ارتباكات مصيرية-فوضوية الاختيارات العاطفية.

ديار أحمد ملا

تعد القرارات العاطفية من أكثر القرارات تأثيراً على حياة الإنسان، لأنها تتعلق بجوهر العلاقات الإنسانية وتشكيل حياة الفرد على المستويين النفسي والاجتماعي. ومع ذلك، يعاني الكثيرون من فوضوية الاختيارات العاطفية، التي قد تؤدي إلى علاقات مضطربة أو شعور دائم بعدم الرضا.
لِذا ما هي أسباب هذه الظاهرة ؟
وما هي انعكاساتها السلبية ؟
وما هي سُبل التخلص منها بحلول تستند إلى الوعي والنضج العاطفي .

أولاً: ماهية فوضوية الاختيارات العاطفية

فوضوية الاختيارات العاطفية تشير إلى حالة من التردد، العشوائية، أو التسرع في اتخاذ القرارات المتعلقة بالارتباط العاطفي أو العلاقات الاجتماعية. يمكن أن تظهر في شكل الوقوع في علاقات غير صحية، أو التكرار المستمر للأخطاء في الاختيارات، أو التسرع في الانجراف خلف المشاعر دون مراعاة العقل.

سمات الاختيارات العاطفية الفوضوية:

١- التسرع والإندفاع: قرارات مبنية على انفعالات لحظية دون تفكير عقلاني في العواقب.
٢ – التعلق المفرط: دخول العلاقات من منطلق الحاجة إلى التقدير أو الخوف من الوحدة.
٣ – تكرار الأنماط غير الصحية: الميل لاختيار أشخاص أو علاقات مشابهة للتجارب السابقة التي لم تنجح.
٤ – الخضوع للضغوط الخارجية: اتخاذ قرارات عاطفية بسبب الضغوط الاجتماعية أو العائلية بدلاً من القناعة الشخصية.

ثانياً : أسباب فوضوية الاختيارات العاطفية

  1. العوامل النفسية:
  • نقص الوعي الذاتي: عدم إدراك الفرد لاحتياجاته الحقيقية أو قيمه الشخصية.
  • الخوف من الوحدة: الهروب من الشعور بالفراغ العاطفي بأي شكل من الأشكال.
  • التجارب السابقة المؤلمة: الخبرات السلبية مثل العلاقات السامة أو الانفصال المؤلم، التي تترك ندوبًا تؤثر على القرارات المستقبلية.
  1. التأثيرات الاجتماعية والثقافية:
  • الصورة المثالية للعلاقات: الضغوط الناتجة عن الصور المثالية التي تروج لها وسائل الإعلام أو المجتمع حول الحب والعلاقات.
  • التوقعات العائلية: التدخلات أو الضغوط العائلية التي تدفع الفرد لاتخاذ قرارات غير متناسبة مع طبيعته ورغباته.
  1. نقص المهارات العاطفية:
  • ضعف القدرة على التواصل: غياب النقاش الصريح أو عدم القدرة على التعبير عن المشاعر.
  • صعوبة وضع الحدود: عدم القدرة على رفض العلاقات غير المناسبة أو وضع حدود تحمي الخصوصية والراحة النفسية.

ثالثاً : تأثير فوضوية الاختيارات العاطفية

  1. التأثيرات النفسية:
  • الإرهاق العاطفي: العلاقات غير الصحية تستنزف الطاقة وتسبب شعوراً دائمًا بالتعب النفسي.
  • الندم وفقدان الثقة بالنفس: الأخطاء المتكررة تؤدي إلى الشعور بالذنب وتآكل الثقة بالنفس.
  • الإحباط المزمن: عدم الاستقرار العاطفي يخلق حالة دائمة من القلق والتوتر.
  1. التأثيرات الاجتماعية:
  • ضعف العلاقات الأخرى: العلاقات العاطفية الفوضوية تؤثر سلبًا على العلاقات الأسرية والاجتماعية الأخرى.
  • الانعزال الاجتماعي: الشعور بالخجل أو الفشل الناتج عن تجارب عاطفية سيئة يؤدي إلى الانطواء.
  1. التأثيرات طويلة الأمد:
  • اختيارات حياتية خاطئة: الزواج أو الإنجاب بناءً على قرارات عاطفية غير مدروسة يؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد.
  • صعوبة التعافي: بعض العلاقات العاطفية قد تترك ندوبًا عميقة يصعب تجاوزها.

