
في روايته “وهل من فرق؟” يفتح المؤلف تساؤلات تتجاوز حدود الحكاية لتلامس قضايا الهوية والمنفى والحرية وصدام القيم بين الشرق الذي يسكنه والغرب الذي هو صار جزءاً منه. ومن خلال شخصية “سوار” وما يحيط بها من أصوات وتجارب، تتحول الرواية إلى مساحة للتأمل في الإنسان المعاصر وهو يواجه انكساراته وتحولاته وأسئلته الوجودية الكبرى. في هذا الحوار، نتتبع مع مجو خفايا العمل، وخياراته الفنية والفكرية، كما نتوقف عند تجربته في النشر والترجمة ورؤيته لدور الأدب والكتاب في تشكيل الوعي والذاكرة الثقافية:
١– يحمل عنوان الرواية سؤالاً يبدو للوهلة الأولى مفتوحاً: “وهل من فرق؟“. لكن بعض القرّاء قد يظنّون أنّ الرواية تنتهي، بشكل مباشر أو ضمني، إلى ترجيح مواقف وخيارات معينة. هل السؤال مفتوحٌ حقاً، أم أنّ الرواية تعرف جوابها منذ البداية؟
أعتقد أنه من الاجحاف بحق القارئ لو قلتُ بأن الرواية تضمر جوابها في عنوانها-السؤال، وإلا لم الخوض والغوص في القراءة، وما قيمة الأدب بالتالي؟
في الحقيقة وحسب رؤيتي تنحى القصة منحى مختلفاً إلى حد معقول: هي تحاكي ما يمكن أن يشبه المزاج العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أدى الدمار الناتج إلى انكسار الإنسان، وما ظهور ما نعرفه بأدب العبث إلا انعكاساً لمزاج إنسان تلك الحقبة، وفي قراءتنا له اليوم نتعرف على تلك الحقبة.
“سوار” البطل غير الكلاسيكي، هو حصيلة ثقافتين: الشرقية حيث ولد وترعرع، والغربية حيث لجأ إليها بسبب الحرب، ومن هنا، ومن خلال شخصية سوار تبدأ القصة بتقديم وطرح نموذجين مختلفتين من القيم والمفاهيم للتقابل، وهذا ما يلمسه القارئ أثناء القراءة.
يشكك سوار في القيم المجتمعية التي طالما التزم بها هو والكثير من أقرانه رغبةً أو عنوةً: هل كانت تبعات الحرب – التي عايشها في سوريا مثالاً -نتيجة منطقية للقيم والمفاهيم السائدة؟ هل الثقافة الجمعية للمجتمعات المستقرة – أوروبا حيث الحدث – تثبت صحتها؟ من هنا يترك السؤال مفتوحاً للقارئ.
٢– في تجربة سوار يبدو المنفى فرصة لاكتشاف الذات بقدر ما هو تجربة فقدان. لكن هل كان بطلك يبحث فعلاً عن ذاته، أم كان يبحث عن تبرير فكري وأخلاقي للتحولات التي فرضتها عليه الحياة؟
يُستدَّل من خلال اسم سوار – والمستخدم بشكل رمزي كالكثير من الشخصيات الأخرى – على أنه يمتطي الحدث ليحفزنا كقراء أن نسيربرفقته ونراقب أوجه الصدام بين الثقافات الشرقية والأخرى الغربية. هو ناضج في الخمسين من عمره، يعاني من انكسار نفسي جعله يعيش الماضي والحاضر في ذات الآن: وهذا واضح في زمن القصة، حيث الزمن الحقيقي لا يتجاوز الستة أيام، بينما القصة تمتد لتتجاوز الأربعين عاماًبمعية استخدام تقنية ما يسمى بتدفق أو تيار الوعي (والتي استخدمت في بداية القرن العشرين من قبل جيمس جويس وفيرجينيا وولف)، وهو زمن كاف لتعرية ما يمكن تعريته. هو أقرب إلى الشخصية الـ(flat) / المنبسطةمن الـ(round) / المدورة الفاعلة؛ بمعنى آخر، هو ليس له دور كبير في الحدث.
بهذا الدنو أجرؤ على البوح بأن مرحلة البحث عن الذات لم تعد تعني هذه الشخصية، رغم أهمية ذلك. أرى أن فضوله كان يقوده إلى استكشاف الجديد-المختلف ليتقابل مع القديم الذي أصبح بعيداً لكنه لا يزال يسكنه ويشكل كينونته.
