مثال سليمان

كأنّ كلّ شيءٍ كان يسير في مساره المرسوم له منذ الأزل؛ ببطءٍ يعرف حكمته، بثباتٍ يشبه طمأنينة الماء في مجراه القديم. العمل يثمر، والأسرة تزهر، والمنزل يتنفّس في سكينةٍ دافئة، حتى الأعصاب التي أنهكتها الأعوام شُفيت من ألمها وصارت تستريح في جسدي كجذورٍ هدأت في الأرض.
لم أوقظ نجوم المطر من مخيّلتي، لكنها أيقظتني. انحدرت بهدوءٍ نحو المنحنيات، نحو انزلاقٍ يشبه الاستسلام الجميل، فتهتُ في نعومتها كما يتيه الحلم في صاحبه.
من أين أتيتِ، أيتها الفَرحة التي لا موعد لها؟ أيّ يدٍ خفيّة رسمتكِ في مسار قدري؟ أيةُ عاطفةٍ تلك التي سكنتني مرّةً واحدة، فكسرت سكوني كما يكسر الضوءُ سُرّة الظلام؟
كان بيتي يرتجف كجسدٍ سمع اسم الله للمرّة الأولى. الجدران تضخّ نبضاً غريباً، ما أن لامس جناحُكِ النافذة، دخلت السعادةُ تطرق الباب بخجلٍ لذيذ. هل يدرك البيت أنه لم يعد كما كان؟ أنّ الغياب صار غير ممكنٍ بعد حضورك؟ تركت الباب موارباً، والنافذة مترددة بين العالمين. وأنا..! أنا أخشى أن أغلق على الحلم فيختنق.
من أين أتيتِ، يا سرّ شغفي الذي لم أتعلمه؟ يا بهجةً خرجت من ليلٍ لم أسمّه؟ لقد عدتِ من مجرّتك البعيدة لتفسدي سلامي الدنيوي، لتعيدي صياغة صمتي على هيئة نداء. قلعتي الرملية التي كنت أظنها مأوىً أبدياً صارت تنهار ببطءٍ نبيل والسقف الذي كان يحجب الغيم انخفض حتى صار يلامسني.
تحت هذا السقف الجديد، كانت العواطف تتسرّب من جدرانٍ لم تعرف للبكاء سبيل وكان في الجوّ وعدٌ ما، كما الكون يختبرنا، كما الله يبتسم على استحياء. همس صوتٌ خفيّ: إنّ السعادة لا تُبنى على إنقاذ أحد وإنّ الحبّ لا يتخذ مسكناً إلا في من عرف الهلاك وابتسم له.
قد أقدر على الرحيل، لكنني لا أقدر على النجاة. يمكننا أن نتخلّى عن الحبّ كما نتخلّى عن عادةٍ قديمة، إلا أنه الألم، لا يزول إلا حين يُغفر، ولا يُغفر إلا حين يُفهم.
أستطيع أن أخدع نفسي، كيف أخدع الله..!؟
فمن أين أتيتِ إذاً؟
أيةُ ريحٍ حملتكِ إلى قلبي، لتعيد ترتيب فوضاي بهذا الجمال؟ بعد أن انتهكتِ سكينتي وعدتِ من مجرتك الخفية، تقفين أمامي، فأقول لنفسي: وماذا أفعل بكِ؟
ثم أبتسم، ولا أعرف….







