من ديوان: معركة بتوقيت الماء…! سليم بركات

سليم بركات

(1)
أُنهيَ الرَّدْمُ. سُوِّيْتُ رصْفاً على مَهَلِ النَّكبتيْنِ: رضى الأرضِ عن نفْسها الجرحِ حظاًّ على نَشْئِها، والسماءِ النزيفِ.
أُنهيَ الردمُ. لا أثرٌ. أُلْجئَتْ كلُّ روحٍ بأسمالها مخْبأً من دخانٍ، وما وسِعَتْ في الرمادِ الحليفِ.
تقوَّضتِ المُمكناتُ: هُشَامتُها نَفَسُ النَّزْعِ. سُوِّيْتُ رصْفاً على الرصفِ؛ مَحْواً، بلا أثرٍ، واستوى المستحيلُ
على عرشهِ. بايعْتهُ الخواتيمُ جُوْفاً. رياحٌ رعايا مَوَاكِبُه، ووجودٌ طبولُ،
وما طحنتْهُ السماءُ منَ الأرض في جُرْنها،
وما انتدبتْهُ القيامةُ من مُطلَقيْنِ: الخرابِ ـ أبِ الوقتِ، والخيبةِ الأمِّ. سُوِّيْتُ بالمُطْلقيْنِ، وبالنكبتينِ، تماماً من النَّسْفِ؛ جُدْباً صَفاصِفَ. لا أثرٌ، بل زئيرُ الصُّروفِ.

أُنهيَ الرَّدمُ.
ما كانتِ الأرضُ ـ مُذْ كان قلبي نفيرَ أساطيرها ـ غيرَ جرحٍ،
ولم تكُ هذي السماءُ النزيفُ سوى مُعْجِزٍ من كمالٍ النزيفِ.

(2)
حَفْرُ قبورٍ في السماءِ بمعْوَلِ الدمِ.
أمهاتٌ جزائرُ بحْريةٌ،
وآباءٌ سفنٌ بلا مراسٍ.
أَلِكلِّ امرأةٍ وامرِئٍ عينا أمٍّ لم تلدهما،
وعينا أبٍ لم ينجب؟
حفْرٌ
في
الوقتِ
بمِعولِ الملحِ. سأُنهي اعتمادَ الحَفْرِ بالمعاولِ مَخْرجاً من ذهولِ الوقتِ إلى ذهولِ المكان.

(3)
الخلاصُ من الرُّسُل بإطعامهم ما يفضِّلونَه من كبد التنين.
السمومُ كُثرٌ للخلاصِ من الرسلِ:
أكبادٌ مسمومةٌ.
كُلىً مسمومةٌ.
أُكارعُ مسمومةٌ.
بَيْضٌ مسمومٌ.
آياتٌ مسمومة.
تعجيلٌ بلا تزويقٍ، أو تعقيدٍ، في الآنفِ من خططِ السمومِ خلاصاً من الرسلِ. لا أكلافَ إن وُجدتْ. سأُنهي الأكلافَ.
سأُنهي ما يكلِّفُه شهيقُ الفاتكِ إعجاباً بخطئه.
سأُنهي الوضوحَ في مقاصدِ المبشريْنَ بدفءِ الأقنعة.
سأُنهي النظرةَ القِتالَ،
والمرحَ القِتالَ،
والارتخاءَ قِتالاً.

(4)
سأُنهي الجلوسَ على حافةِ الصوتِ،
واعتراضَ الطُّرقِ على المعماريين بأبراجٍ على أكتافهم،
والاستخدامَ السيءَ للعيوبِ،
والإدارةَ
الحَسَنةَ
لتهذيبِ
الأنقاض.
سأُنهي خدعةَ النفطِ الشاعرِ بسوادٍ من الكلماتِ له رائحةُ النثرِ،
وانزلاقَ الكراسي بقوائمها العالياتِ الأصوات من العراكِ بالأقدامِ تحت المناضد.

(5)
هاهُم ورثةُ قلوبِ الثيرانِ،
والطغاةُ اللطفاءُ مع الحدائقِ،
البستانيون يرشدون النحلَ إلى غبارِ الطَّلْعِ في أزاهيرِ الله.
عَرَقٌ
على
جباهِ
السنين،
وارتعاشٌ في أيديها. سأُنهي
الذي
جرى
للحصانِ.
سأُنهي الذي جرى للأرض متَمغِّطةً تحت حوافرِ الحصان.
سأُنهي ما لا يبقيني غريباً على قَدْرِ ما يرضيني ذلك.
سأكون
غريباً
حيثُ
يكتفي الغريبُ بسحْرِ الحزنِ فيه.