كما قلت سابقاً، سوار ليس شخصية مدورة فاعلة، هو منكسرٌ تحولَّ في المجتمع الرأسمالي إلى فردٍ-رقمْ، أصبح لا يراه إلا من يشاطره طاولة الجلوس أو الطعام.
“…كانت الحرب بالنسبة لي هبةً من السماء” يدل على أنه كان متمرداً ضعيفاً في مجتمعه الشرقي بسبب انعدام قيم الحرية والديموقراطية ومنها قبول الآخر واحترام الخصوصية و…
“داهم سوار إحساسٌ مفاجئ بأن صبري لم يكن مهتماً بحالة صديقه بقدر ما كان مستمتعاً بالإغراء الذي يطغى على القصة”. أرى أن هناك شيء ما أعمق، من التبرير الفكري والأخلاقي للتحولات التي فرضتها عليه الحياة،يشغل هذه الشخصية.
٣– تقدم الرواية شخصيتي سوار وصبري بوصفهما مسارين مختلفين في مواجهة المنفى. غير أنّ القارئ قد يلمس تعاطفاً أوضح مع أحد المسارين. هل استطعت أن تمنح الشخصيتين المسافة النقدية نفسها، أم أنّ الرواية انحازت دون قصد إلى أحدهما؟
أرى أن ترك مساحة التعاطف مع شخصية ما من الأخرى للقارئ هي حق القارئ نفسه. أما أنني منحت الشخصيتين المساحة النقدية نفسها، فأظن أن القارئ-الناقد يمكن أن يلمس ذلك بين السطور. أعتقد أنني ككاتب قمت بما يتوجب عليَّ فعله؛ هنا سأسشتهد بمقطع أبين فيه ما أقصده:
“- ما خطبك؟ لا تبدو على ما يرام.
– أريد الهروب.
– ممّن تهرب؟ وإلى أين؟
– لقد كتبت قصةً وعبثت بإحدى شخصياتها دون سببٍ مقنع.”
٤– عندما تقترب الرواية من قضايا الجسد والحرية والشرف، فإنها تقترب من أكثر مناطق الصدام حساسية بين الثقافات. هل كنت تسعى إلى تفكيك هذه المفاهيم وكشف تناقضاتها، أم أنك كنت تخاطر باستبدال يقينٍ ثقافي بيقينٍ مضاد؟
قضية صدام الثقافات شأن الثقافات نفسها، أرى أنها هي الموضوع-السائد، بينما نحن الذات-الرقم، أما تشريح وتفكيك المفاهيم فهو شأن من يتكفل – من تلقاء نفسه وبرغبته – فعل ذلك. ككاتب أرى في ذلك متعة وواجباً أخلاقياً وممارسة شخصية؛ كما أرى أن هذه المسؤولية لا يمكن أن تتجزأ: فالأديب يمسك سكين التشريح بيده، وعالم الاجتماع يمسك سكيناً أخرى، وكلٌّ يتمايز في استخدامها. لا أظن أن استبدال اليقين بيقين جاهز مختلف هو من اختصاص حاملي سكاكين التشريح.
وفيما يخص قضايا الجسد والشرف والحرية أقول: رواية (Lady Chatterley’s Lover) / عشيق السيدة تشاترلي لـ”دي. إتش. لورنس” تم حظرها لعشرات السنين؛ اتهم لورنس على إثرها بـ”الفساد الأخلاقي” في حين كان يحمل رسالة أخلاقية أزعجت الكنيسة والمجتمع معاً. كان ذلك في أوروبا بداية القرن العشرين (أي عشية الحرب العالمية الأولى)، أوروبا التي زلزلت وتزلزلت إلى حد كبير منذ ذلك الحين. هنا يعيش سوار ابن المجتمع الشرقي-القبلي الآن: ينظر إلى نفسه في المرآتين اللتين شكلتاه: يقابلويفكك ويقارن ويترك الباقي للقارئ.
