وفاء عبدالمجيد

“تعاني من عقدة الخوف من البشر… تخبرني أنهم وحوش”.
سطر واحد مكرّر ثلاث مراتٍ في آخر تقريرٍ لها من قِبَل طبيبها النفسي قبل وفاتها!
يُذكر أن الطبيب كان يجالسها طيلة النهار على أمل أن تخبره بأي شيء، أي شيء قد يكون سبباً لهالاتها السوداء، وضيقها المتكرر، وعصبيتها المفرطة، ولكن دون جدوى!
كلما كان يمازحها قائلاً: “إلى متى؟”، كانت ترد بقولها: “يأتي يومه!”.
رغم خبرته طيلة خمسة عشر عاماً كطبيبٍ نفسي، عجز عن فهم ما كانت تقول.
كانت كلما تنفرد بنفسها تثرثر كثيراً مع صميمِها، وفي كل مرة يقاطع حديثها مع نفسها أحد، كانت تقول بانفعال بالغ:
“متى ستتركون الندبة؟
أي زاوية أخرى ستمتلئ بسوادكم؟”.
لم تكن تثق بأحد إطلاقاً، وتوقعت الخذلان حتى من عابري السبيل.
واليوم، وبعد وفاتها والخبر الصادم، يُذكر أنه كان مكتوباً في تقرير طبيبها الشرعي:
“لا وجود لأي أثر يدل على انتحارها. توجد بعض الكدمات والخدوش، لكنها لا تؤدي إلى الموت.
الخدوش غالباً ما تحدث في لحظات الغضب أو الانهيار العصبي.
أيضاً، هناك عروق بارزة جداً في يديها، لكن لا شيء ملفت حقاً…!
لربما كان لديها مرض في الشرايين”.
يا لها من فتاة مسكينة، كم عانت في حياتها لتبدو كجثة هامدة ماتت منذ سنوات! لكن لا شيء يستحق البحث أكثر. شُخِّص موتها كموتٍ طبيعيٍّ لا أكثر.
“سيؤذونني…
إن لم يكن اليوم، فغداً…!”.
كانت هذه شهادة صديقتها التي أكملت حديثها بعد أن فاضت عيناها بالدموع:
“لقد عانت لسنوات من كثرة الكتمان. لطالما كانت تكتم كل حدث يمر بها، حتى تلك الأحداث الصاعقة.
تداري تشقق قلبها بالويلات، تحبس أنفاسها بالتنهيدات، تسقي ندوبها بدموعها لتدخل في غيبوبة النوم.
وبعد ستين دقيقة، تعود وتخبرني: الكوابيس لا تدعني أنام!”.
ووالدتها ذكرت:
“لم أحظَ يوماً بسماع قهقهة ضحكاتها. لم يمتلئ المنزل بابتسامة منها حتى.
كانت شاردة على الدوام، تتجنب مجالستنا وحديثنا. لم تشاركنا أي جلسة عائلية.
كلما أسألها: كيف حالكِ يا صغيرتي؟
تخبرني أنها بخير، ثم تحني رأسها وتشعل سيجارتها المسمومة”.
ومع ذهول إحدى جاراتها بذلك الخبر، قالت:
“أنا لا أعرف شكلها حتى! لم أكن أعلم أن أمها لديها ابنة!
لطالما كنت أذهب لزيارتهم، فكيف لي ألا أراها؟ أتُرى كانت خرساء؟
أنا في هذا الحي منذ عشرين عاماً، وفي هذه العشرين لم أرَ وجهها قط!”.
عاشت هذه الفتاة وحيدة بكل ما أوتيت من حزن، وماتت أيضاً وحيدة بكل ما أوتيت الحياة من خذلان.
كانت تلك الجملة نهاية قضية ملف موتها:
“ماتت وبقي سرّ كتمانها. ماتت ولآخر لحظة كانت تدّعي أنها بخير!”.