مثال سليمان

في هدأة الليل يداهمني كشفٌ تُزيحه السكينة عن جراحٍ كانت مستورة بضجيج النهار. في الضحى كنت أمضي خفيفاً، أبيع الوجع وأنصرف، فإذا أرخى الليل سدوله، هبط الحزن دفعةً واحدة كجندٍ أُخرجَ من كمائن الذاكرة وعلمت أنّ السهر امتحان وأنّ الليل موضع الحساب، {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا}. لا أكتب جديداً؛ فهو فرار، وأنا ابنة ما لم يُقضَ بعد؛ أعود إلى نفسي، إلى نصّ، إلى حالِ المقطوع من شجرته عنوة.
أرقٌ يتناسخ من أرقٍ، سربدٌ لا يُرى له آخر، روحٌ مثقلة بالوجد حدّ الفيض، حروفٌ يتيمة ثقيلة على الصفحات. أحصي الوجوه التي سكنت سمعي ودمعي، الذين كانوا معي في الغياب كما في الحضور، أطوي ما تبقّى من شظايا الخيال، كسرةَ قلبٍ في جيب معطفي. أسأل عن قبورهم؛ ما أزال أحتاج موضعاً أضع فيه اسمي إن سبقني أجلي، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}. ولأن قلبي سبقني إلى ترابها. أشتاق مرتع الطفولة، بيّارة الدار الأولى، بيتٌ كان يفيض بالطمأنينة، وجرعة ماءٍ من نبعٍ قديم كنت أخشاه صغيرةً وألوذ به اليوم غريبة. ها قد صار الخوف ذاكرةً وصارت الذاكرة وطناً مؤقتاً.
تهبّ ريح الشمال، آية قاسية: ريحٌ محمّلة بالخذلان، مثقلة بالوحشة، تملأ الصدر بأناتٍ وآهات، تحمل الجوعى ودم الناجين والصرعى معاً. ريحُ قسوةٍ وجفاء، وأنا…! أنا أمشي وحدي، أضمّ بعضي إلى بعضي خشية التلاشي، أتشبث بوهن النور، شعاعٌ خافت يتعثّر عند حافة الشفق.
يا لثِقَلِ الميلاد في أرضٍ تُدار على حدِّ المنشار؛ جذورُ أهلها مغروسةٌ في الطين وأغصانُهم مشرَّعةٌ لريحٍ لا ترحم. لا يُرمِّم الجراحَ نحيبٌ ولا تُبرئ القلوبَ دموعٌ؛ [فالنارُ إذا لامست الراتنج ازداد لهيبُها]، الألم يتغذّى من صبرنا عليه.
وإن تعرّيتُ من دفءٍ وستْر، فإيماني معلّقٌ بوعد اللقاء. لا تنسني؛ العودة آيةٌ مؤجَّلة والميعاد محفوظٌ في الغيب. سنلتقي إذا شاء، أنا وأنت. وإن غبتُ كنهارٍ قصير أو ضللتُ بين نجمٍ ودخان، الإبتهال كفيلٌ ألا يتيه الطريق عن أسمينا ونعود سالمين.
نحن ركّابُ عربةٍ من دخان؛ بلا مأوى سوى الاحتمال، متواضعون حتى التكسّر. نصفُنا يبكي ونصفُنا ينام من فرط الإعياء. الطريق زلِق، قوّةٌ عمياء تعيد نحت الوجوه وتدفع بالأرض خارج معناها. لا يحمي أحداً وعدٌ مؤجَّل، ولا تُنقذ يدٌ تمتدّ من بعيد.
أقولها من الفقد: لا تترك حبيبكَ. ازرع قلبك في قلبه وإن لوّحت، فلوّح كأنه الوداع الأخير؛ الفراق لا يعرف التخفيف. اليوم أعقد مع الحبيب عقداً لا يُفسخ، ميثاق حبّ يمشي بمحاذاة الموت ولا يلتفت. أحمل بيتاً في داخلك أينما حللت: بيتاً من ذكرٍ ودعاء، لا تَهزِمه المسافات ولا تُقوِّضه المنافي.