٥– يعبر سوار بين هويات وانتماءات متعددة، لكن الرواية تثير سؤالاً أعمق: الهوية شيء يمكن إعادة تشكيله باستمرار، أم أنّ الإنسان يحمل داخله نواة ثابتة يعجز عن الإفلات منها مهما ابتعد؟
أعتقد أنه سؤال فلسفي بامتياز، سأحاول الإجابة عليه من منظوري الخاص: سوار هو كأي إنسان آخر، كلما تقدم عمراً ونظر إلى الخلف / إلى سنين العمر الفائتة، ظن أنه لم يكن واعياً كفاية حبنها.
٦– اعتمدت الرواية على صوت داخلي كثيف وحضور واضح للتأمل النفسي والفكري. هل مهمة الأدب هي تقديم أجوبة ورؤى، أم أنّ قيمته الحقيقية تكمن في تعقيد الأسئلة وزعزعة ما نظنه مستقراً؟
يقارن ناقد أدبي أمريكي (لا تسعفني ذاكرتي في تذكر اسمه) بين رسالة الفلسفة والأدب ومدى تأثيرهما في الإنسان، ويقول: كلاهما يبتغي إصلاح العقل الإنساني، الفلسفة تخاطب عقل الإنسان عن طريق عقله، بينما الأدب فيخاطب عقله عن طريق قلبه، وما قلب الإنسان إلا أرجوحة تذهب يميناً وشمالاً كترنح أوراق الشجر في فصل الخريف. الصوت الداخلي الكثيف هو مساحة مقصودة لتخدير الأنا الأعلى لدى القارئ والإبحار به إلى أبعد ما يمكن. في هذه الرحلة يكتشف كل قارئ ما يستطيع أن يكتشفه من تجربة تعتمد على كينونته وما يحمله، إذ يعتمد الأمر على القارئ وما يتذوقه. أما الرحلة فأشبهها – وهنا أقصد رواية “وهل من فرق؟” على وجه التحديد – بعملية محاولة صيانة أو إعادة إعمار ما، هذه العملية تتضمن تخطيطاً يمكن أن تتخلله تحديات، ثم فعلاً قد يبدأ بالتهديم وربما لا.
٧– بعد كتابة هذه الرواية والعيش سنوات مع شخصياتها وأسئلتها، لا سيما أنّها ظهرت مؤخراً بطبعتها الثانية وترجمتها الانگليزية، ما الفكرة أو القناعة التي كنت تؤمن بها قبل الكتابة ثم اكتشفت أنّ الرواية نفسها قد هزّتها أو كشفت هشاشتها؟
في مرحلة كتابة الرواية التي دامت اثنا عشر يوماً (هي ست عطلات لنهاية الأسبوع) لم أحظ بالعيش طويلاً مع الشخصيات. الحياة كثيفة بتجارب البشر من حولنا، سريعة بحيث لم أستطع التباطؤ، طويلة كفايةً لـ”خلق التجربة”، قصيرة جداً لمعايشة المزيد.
المرحلة التي تلتها حتى الآن سمعت كثير الانطباعات من القراء، سُعدت بكم القراءة والاهتمام كثيراً. شعرت من خلال إبداء الانطباعات وكأني أنجبت أولاد بعدد الشخصيات، وجاء الضيوف-القراء ليباركوا بالمواليد، ولا أخفي أن حصة الأسد كانت للشخصية الرئيسية، وهذا أمر طبيعي. قلت لنفسي أحياناً: هذا قارئ عميق، وذاك قارئ أقل عمقاً، وهكذا..
يقال أيضاً: لكي تتمكن من الكتابة يجب أن تقرأ كثيراً، وأنا أقارن ما كتبته بما نهلته سابقاً من قراءة ودراسة. أما بخصوص القناعة التي كنت أؤمن بها قبل الكتابة وقد هزتها أحداث الرواية فأقول: أنا من كان يمسك بعصا الراعي ويسير بالقطيع منذ البداية ولا زلت.
٨– إذا طُلب منك اليوم أن تختصر جوهر الرواية في سؤال واحد غير “وهل من فرق؟“، فما السؤال الذي تعتقد أنه كان يختبئ خلف جميع الشخصيات والأحداث منذ الصفحة الأولى؟
كان يمكن أن تلد تحت عنوان “الهروب إلى الطيف” لولا الشرارة المارقة البارقة التي جاءتني على شكل إلهام فجائي في نهاية المطاف. “وهل من فرق؟” هو السؤال الوحيد الذي وجدت فيه انعكاساً صادقاً لما تضمره الرواية بين سطورها، وتحافظ على استمرار القارئ بمرافقتي في الرحلة.