رابعاً: حلول عملية للتخلص من فوضوية الاختيارات العاطفية

  1. تعزيز الوعي الذاتي:
  • فهم الذات: قضاء الوقت في التفكير حول الاحتياجات، القيم، والأولويات الشخصية يساعد على اتخاذ قرارات متزنة.
  • تحديد معايير العلاقة المناسبة: يجب أن يكون لديك تصور واضح عما تبحث عنه في العلاقة، من حيث القيم والصفات التي تهمك.
  1. الفصل بين العقل والعاطفة:
  • التوازن في اتخاذ القرار: يجب أن يوازن الفرد بين مشاعره وتفكيره المنطقي لتقييم العلاقة بموضوعية.
  • تجنب التسرع: إعطاء النفس الوقت الكافي للتعرف على الشخص الآخر قبل اتخاذ قرارات كبيرة.
  1. التعلم من التجارب السابقة:
  • مراجعة العلاقات السابقة لفهم الأخطاء المتكررة وتجنبها مستقبلاً.
  • التركيز على النمو الشخصي بدلًا من التركيز على تعويض العلاقات الفاشلة.
  1. تعزيز المهارات العاطفية:
  • التواصل الفعّال: بناء مهارات حوار صريح وصادق مع الشريك المحتمل.
  • وضع الحدود: تعلم قول “لا” للعلاقات التي لا تتناسب مع تطلعاتك وقيمك.
  1. طلب المشورة والدعم:
  • الاستعانة بخبراء أو معالجين نفسيين لمساعدتك على التعافي من التجارب السابقة وتوجيه اختياراتك العاطفية.
  • طلب النصح من أشخاص تثق بحكمتهم وخبرتهم، لكن مع الاحتفاظ بالقرار النهائي لنفسك.
  1. الابتعاد عن العلاقات السامة:
  • التعرف على علامات العلاقات غير الصحية (مثل السيطرة، التلاعب العاطفي، أو الإهمال).
  • اتخاذ خطوات جريئة لإنهاء أي علاقة تسبب ضرراً نفسياً أو عاطفياً .

خامساً : بناء ثقافة الاختيارات العاطفية الناضجة

للتخلص من فوضوية الاختيارات العاطفية على نطاق أوسع، يجب أن نعمل على بناء ثقافة اجتماعية تدعم النضج العاطفي:

١ – التعليم والتثقيف: إدراج موضوعات مثل الذكاء العاطفي، مهارات التواصل، وإدارة العلاقات في المناهج الدراسية.
٢ – نشر الوعي الإعلامي: تسليط الضوء على أهمية العلاقات الصحية بعيدًا عن المثالية الزائفة.
٣ – تعزيز الدعم المجتمعي: توفير مساحات آمنة للحوار حول القضايا العاطفية دون وصم أو نقد.

ختاماً :

فوضوية الاختيارات العاطفية ليست مجرد مشكلة فردية ، بل هي ظاهرة تؤثر على الصحة النفسية والاجتماعية للأفراد والمجتمعات كافة . والتخلص من هذه الظاهرة يتطلب وعياً ذاتياً ، توازناً بين العقل والعاطفة، وتبني نهج ناضج في التعامل مع العلاقات. إن اتخاذ قرارات عاطفية مدروسة ليس فقط خطوة نحو حياة أكثر استقراراً وسعادة ، بل هو أيضاً أساس لبناء علاقات إنسانية عميقة ومستدامة.