(6)
أَهذه مراوَغاتُ أسماكٍ،
أمْ نومُ القرودِ إصغاءً إلى مواعظِ الملوك؟
أسْكِتوني إذاً،
حين لا يبقى لي إلاَّ صوتُ الزحامِ في السوقِ،
وجراحُ الذهبِ عضاًّ من هِررةِ النحاس؛
حين لا يبقى لي إلاَّ الرجاءُ
متقاعساً
عن
نفْخِ
عجلةِ
دراجته المثقوبة.

سأُنهي الفصلَ السادسَ،
الذي لا يمُتُّ بشيءٍ إلى الآنفِ ذِكْراً.
سأُنهي فصلَ انتقالِ الزيزانِ
مِنْ
عرائشِ
العنبِ
إلى الحناجر.

(7)
جنونٌ بثلاثِ ورقاتٍ نابتاً في حقلِ البرسيم.
تعبٌ شهيٌّ في الوجوهِ. ملذاتٌ تعبٌ،
والنهايةُ مكتفيةٌ بذاتها، لا بَعْدَ بَعْدَها. صبْراً:
سأُنهي ضجرَ الجنونِ مقيماً في حقلِ البرسيمِ عَوْداً به إلى حقلِ الأزاهيرِ الجَرَسيَّة،
أو إلى حقلِ
الأجراسِ
الحديد.
سأُنهي الإرثَ المُعتَمَدَ: أنْ
تحظى
كلُّ
حربٍ
بالشصوصِ
لصيدِ
الأسماك.

(8)
سأُنهي القلوبَ العُمْلةَ،
ولطفَ الشجرةِ في الحديث عن ظلِّها،
واللباقةَ في تعريفِ الأكذوبةِ الصادقةِ،
والشموخَ المرغَمَ على شموخه.
سأُنهي المعادنَ التي فقدت رشْدَها،
والأضرارَ المكتفيةَ بلعْقِ السُّكَّرِ،
والموتَ الحَسَنَ التطبيقِ،
والحياةَ الحَسَنةَ التطبيقِ.
سأُنهي
الجحيمَ
في
دروسِ
الأزلِ
التطبيقية.

(9)
الكراسيُّ مقلوبةٌ على الشاطئ.
هربَ السابحون يتبعهم البحرُ هارباً.
سأُنهي هذي الحالَ أيضاً:
سأُعيدُ الكراسيَّ منتصبةً على سيقانها،
والبحرَ مقلوباً.

(10)
لم يحبَّ الرسامون ما رسموه،
بل أحبوا الظلالَ خافقةً بزعانفها وراءَ السوادِ في الرسومِ. اعتَرَفوا لي.
اعترفتُ لهم بحقدي على اللونِ،
وعلى المجتمعينَ في معبد اللونِ للحَمْلةِ مقدَّسةً على النمور.
سأُنهي ما لا حقدَ فيه على أحدٍ،
أو حيوانٍ،
أو بستانٍ.
سأُنهي ما لا حقدَ فيه على الحريةِ أبْعَدَ من الزئير.

الغيومُ متراكبةٌ كشَعرِ العاناتِ في الرسوم.
النقصانُ المثاليُّ،
والإخفاقُ القُدوةُ،
والخذلانُ الكمالُ،
والخيانةُ المنوَّرةُ من أَلَقِ الغاياتِ، كلُّها من عبثِ الرساميْنَ؛
مثْلُها المهازلُ اللواتي أنقى من ردمِ النُّورِ على النُّورِ في الحُفرةِ النورانية.
سأُنهي النورانيةَ المُشْكلَ،
والرجوعَ
مِن
حماقةِ
اللونِ
بحفنةٍ من أقواسِ قَزح.

(11)
الرسامونَ في أفولِ اللونِ،
والخرائبُ دافئةٌ في الرسومِ المرتعشةِ برْداً.
سأُنهي الخلافَ على إرثِ الأفولِ الدافئ.
سأُنهي
الإرثَ
اللونيَّ،
والصعودَ على الطُّرقِ الحجريةِ رصْفاً إلى موانئِ اللون.
سأُنهي الإقامةَ في اللونِ،
والممكناتِ الثعالبَ في اللونِ،
والضروراتِ الخُدَّامَ في اللونِ،
والرياحَ الملاعقَ لاحتساءِ الملاحم من صحونِ الشِّعرِ في اللون.
سأُنهي الأبهى صُنْعاً،
والأحسنَ صُنْعاً،
والصُّنْعَ الذي لا بقاءَ إلاَّ به في اللون.
سأُنهي
الوجبةَ
الأخيرةَ
للمحكومِ
بالإعدامِ اللونيِّ.