“مچو ويس” كما تقدّم نفسك، أنت كناشر، صاحب دار للطباعة والنشر والترجمة:
٩– في زمنٍ أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على توجيه أذواق القرّاء، إلى أي حدّ ما تزال دار النشر قادرة على أداء دورها التاريخي بوصفها صانعةً للذائقة الثقافية قبل أن تكون مجرد مستجيبةٍ له؟
ماركسياً أرى في الخوارزميات التي ذكرتِها الآلة التي يخترعها الإنسان بنفسه لتخفف عبئاً ما عن كاهله، فتصبح لاحقاً عبئاً ثقيلاً عليه، وقد تدمره. لذلك من أنا حتى أغامر وأتكفل مهمة التحدي. برأيي دار النشر في هذا الزمن هي مجموعة من الكومبيوترات وطاقماً من العاملين، أما ما يمكن أن يحدث فرقاً فهو الرسالة. أما رسالة الدار فهي بكل وضوح وبساطة هي الوقوف بجانب محبي الأدب والمؤمنين بأهميته في حياة المجتمعات، كما سيسعدنا إن تمكننا من ترك بصمة في المكتبة الكردية، وساهمنا في الوقوف مع من يهتم بإغناء اللغة الكردية.
١٠– يُقال إنّ الأمم تُبنى بالسلاح والاقتصاد، بينما ذاكرتها تُبنى بالكتب. عندما تنظر إلى مسيرتك في النشر والترجمة، أين تجد نفسك، عاملاً في صناعة الكتب، أم في صناعة الذاكرة الثقافية للمجتمع؟
الثورات لا يمكن أن تنجح بدون فلاسفة وملهمين.. أتذكر هنا ثورة سبارتاكوس (الأولى في تاريخ البشرية): فشلت لأنها لم تُسبَق بتجارب ملهمة، والثورة الفرنسية لم تكن يتيمة كـ”سبارتاكوس”؛ إذ أنها حظيت بملهمين عظيمين: جان جاك روسو وفولتير. لا أعلم إن كانت الأمم تبنى بالسلاح والاقتصاد على وجد التحديد، لكني أعلم أن الفكر (والذي يعتبر نتاجاً روحانياً / مثالياً) يسبق أي فعل مادي. إذاً فالأمم قبل أن تُبنى أساساً، لا بد من الكلمة. ومنه، لا أنفي أن الكتب تلعب دوراً في صناعة الذاكرة الثقافية للمجتمعات لكنها لا تقتصر على ذلك مطلقاً. وما يخصني كشخص، أشعر دائماً أن صناعة الكتب عمل رتيب لا يستهويني؛ ما يوجد في الصفحات هو ما يهم وربما يخلق الفرق.
١١– إذا كان كلّ عصر يُعرَف بالكتب التي أنتجها، فبأي صورة تعتقد أن المؤرخين سيقرأون عصرنا من خلال ما يُنشَر اليوم؟
لأني أجد نفسي مهتماً بالأدب وعاشقاً له، أستطيع أن أفهم الإنسانَ عشية الحرب العالمية الثانية من خلال فلاديمير، وإستراغون، وبوزو، ولاكي. أقول دائماً: لو نهض سموئيل بيكيت من قبره الآن وعرض مسرحيته على عشر دور نشر، ترى هل ستتبناها إحداها؟! كان من الصعب أن تقبل دور النشر “في انتظار غودو” لهشاشتها وعبثيتها وعدميتها المفرطة.
ما يكتب اليوم هو نتاج هذا اليوم: تهمل نتاجات معينة وتخلد أخرى، هذا هو الفرق الذي لا أجرؤ على تحديده و”أنا ابن اليوم”.
١٢– أترك لك هنا مساحة حرّة للإجابة عن سؤال تمنيت لو أنني طرحته عليك!؟
رغم أن التكنولوجيا وصلت إلى شكل بهي جداً لدرجة أني أشعر أن خطوة أخرى نحو الأمام من شأنها أن تجعل عقلي يتوقف عن التصديق، لكني لا زلت أرى أناساً في هذه البلدان الغربية في الشارع، لديهم حذاء واحد، يلبسونه منذ سنين، ولا يتخلون.







