قراءة في مجموعة «8845 اختصرتْ وطنًا» للشاعرة جانيت مراد
إبراهيم إبراهيم – الدنمارك

هل المرأة إختصار لغيمة أنثى تحتض جغرافية القلوب الصغيرة .؟ هل تنام الأوطان في قلب الانثى ..؟ هي أسئلة حاصرت البشرية من التفاحة الأولى .!! الوطن مذبوح شفتيه .. وكل ما في شوارعه وأزقته ومقاهييه وطرقاته وبيوته ومحيطه مكدس بين أصابع أمرأة … تجتمع الصباحات من ” Kurka ” الطباشير وعفرين ” البابونج” ترحل جانيت مراد عبر أرقام إلى حلم أكثر برودة من حلب ودمشق.
تتوضح خارطة العبث والابتسامة في مجموعة من مفردات وتراكيب هي منحى لغة الشاعرة جانيت مراد في «8845 اختصرتْ وطنًا» جانيت مراد شاعرة كردية سورية مراد والتي تمثل تجربة شعرية مركّبة، تجمع بين الاغتراب الوجودي والجرح الجمعي، وبين الشهادة الفردية واللغة كمنفى بديل. الرقم الذي يشكّل عنوان المجموعة، وهو رقم قرار الأمم المتحدة بالموافقة على لجوئها إلى ألمانيا، يتحول في المخيال الشعري إلى وطن رمزي يختزل الوجود المهدور في رقم إداري، ويجعل من الشعر فعل خلاصٍ من قسوة الواقع. فالعنوان وحده يلخّص مسار التحوّل من الوطن الملموس إلى وطنٍ مجرّد: «8845 اختصرتْ وطنًا».
تكتب جانيت مراد بالعربية، لكنها تفعل ذلك من خارجها التاريخي. فهي شاعرة كردية من عفرين المحتلة، تنتمي إلى لغةٍ أُقصيت طويلًا عن الفضاء العام، وتلجأ إلى العربية كأداة للبقاء. غير أن هذا اللجوء لا يبدو استسلامًا، بل إعادة خلقٍ للغة من موقع الغربة. اللغة في نصوصها ليست وسيلة تواصل، بل ساحة صراع بين الانتماء والاغتراب.
تقول في قصيدة «وطن يتسرّب إلى صباحي»:
«الصّباح هناك / يقف أمام صباحي هنا / هكذا أصل من جديد / للمدرسة الغريبة / اللغة غريبة / الصّباح غريب / الناس غرباء».
هذا التكرار الإيقاعي لكلمة «غريب» لا يعكس فقط إحساس المنفى، بل يشي بطريقة الشاعرة في تطويع اللغة العربية لتصبح مرآةً لارتباكها الداخلي. فالمفردة العربية هنا تفقد ثباتها الدلالي لتغدو صوتًا للانفصال والاضطراب، وكأن العربية نفسها تتعثّر وهي تنقل وجع الكردية الممنوعة.
وفي قصيدتها «الكرديّة ممنوعة» تختزل الشاعرة المأساة اللغوية والسياسية في صورة كثيفة:
«صارت اللغة الكردية ممكنة / ذات زمان كانت ممنوعة / مخفية، مخيفة، مكتومة / صارت ممكنة / قتلوا الأرض الطيّبة / نزحت الأرواح الكردية نحو الخيم / نحو السماء». هنا تتحوّل اللغة إلى جسدٍ مقتول، وإلى وطنٍ ضائع في العلوّ، في مفارقة تجمع بين الميتافيزيقي والسياسي.
تقوم البنية الصورية في هذه المجموعة على المشهدية الوجدانية أكثر من المجاز اللغوي. فالشاعرة لا تكتب صورةً بل تستعيدها كما تُستعاد الذكرى: مموّهة، ناقصة، لكنها مشبعة بالإحساس.
في قصيدة «عفرين 1» تقول:
«حبيبتي أنثى عنيدة / روحها مني ومنك / جسدها مني ومنك / كفرجنة.. ليلون وعيندار / حبيبتي قرية / تقف على أطلالنا / حبيبتي كركو / قلب ينبض لا يموت».
تتحول عفرين هنا إلى أنثى – أسطورة، تجمع بين الأرض والمحبوبة والأم، بينما تتداخل الجغرافيا (كفرجنة، ليلون، عيندار) مع الحنين ليشكّلا معًا صورة الكينونة المفقودة.
وفي قصيدة «٨٨٤٥» يطلّ المشهد الواقعي – مشهد اللجوء – في لغةٍ هادئة كأنها توثّق لحظة عبورٍ وجودي:
«حملتُ ولدي / واختصرنا المكان / هناك في بيروت / في بيت صديقٍ قديم / أنزلنا فوضانا…
قالت لي موظفة الأمم المتحدة: رقمكِ كبير كبير / ضحكت هي وضحكتُ أنا أبكي».