(12)
الأصواتُ مجسَّمةٌ ككشتباناتِ الخياطينَ،
والمنتصرون منبوذونَ،
والأشرارُ بأيدٍ على مقاودِ السفنِ ينزحونَ بها آمنةً.
سأُنهي اليقينَ العاديَّ في الأصواتِ مجسَّمةً،
والقلوبَ الثمِلةَ من إشراقِ العاديِّ.
سأُنهي ما قبلَ العاديِّ في البرزخِ معتقَلاً تحت الوسادة.
سأنهي الدخولَ إلى ميْتمِ الأوقاتِ الهاربة من نوافذ الإنسانِ،
ومِن أبوَّةِ الإنسانِ،
ومِنْ
أمومةِ
أبديَّتهِ
الموحشة.

(13)
لا يهمني البيتُ لم يزلْ قائماً، أمِ انهارَ البيتُ.
لا يهمني بقاؤه، أو زوالُه مندثراً.
لا يهمني ما أخفيتُ تحت البُسُط فيه من طفولةِ المَتَاجِرِ اللَّبِنيَّةِ،
ومِنَ العدائيةِ المريحةِ،
ومنِ الماضي المرتعشِ حقداً،
ومنَ العناصرِ الخمسةِ: النارِ المؤلمةِ،
والترابِ المؤلمِ،
والهواءِ المؤلمِ،
والماءِ المؤلمِ،
والألمِ المؤلم.
لا يهمني هذا، بل الطريقُ إلى البيت.
سأُنهي الطريقَ الذي خذلني،
والنظرةَ الطرْشاءَ إليَّ من القلبِ الذي لم يعُدْ آمناً كمكانٍ،
والماضي المعلَّقَ معْطفاً إلى مشجبِ الحظوظ.
سأُنهي
سقوطَ
المعاطفِ
من السماء.

(14)
خطأٌ كالشمسِ في صباحٍ ممطرٍ. اقتَنِصوا
فرصةَ
الصباحِ
ممطراً،
وخذوها القُبلةَ بلا تمويهٍ؛
بلا مبالغةٍ في الوصفِ؛
بلا كنايةٍ لجذبها إلى الشفاهِ؛
بلا تشبيهٍ بما يكون عليه الفجرُ أو لا يكون.
خذوها القُبلةَ
كجرحٍ
لن
يندمل.
قد أُنهي شيئاً لا يشبه القُبلَةَ تخصيصاً في التمويهِ،
مُذ نحن تتبيلُ جراحٍ بجراحٍ،
وأحلامُ آخرين يستيقظون في الخنادقِ. اقتَنِصوا
فرصةَ
اليقظةِ
في
الخنادق.
نحن المرةُ الأولى ـ المرةُ الكثيرةُ التي لا تُطاقُ. أوقِفوني على أصابعِ قدميَّ ـ أصابعِ قدميِّ الموتِ. سأُنهي الخطأَ العرْشَ الذي بمقعدٍ من الريحِ، وبمسْندٍ من العواصف، وبقوائم من اللهاث.
سأُنهي الأورامَ تُكسى بشرائعِ الغدرِ المضمونةِ،
والطُّرُزَ المضْغَ بالأسنانِ،
وتبشيرَ الفضةِ بالفوضى،
وتدليْسَ الحظِّ العاثرِ،
والنوايا المبيَّتَةَ منسوبةً إلى ملاكٍ.
المياهُ الدافئةُ أكثرُ ثرثرةً من سواها.
ليتني
مياهٌ
دافئةٌ،
أخنقُ بيديَّ ما لا تخنقه يدانِ باردتان.

(15)
أهذا اتِّحادُ الأرصفةِ بعد شِقاقٍ في تاريخ الإسفلتِ؟
تخيَّلوا ما تخيَّلتْه الأرصفةُ على الأرضِ،
وما تخيَّلتْه السواري المكسورةُ في المياه.
إنها صبيانيَّةُ الأرقامِ في حسابِ الخيالِ،
وتجذيفُ القوارب بالمجاذيفِ القمريةِ إلى الهاوية.
سأفكرُ في إنهاءِ شيءٍ من هذا،
قبل أن يستغرقني النظرُ إلى شَعْرٍ مكتئبٍ يحيط بوجهٍ مستريحٍ،
أو التلذُّذُ بكسرِ عراقيب الخيلِ الآجريَّةِ،
أوِ الخنقُ المذهلُ باليدينِ،
أو ارتفاعُ ضغطِ الدمِ في الجسدِ الأثيريِّ.

الدَّوْحُ محترقٌ من أنفاسِ المغتلِميْنَ،
والترجيحُ راسٍ
على
إنقاذِ
العظامِ
بعدَ
المذابح.