الذكاء الاصطناعي: كل شيء تغير منذ سنوات.

د. أحمد عسيلي

في بدايات الثورة السورية، كنت أتابع حساب فيسبوك لروائية سورية معروفة نوعًا ما. كان يصدمني حجم الركاكة في كتاباتها، خاصة حين تكتب باللغة الفصحى، أو تكتب نصًا ذا محتوى ذاتي أو أدبي. رواياتها لم تكن تحمل قيمة عالية جدًا، لكنها مقروءة نوعًا ما، أي (لديها) مستوى من الكتابة مقبول. أما مقالاتها فكانت الأكثر تنظيمًا، وذات مستوى لغوي عالٍ جدًا من التناسق وترتيب الأفكار، مع اختيار جيد للكلمات، وكأننا كنا أمام ثلاث شخصيات مختلفة. لم أكن أفهم وقتها هذا السر، لكن حين تعمّقت علاقاتي ومعرفتي بالوسط الأدبي، عرفت أن هناك الكثير من الكتّاب الذين يعتمدون في إنتاجهم الأدبي على أناس آخرين؛ أحيانًا بطرق رسمية تحت مسمى محرّرين (وهي أساسًا مهنة ضرورية ضمن شروطها)، وأحيانًا بطرق غير رسمية، من خلال شراء المنتج الأدبي، أو حتى كتابة المقالات لأشخاص لديهم موهبة كتابة، لكنهم لا يملكون بالضرورة موهبة العلاقات العامة أو التسويق، أو أحيانًا هم أنفسهم لا يرغبون بها لأسباب تختلف من شخص لآخر. ثم عرفت لاحقًا أن هناك مهنة خاصة ورسمية اسمها “الكاتب الشبح”، لها دورات أكاديمية معروفة، يعتمد عليه غالبًا رجال المال والسلطة للتعبير عن أفكارهم، لكن الصياغة الأدبية والتنظيم تكون من مهمة هذا الكاتب الشبح.

ما أردت أن أقوله من كل ما سبق، أن فكرة الاعتماد على آخر في الكتابة موجودة منذ سنوات طويلة، لكن ما فعله الذكاء الاصطناعي أنه جعلها في متناول الجميع، بعدما كانت لسنوات طويلة محصورة بيد من له القدرة المالية والشخصية للوصول إلى كتّاب جاهزين لأداء هذه المهمة. وفي تاريخ الكتابة الكثير من الشائعات حول كتّاب يعتمدون على غيرهم في النشاط الثقافي.

الذكاء الاصطناعي شكّل ثورة في هذا المجال، لكنه كغيره من الاكتشافات التقنية وبعض التطورات في عالم الكتابة، قد يكون ذا أثر إيجابي، من خلال إرشاد الكاتب وتعليمه فن تطوير قدراته الكتابية وصياغة الجمل في لغته الأم، مما يمكن تشبيهه بورشات الكتابة، أو أحيانًا كمرشد لتزويده بالمعلومات وثقلها من خلال تثقيف الكاتب نفسه، وإرشاده إلى الكتب والمقالات المتعلقة بمجال بحثه؛ أي بمعنى آخر كالأب الروحي للكاتب. لكنه أيضًا يمكن له أن يكون كاتبًا مستأجرًا، كما كان يفعل الكثير من الكتّاب سابقًا، لكن هذه المرة بثمن رخيص ودون وسيط.

والسؤال هنا: كيف يمكن أن يتلقى القارئ هذا التغيّر؟

بداية، يجب أن نعترف أن شكل الحياة الثقافية، والعلاقة مع الكتّاب، ومفهوم الشهرة، تغيّر كثيرًا خلال السنوات الماضية بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت التواصل مع الكتّاب وحتى الممثلين أسهل بشكل كبير. جيل الثمانينات والتسعينات كان يعلّق صور الممثلين والممثلات المفضلين على باب الخزانة، أو يحتفظ بها في حقائبه المدرسية. المثقفون منهم كانوا يحلمون بلقاء شخصيات مثل نجيب محفوظ مثلًا، أو نزار قباني، أو محمود درويش. الآن، مع سهولة النشر، وزيادة عدد الدور، وكثرة التجارب في عالم الكتابة، والعدد الكبير من القنوات التلفزيونية والفضائيات، تغيّر كل شيء.

وبالتأكيد، فإن الذكاء الاصطناعي سيغيّر أيضًا الكثير؛ سيجعل الوصول إلى المعلومة أسهل، بل وربما يصبح بإمكان أي قارئ تصميم الكتاب الذي يبحث عنه ليقرأه. لكن بالتأكيد ستبقى اللمسة الذاتية موجودة، والقراءات المختلفة للتاريخ والسياسة، وللرواية والشعر، لن يكون الذكاء الاصطناعي قادرًا عليها. سيختفي ربما مفهوم (الكاتب الصنم)، لأن فعل الكتابة والنشر سيصبح أكثر سهولة، لكن حتى مع الذكاء الاصطناعي لن يختفي العامل البشري، لأن هذا التطبيق التقني غير قادر على فعل كل شيء.

الموضوع أشبه ما يكون بالمعالج النفسي الذي ينصت ويسأل المريض؛ هناك حاليًا عدد من التطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تقوم بهذا الدور، لكنه لن يُلغِي أبدًا (على الأقل في المدى المنظور) دور المعالج النفسي. فطالما هناك قارئ يبحث عن معلومة ما، أو نص أدبي، سواء للتأمل أو حتى لمجرد المتعة والتسلية، فسيبحث هذا القارئ عن نص، وليس مهمًا بعدها كيف سيتعامل مع الكاتب. بل ربما، في زحمة الإنتاج الأدبي، قد يختفي اسم الكاتب تمامًا، وهذا أصلًا ما نراه حاليًا.

فأنا نفسي أقرأ عددًا ضخمًا من الروايات سنويًا، وبصراحة هناك أسماء روائيين كثر أنساهم رغم إعجابي بأعمالهم في وقتها، بل هناك الكثير من دور النشر حاليًا التي تترجم أعمالًا روائية دون أن تشير، من قريب أو بعيد، إلى اسم المترجم، رغم أن دور المترجم أحيانًا لا يقل عن دور الكاتب. لكن العمل يُقرأ، وربما يُنسى لاحقًا، أو تبقى في ذاكرة القارئ جملة أو موقف.

منذ سنوات، لم يعد شاعر عربي يتمتع بتأثير نزار قباني أو محمود درويش، ولا فرنسي بشهرة بودلير أو رامبو، ولا روائي عربي بمكانة يحيى حقي أو السباعي أو إحسان عبد القدوس. الشهرة تغيّرت، ومفهوم التأثير تغيّر، والذكاء الاصطناعي جزء من هذه اللعبة – التغيّر.

ربما نجد قريبًا كتبًا بلا أسماء مؤلفين، أو حتى مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، وتتفاعل دور النشر مع هذا بكل شفافية، كما أن هناك الكثير من الكتب ذات النشر الإلكتروني، ومدققين لغويين عبارة عن تطبيقات. كل شيء تغيّر وسيتغيّر، وعلينا، شئنا أم أبينا، أن نقبل بهذا ونتابعه، وإذا أردنا أن نصبح جزءًا من المشهد الثقافي، فعلينا مجاراته.