنه وفي بعض الجامعات قد افتتحت الجمعيات الطلابية والدورات التدريبية وتفعيل الدروس الخصوصية وكأنها الخيار القانوني الوحيد، مع الإشارة إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الجمهورية اﻹسلامية، لم تدخر جهدا ً في منع ظهورإقليم كردستان شمال العراق، كما أنها دعمت الحركة المسلحة الكُردية بالضد من نظام صدام حسين، ولم تكن تسمح للكرد لديها التحدث بأي تعبير سياسي أو قومي أو لغوي، في السنوات اﻷخيرة، ويجدر بالذكر إن هناك مستوى عالٍ من التنسيق بين طهران وأنقرة بشأن منع الحركات الكُردية بأنواعها من تحقيق أي إنجاز في المناطق الحدودية بين البلدين والتي تضم بالطبع غالبية كردية.
في سوريا : اللغة العربية هي الرسمية، ولا توجد لغات أخرى مُعترف بها، رغم أنها تضم أقليات عرقية وقومية ودينية فهناك فسيفساء لغوية متنوعة من الكرد واﻷرمن والسريان واﻵشوريين وحتى اﻵرامية، ولا يوجد في المجال العام السوري أية صحافة أوإعلام أو تدريس أو نشرغير ناطق بالعربية،حيث يتعلق اﻷمر بطبيعة المنظومة القومية الحاكمة باسم القومية العربية وبعدم الأعتراف ـ حتى اﻵن ـ بأحقية الناس في أي فضاء ثقافي أو لغوي مختلف عن فضاء السلطة، فمنذ1963توقفت آخر الصحف المستقلة، وحتى عام 2010 تقريباً، كانت هناك صحيفة سياسية واحدة ناطقة بالعربية، وتعتبر نفسها مستقلة وهي صحيفة الوطن شبه الحكومية بالطبع، إن الحديث عن صحافة قومية غيرعربية لم يكن ممكنا ًولا مسموحا ً تقريباً طيلة عهد الدولة الوطنية .
طبعاً يختلف الوضع اليوم في إقليم كوردستان الفيدرالي والمعترف به دستورياً حيث تعد اللغة الكوردية هي لغة التعليم الأساسية في مناهجها التعليمية .
هذا يحيلنا إلى موضوع مهم وهو المثقف الكردي بين لغة الأم – واللغة الرسمية المفروضة، والتي نهل من نبعها الرسمي في ظل الانظمة الحاكمة، وهنا لا بد من الإشارة إلى الجدل القائم بين فريقين من الكتاب، فريقٌ يكتبون باللغة الأم من الكتاب الكرد ومنهم أيضا من يكتبون باللغة العربية أو باللغات الأخرى التركية الفارسية، هذا الجدل الذي يدافع فيه كتاب اللغة الكردية عن أهمية الكتابة بها والترجمة إليها وأحقيتها من الكتابة بأي لغة أخرى، ومن باب دعم النتاجات الكردية وإغناء المكتبة الكردية الشحيحة أساساً والضعيفة على مستوى الكم والنوع، فالظروف سابقة الذكر كافية لتراجع مستوى الكتابة باللغة الكردية .
ومن باب أخر نشير، الكتاب الكرد الذين ينشرون نتاجاتهم باللغة العربية أواللغات الأخرى وهي متباينة في مستوياتها و أشكالها، وتختلف قدرة الكتابة فيها من شخص إلى أخر مع الأخذ بعين الاعتبار الأهمية الكبيرة للمواضيع الكردية الأدبية منها والسياسية باللغات غير الكوردية وسهولة نشرها وتداولها.
لن تكون اللغة كعنصرٍ أساسي من عناصر الهوية مهددةً، طالما يسعى أبناؤها بجدٍ للحفاظ عليها وتقدير مكوناتها، وهذا الموضوع لاشك مرتبط بالمؤسسات التعليمية الرسمية في الدرجة الأولى ونخب المثقفين الكورد .
كما إن التعرف على ثقافات الآخرين وهوياتهم ولغاتهم وفهم أوجه التشابه والاختلاف، يعكس فهماً عميقاً لمعنى الهوية والانتماء ولا يشكل عائقاً في تطوير المجتمعات، بالعكس من ذلك فهي تبني جسوراً ثقافية وتزيل الجدران الصلبة التي تقف عائقاً في نشر ثقافة الآخر المختلف .
المراجع :
- الهويات القاتلة / امين معلوف .
- كمال شاهين / اللغة الكردية، تحديات الجغرافية والتاريخ / آسو للدراسات/ 2023 .