من سرد الجسد إلى كتابة الوعي: النسوية السورية في ثلاث تجارب روائية

مقارنة في «أيتام الجبال»، «الخائفون»، و«الذين مسّهم السحر».

لينا العاشور

في قلب الأدب السوري المعاصر، تبرز تجربة المرأة كمرآة لصراعات الهوية، السلطة، والذاكرة. بين السيرة الذاتية، الصدمات الجماعية، والأسطورة، تكتب الكاتبات السوريّات تاريخًا نسويًا متجدّدًا، يرصّ الصفوف بين الذات والمجتمع، بين الفرد والجماعة. ثلاث روايات : – «أيتام الجبال»، «الخائفون»، و*«الذين مسّهم السحر»* – تقدّم صورًا متباينة، لكنها متواصلة، لمكانة المرأة السورية في الأدب:

من صرخة التمرد على الأب والأسرة، مرورًا بصوت الحذر والخوف في زمن الحرب، وصولًا إلى قوة الأسطورة والرمزية. هذه الروايات ليست مجرد حكايات عن نساء، بل خرائط نقدية لوعي يتطور، ويقاوم، ويبدع.

أولًا: أيتام الجبال ,للكاتبة نجاة عبد الصمد – السيرة بوصفها تسليط الضوءعلى السلطة, الأب والمجتمعفي رواية «أيتام الجبال»، تبدو الكاتبة وكأنها تكتب ضد السلطة من داخل اللغة ذاتها. الأب حاضر في النص كظلّ كثيف، يطلّ من خلال التقاليد الصارمة التي كبّلت الطفولة والأنوثة معًا. لكنه في الوقت نفسه رمز للغياب والخذلان، إذ يتحول إلى صورة ذهنية أكثر منه شخصًا فاعلًا، مما يعكس أزمة العلاقة بين الأجيال وسقوط المرجعية الأبوية. المرأة الراوية في هذا العمل ليست ضحية، بل شاهدة ومُشرّحة لواقعها. كما تقول البطلة:«كنتُ أراقب جبالنا وأفكر: هل أبي يريد أن يحبسني هنا للأبد، أم ليعلمني كيف أكون حرة في داخلي؟» فهي تسرد سيرتها كي تنزع عن ذاتها قناع الطاعة، وتعلن انفصالها عن السلطة العائلية. ويجسّد النص هذه المقاومة في مشهد واضح:”تنتصر للحلم، لفردانية الإنسان، لأهل القاع، لقضية التعليم، لصرخة الأنثى في وجه وكلّ تسلّطٍ فكريّ”وتعلن انفصالها عن السلطة العائلية. تتحول الذاكرة إلى ساحة مقاومة: كل مشهد طفولي، وكل ذكرى جبلية، تحمل رغبة دفينة في الانعتاق من إرث الخضوع. أسلوب الرواية يميل إلى التأمل الداخلي واللغة الدقيقة، ما يجعلها أقرب إلى السيرة الذاتية المحلّلة نفسيًا، حيث يتقاطع الجسد الأنثوي مع الجغرافيا القاسية للجبل. إنها كتابة تسعى إلى استعادة الذات عبر النفي، وبهذا المعنى، تفتتح الرواية الخطاب النسوي السوري من موقع المواجهة الشخصية.الرواية تُظهر تطوّرًا في الوعي الأنثوي في الأدب السوري، إذ لا تتعامل مع التقاليد كعدو، بل كميراث يجب تفكيكه لا كسره.التحرر الذي أنجزته الكاتبة هو تحرر عبر الكتابة: أي بالوعي والفن، لا بالقطيعة.العمل ينجح في تحويل التجربة الذاتية إلى تجربة إنسانية عامة عن الاغتراب والهوية الأنثوية في عالم متبدل.هنا، تتجلى صرخة المرأة السورية في مواجهة التقاليد والقيود الأسرية، وظهور التعليم والوعي لعله يكون , اداة ناجعة, من أدوات للتحرر الشخصي.

