تجربة النحّات محمود شاهين

تراكم معرفي يؤسس لفعل فكري وجمالي متكامل

إبراهيم براهيم – الدنمارك

إن تجربة النحّات السوري د. محمود شاهين من التجارب النحتية التي تشكّلت على امتداد زمني طويل ، وارتبطت على نحو وثيق بالمؤسسة الأكاديمية وبالممارسة الإبداعية معًا. فمنذ تخرّجه في كلية الفنون الجميلة بدمشق، و متابعته دراسته العليا في المدرسة العليا للفنون التشكيلية في دريسدن بألمانيا، وصولًا إلى حصوله على درجة الدكتوراه في النحت والنصب التذكارية، تبلورت رؤيته الفنية ضمن سياق يجمع بين الصرامة المعرفية والانفتاح على منجزات النحت الأوروبي الحديث. وقد انعكس هذا التكوين بوضوح في منجزه الإبداعي، كما في أدواره الأكاديمية والإدارية، وإسهاماته البحثية والنقدية المتخصصة.

هذا التراكم المعرفي أسّس لرؤية نحتية ترى في النحت فعلًا فكريًا وجماليًا متكاملًا، لا مجرد ممارسة تقنية أو شكلية. فالمنحوتة عند شاهين ليست موضوعًا بصريًا معزولًا، بل بنية دلالية تُبنى على وعي عميق بالعلاقة الجدلية بين الكتلة والفراغ، وعلى قناعة بأن العمل النحتي يجب أن يكون مقروءًا وقادرًا على التواصل مع المتلقي، دون الوقوع في المباشرة أو الغموض المتكلّف.

في الأعمال التي قدّمها، تحتل الكتلة موقع الصدارة بوصفها الحامل الأساسي للتعبير. غير أن هذه الكتلة لا تُعالج بمنطق التشخيص الواقعي، بل بمنطق الاختزال والتكثيف. فالجسد، وغالبًا الجسد الأنثوي، يُختزل إلى تكوينات منحنية، مغلقة نسبيًا على ذاتها، ما يمنح المنحوتة إحساسًا بالسكون المشحون بطاقة داخلية كامنة. ويضع هذا التوجّه تجربة شاهين ضمن أفق الواقعية التعبيرية المختزلة، حيث لا تُلغى المرجعية الإنسانية، بل يُعاد بناؤها ضمن نظام شكلي مستقل.

وفي هذا السياق، يرى هربرت ريد أن النحت الحديث لا يهدف إلى تمثيل الجسد كما هو، بل إلى إعادة اكتشاف قوانينه الداخلية وبنيته الجوهرية، وهو ما يتجسّد بوضوح في أعمال شاهين، حيث تتحول الكتلة إلى وسيلة تفكير بصري، لا إلى محاكاة تشريحية مباشرة.

أما الفراغ، فلا يُعامل بوصفه عنصرًا محيطًا أو ثانويًا، بل كشريك بنيوي في تشكيل العمل. فالفراغ غالبًا ما يكون محتوى داخل الكتلة نفسها، عبر الانحناءات والتجاويف والالتفافات، ما يمنح المنحوتة طابعًا تأمليًا مغلقًا، ويحوّلها إلى وحدة مكتفية بذاتها. ويتقاطع هذا الفهم مع تصور هنري مور للفراغ بوصفه شكلًا من أشكال الحضور، لا نقيضًا للكتلة، غير أن شاهين يتعامل معه بهدوء داخلي، بعيدًا عن الدرامية الحركية أو الاستعراض الشكلي.

ويحتل الجسد الأنثوي موقعًا مركزيًا في هذه التجربة، لكنه لا يُقدَّم بوصفه جسدًا تشخيصيًا أو موضوعًا جمالويًا، بل ككيان رمزي جامع. فالمرأة في أعمال شاهين تمثل منظومة قيمية متكاملة تتصل بالاحتواء، والاستمرارية، والصلة العضوية بالأرض والحياة. وقد أشارت صحيفة البيان (2019) إلى أن هذه الأعمال صيغت بلغة واقعية تعبيرية مختزلة، اعتمدت على وضعيات وتكوينات مدروسة للجسد الأنثوي، عبّرت عن حالات وجدانية دافئة وعميقة، دون إفراط في التفاصيل أو الميل إلى السرد.

ويتكامل هذا الطرح مع موقف النحات من المادة، إذ يفضّل الخامات الطبيعية مثل الرخام والحجر والخشب، انطلاقًا من تصور يرى فيها حوامل لذاكرة الطبيعة. وفي حديثه لوكالة سانا الثقافية (2015)، يؤكد شاهين أن هذه الخامات أكثر قدرة على احتضان إحساس الفنان، وعلى عكس جماليات إنسانية تدعو إلى التمسك بالحياة والاستمرار فيها. وبهذا المعنى، لا تعود المادة مجرد وسيط تقني، بل شريكًا فعليًا في عملية الخلق، يقوم بينه وبين النحات حوار متبادل لا إخضاع قسري. ويعزّز هذا الفهم ما ذهب إليه النحات عبدالله السيد، حين رأى أن تنوع المعالجات السطحية في أعمال شاهين لا يدل على غياب الوحدة الأسلوبية، بل على صدق الحوار القائم بين النحات والمادة، وعلى وحدة أعمق قوامها العلاقة المتوازنة بين الكتلة والفراغ.

من هنا، يمكن القول إن تجربة محمود شاهين تقف في منطقة وسطى بين الواقعية الكلاسيكية والتجريد الحديث، دون أن تنتمي بالكامل إلى أيٍّ منهما. إنها تجربة ناضجة، تراكمية، تؤمن بالوضوح دون تبسيط، وبالعمق دون غموض. وقد عبّر الفنان إلياس الزيات عن هذا الموقع الوسيط حين وصف أعمال شاهين بأنها أقرب إلى «هلنستية معاصرة»، تجمع بين تقاليد النحت الأوروبي الحديث وحضور الشرق القديم بوصفه ذاكرة حضارية كامنة.

إذا فالقارئ لفنجان محمود شاهين يرى نفسه أمام عمل نحتي هادئ، متأمّل، لا استعراض ولاعبث، عارضاً وبثقة تصوره بأن النحت أو المنحوتة يجب أن تكون قادرة على إقامة علاقة إنسانية مستقرة مع المتلقي، مدافعاً عن رسالته النحتية التي تقوم على التوازن بين الشكل والمعنى، وبين المادة والفكرة، ويحتل موقعًا متقدّمًا في المشهد التشكيلي السوري المعاصر.

المراجع

• هربرت ريد، معنى الفن، ترجمة سامي خشبة، دار المعارف، القاهرة.

• Henry Moore, Sculpture and Space, London, 1966.

• وكالة سانا الثقافية، حوار مع النحات محمود شاهين، 2015.

• صحيفة البيان، تغطية معرض محمود شاهين، 2019.

• عبدالله السيد، شهادة نقدية حول تجربة محمود شاهين.

• إلياس الزيات، قراءة في تجربة محمود شاهين.

اترك ردّاً