هنا يختلط البكاء بالضحك في مفارقة تمثل جوهر التراجيديا السورية، حيث يتحوّل الرقم إلى معادلٍ رمزي للوطن، والمقابلة الرسمية إلى طقس عبورٍ من الموت إلى الحياة.
تعتمد الشاعرة على الإيقاع النفسي أكثر من الإيقاع الوزني أو الموسيقي التقليدي. تتأسس الجملة الشعرية عندها على التكرار بوصفه بنية دلالية:
«حين و حين / حين و حين / يتسرّب الحبّ إلى قلبي / يتعثّر بالوقت واللاوقت» (من قصيدة “تشويش”)
التكرار هنا ليس زخرفًا صوتيًا، بل أداة لتجسيد الدوّامة الداخلية للذات المنفيّة، التي تعيش بين الحضور والغياب، بين “الوقت واللاوقت”. هذا الإيقاع المتناوب يضفي على النصوص نغمة توتر دائم، كأنها تنفَّسٌ شعريٌّ متقطع.
أكثر ما يميّز تجربة جانيت مراد هو حضور عفرين كجرحٍ دراميٍّ متجدّد. فقد خصصت خمس قصائد بعنوان «عفرين 1» حتى «عفرين 5»، تشكّل معًا سردية شعرية متكاملة عن الوطن المفقود.
في «عفرين 3» تقول:
«حين أنهار / وحدها المدينة تستلقي على روحي / منذ أن ودّعتها خفيةً / وحدها المدينة تعيش في ساحات روحي / كذلك عفرين».
بينما في «عفرين 4» يتخذ النص منحى ملحميًا:
«أنتِ الجسد العاري / جسد بارين الشهيدة / أنتِ المسرح والفيلم / وآلاف القصائد / أنتِ الكفن واللا كفن».
إنّ استدعاء الشاعرة لصورة الشهيدة بارين كوباني لا يتمّ بوصفها حدثًا سياسيًا، بل كأيقونةٍ جمالية تجمع بين الأنوثة والموت والمقدّس. وهكذا تتحوّل عفرين في النص إلى رمزٍ كونيٍّ يتجاوز المكان.
المنفى في هذه المجموعة ليس حالة فقد، بل حالة خلقٍ مضاد. ففي قصيدة «سأصنع وطني» تكتب:
«سأعيد بناءه / سأصنع وطني عن بُعد / سأعيد للأم الثكلى ولدها / وللأرملة زوجها / سأبني بيتي كما بناه أبي».
إنها لا تكتفي برثاء الخراب، بل تمارس الشعر كفعل إعادة إعمار رمزي. اللغة هنا تتحوّل إلى أداة تعويض عن الفقد الجسدي والجغرافي، وإلى وسيلة لإحياء العالم المدمَّر من خلال الخيال.
وفي قصيدة «اغتربوا بحذر» تضع الشاعرة صيغة تحذير جماعي يختصر تجربة جيلٍ منفيٍّ بالكامل:
«هذي الأرض ليست أرضكم / وأرضكم ليست أرضهم / ما من بيوت بلا جدران هنا / ما من حربٍ تُكتب عنها القصائد».
بهذا الخطاب التحذيري، تتحول التجربة الشخصية إلى وعي جمعي للاغتراب السوري الكردي، وتتحوّل القصيدة إلى بيان وجودي ضد التبدّل والتطبيع.
تبلغ المجموعة ذروتها التأملية في نصوصها الأخيرة حيث يتداخل الحب بالموت، ويتحوّل الشعر إلى وسيلة للتطهر من الحروب:
«أنا الملطّخ بالحروب / فتحتُ حقيبتي / كانت مملوءةً بالحرب / بالأطفال اليتامى / بالأمهات الثكالى / والنساء الأرامل». (من “أنا الملطخ بالحروب”)
تقدّم الشاعرة ذاتها هنا بوصفها شاهدة وناجية في آن، تحمل الحرب معها كذاكرةٍ لا تزول. ورغم ذلك، لا تستسلم للدمار، بل تحوّل الألم إلى طاقة شعرية خلاقة.
وأخيرا تُظهر مجموعة «8845 اختصرتْ وطنًا» أنّ الشعر يمكن أن يكون بديلاً عن الجغرافيا والسياسة معًا. فجانيت مراد لا تكتب عن اللجوء، بل تؤسّس عبر لغتها اللجوءَ نفسه. هي تُعيد تعريف الشعر كمنفى حرّ، وكفضاءٍ للهوية العابرة للحدود.
إنها شاعرة كردية تكتب بالعربية من موقع الهشاشة والقوة في آنٍ واحد؛ تتقن لغة ليست لغتها الأم، لتجعلها لغة الجرح والذاكرة، وتمنح القصيدة روحًا جديدة. من عفرين إلى كركا، ومن بيروت إلى كيل، تكتب جانيت مراد نصّها بوصفه رحلة في الاغتراب الوجودي واللغوي، حيث تتحول القصيدة إلى بيتٍ مؤقت، والوطن إلى رقم، واللغة إلى خلاص