ثانياً: الخائفون: ديما ونوس – الحرب, الخوف, بوصفها أبًا جديدًامع رواية «الخائفون»، يتحول الخطاب النسوي السوري من حيز الصراع الأسري إلى حيز الاغتراب الجماعي. الحرب ليست مجرد خلفية سردية، بل كيان ميتافيزيقي يبتلع الشخصيات ويعيد توزيع السلطة والخوف. الأب في هذا العالم غائب أو مهزوم، وحلّ مكانه الخوف كأب جديد مطلق السلطة.المرأة هنا تمثل المقاومة أمام الخوف، لكنها تواجه هشاشة واضحة في مواجهة ظروفها. يظهر هذا بوضوح في مشهد حيث تكتشف البطلة الصدمة وتبحث عن مأمن داخلي:”سُليمى مرتبكة أمام تلك الأوراق التي أرسلها إليها نسيم، الرجل الوسيم صاحب العظام البارزة. وتكتشف، وهي تلتهمها كلمة كلمة، وتلهث وراءها حرفاًحرفاً، أنها روايةٌ…”

تُظهر هذه الجملة تداخل الحياة الشخصية مع الأحداث السياسية، وانعكاس الحرب والتهجير على وعي الشخصيات، لتبرز هشاشة النساء في مواجهة ظروف الحرب، لكنها في الوقت نفسه تعكس وعيهن السياسي والاجتماعي في زمن الاغتراب والفقد .المرأة في «الخائفون» ليست بطلة تقليدية، بل كائن هشّ يبحث عن بقايا الأمان وسط عالم متداعٍ. غير أن هشاشتها ليست ضعفًا، بل علامة وعي، لأنها تدرك انهيار المنظومة كلها. هي لا تقاوم الحرب، بل تكشف عن أثرها على البنية النفسية والاجتماعية للفرد. السرد يتشظّى مثل ذاكرة مكسورة: لغة تتناوب بين الواقعي والاعترافي، وحكايات متقطعة عن المنفى، الصمت، والنجاة.عل لسان الراوية:«في كل انفجار كنتُ أسمع صوت أبي القديم يختفي، وحل محله خوف يسيطر على كل شيء حولي.»في هذا العمل، يتخذ الخطاب النسوي طابعًا سياسيًا صريحًا؛ إذ تطرح الكاتبة سؤال الحرية الفردية في مواجهة عنف الدولة والمجتمع معًا. المرأة ليست ضحية الحرب فقط، بل شاهدة على عجز الذكورة أمامها. إنها تكتب من تحت الركام، محاولة تثبيت الذات الأنثوية كآخر صوت حيّ في زمن الفقد.

