مثال سليمان

جاءت إليه رمادية والغيم أنجبها من رحم الضوء، تمشي بخفة الندم، تحمل في عينيها خريفين؛ خريفها المنكسر في صدره، وخريفه الذي لا يزول. تشبه قصيدة تاهت في متاهة مرآة، تلمح وجهها فيه، فتراه وجهه. حين تهمس له، لا صوت إلا صدى صوته.
هو، نارسيسوس، يعبد صورته في كل ما حوله، حتى الحب لم يسلم من عبادة ذاته.
كما الريح في مواجهة صمت البحر؛ تسأله بعينين من رماد: لماذا تعذبني..!؟ بصوتٍ من رخامٍ بارد، يقول: “هو الحب امتحانٌ والعذاب هو الدليل.”
بابتسامةٍ واهنة، نعم، العذاب عنده مرآة جديدة، يترقب فيها نقاء سلطته وجمال ضعفه.
هي تدرك، الحب، عنده طقس أنانيّ، لا يرى في الآخر سوى انعكاسٍ مؤقتٍ له. كلماتها نهرٌ ينهمر في صوته، قلبها المرتبك يُحسب له انتصاراً. في حضرته، تخشى فقدان ملامحها، أن تُصبح أثراً لوهمٍ يوثقه. مع ذلك، تبقى، مأخوذة بسحرٍ خفيٍّ لا يُبطل.
هي، تعلم، نارسيسو لا يحب، وإنّما يبتكر أسطورةً عن نفسه و يبحث عمّن يقدّسها.
هي، تلك الأسطورة المكسورة، تسند بقاياه. تهرب إلى الشعر، إلى اللغة، إلى الخيال الذي لا يعرف وجهه، لكن وجهه يسبقها، يتسرب رمزاً من بين شقوق قصيدتها؛ قدراً لا يُمحى.
حين تباغته عواصفها، تتحطم مراياه من حوله، كحقيقة يتفقدها. تسمع صوتاً يتهشم على شفا الخوف: من أنتِ؟
هي، تمضي في الغياب، خفيفة كالدخان، عالية كاليقين: “أنا روحٌ متحررة منك، أمسّد خيال جنونك، هذيان التأويل في عقلك وضوءٌ يصلي للحب “