ثالثًا: الذين مسّهم السحر ,الكاتبة :روز ياسين الحسن – الأنثى كمرآة للأسطورةأما رواية «الذين مسّهم السحر» فتدفع التجربة إلى تخوم الرمزي والأسطوري. هنا، تتراجع الواقعية لصالح كتابة تمزج بين السحر والواقع، بين الحكاية الشعبية والتاريخ الاجتماعي.المرأة في هذا العالم ليست مجرد راوية أو شاهدة، بل قوة رمزية تصنع المعنى والقدر. هي الساحرة، الأم، الغائبة، الممسوسة، والمخلّصة في آنٍ واحد.تعيد روز ياسين الحسن في رواية «الذين مسّهم السحر» مساءلة تمثّلات الهوية الأنثوية في سياق اجتماعي وتاريخي مضطرب، من خلال مقاربة تتجاوز البُعد الوصفي نحو تفكيك البنى الرمزية المشكلة لصورة المرأة. يتبدّى ذلك أولاً في تمثيل الجسد بوصفه فضاءً للهيمنة والتشييء، حيث تُستهلّ التجربة الأنثوية لدى الشخصية بحسّ اغتراب جسدي واضح: «كانت تشعر أن جسدها ليس لها كاملاً». ولا يقتصر هذا الاغتراب على البعد المادي، بل يتّسع ليشمل بعداً تربوياً – قيمياً يُخضع النساء لآليات كبت ممنهج تُكرّس الصمت كآلية للامتثال، وهو ما تشي به العبارة: «تتعلّم المرأة أن تبتلع الغصّة بصمت». وضمن هذا الإطار التفكيكي، تُقارب الرواية تمثيل الأمومة من زاوية نقدية تنزع عنها طابعها التمجيدي التقليدي، لتقدّمها كتجربة أثقلتها البنى الاجتماعية لا كمنجز رمزي، كما في القول: «كانت الأمومة ثقلًا، لا تاجًا».أمّا على مستوى بناء الهوية، فتقدّم الرواية تصوراً متشظّياً يتجاوز المفاهيم الكلاسيكية للانتماء، إذ ترصد تحوّل الهوية إلى سيرورة متحوّلة تحت وطأة المنفى وتعدّد الأمكنة. فالانتماء لا يُصاغ هنا بوصفه معطى ثابتاً، بل باعتباره سؤالاً إشكالياً، حيث تُقرّ الشخصية: «لم تعد تعرف لأي أرض تنتمي». وينسجم هذا الطرح مع مقاربة ترى في المنفى ظاهرة وجودية تتجاوز البُعد الجغرافي، كما يرد في: «المنفى لا يبدأ بالرحيل، بل بعدم العودة». ويُعاد تشكيل العلاقة بالمكان وفق منطق الذاكرة لا الحضور الفيزيائي، وهو ما يتجلّى في العبارة: «لوّن الغياب ملامح المكان أكثر من حضوره». كما تُبرز الرواية دينامية التشظّي الهوياتي الناتج عن التنقل القسري، عبر القول: «كل مدينة أضافت لها اسمًا ونزعت عنها آخر»، لتخلُص في النهاية إلى إعادة تعريف الوطن ذاته بوصفه بنية ذاكروية متخيّلة: «الوطن يتحوّل أحيانًا إلى ذاكرة أكثر منه مكانًا»..الأب، كما في الروايتين السابقتين، غائب أو منزوٍ، لكن غيابه هنا لا يشكّل عقدة نفسية، بل شرطًا لولادة الحكاية الجديدة. السرد يتكئ على تقنيات الحلم، والتناصّ مع الموروث الشعبي، ليكشف عن عمق العلاقة بين المرأة والمخيال الجمعي.من خلال هذا التزاوج بين الواقعي والخيالي، تتحول الأنثى إلى الخلق من الرماد. إنها كاتبة المصير، لا ضحيته.كما يُظهر النص تحولات كبيرة في الواقع,”كلنا، المعارض للنظام والموالي له ومن بينهما، الأبيض والأسود والرمادي والملّون، كلنا مسّنا السحر، وسيبقى يلاحقنا كذاكرة ملحّة”تُبرز هذه الجملة تداخل الهويات والأيديولوجيات في سياق الثورة السورية، : وتحوّل الأنثى ايضا في منحى جديد, إلى رمز للذاكرة الجمعية والقدرة على إعادة بناء الواقع عبر الأسطورة.

تقاطعات ومسارات: من الذات إلى الوعي الرمزيالمقارنة بين هذه الروايات تكشف مسارًا واضحًا في تطور الخطاب النسوي السوري: من التمرد الشخصي في «أيتام الجبال»، مرورًا بتجربة مواجهة الصدمات الجماعية في «الخائفون»، وصولًا إلى الوعي الرمزي وإعادة كتابة الأسطورة في «الذين مسّهم السحر».يظل الرمز الأنثوي حاضرًا في كل حالة، سواء كراوية للتجربة، أو مقاومة للظروف، أو حلقة وصل بين الواقع والخرافة، بينما يمثل غياب الأب مؤشرًا على السلطة المفقودة أو القيود الاجتماعية.

خاتمة: نحو امرأة تكتب تاريخها الرمزيأظهر هذا المسار أن الرواية السورية النسوية لم تعد مجرّد مساحة للتمرد على الأب أو المجتمع، بل غدت مساحة لإنتاج معنى جديد للمرأة السورية: أنوثة لا تُقاس بمقدار خضوعها أو تمردها، بل بقدرتها على تحويل الألم إلى معرفة.إن غياب الأب في هذه النصوص ليس صدفة سردية، بل إشارة إلى تحول مركز السلطة من الخارج إلى الداخل، من العائلة إلى الذات، من النظام إلى الوعي الفردي.وهكذا، فإن «أيتام الجبال» و«الخائفون» و«الذين مسّهم السحر» ليست فقط روايات عن نساء، بل روايات تكتب تاريخ الوعي النسوي السوري وهو يعبر من الخوف إلى الخلق، ومن السيرة إلى الأسطورة.

اترك ردّاً