د. ولات محمد

الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم واقعاً مفروضاً على الجميع، بوصفه واحدة من نتائج التطور الصناعي والتكنولوجي الذي بلغ مبلغاً بعيداً في القرن الحالي. وكأي مستحدث آخر هناك من ركض إليه مسرعاً للاستفادة منه إلى أقصى حد ممكن، وهناك ـ في المقابل ـ من يتحفظ في الاقتراب منه بهذه الدرجة أو تلك. ولكن ينبغي التذكير بأن الوافد الجديد لم يدخل عالم الكتابة الإبداعية حسب، بل النقدية أيضاً، بل حتى حقول الفنون الأخرى كالرسم والتلحين والغناء وغير ذلك. المشكلة برأيي ليست في استخدامه، بل في طريقة استخدامه ودرجة الاتكال عليه وفي انتحال المستخدم ذلك العمل وكأنه من إبداعه.
المؤسف أن دخول أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتابة أثر ـ دون شك بدرجة عالية ـ في تصور الجمهور والنقاد حول كتابة النصوص في السنوات الأخيرة. قبل ظهور الانترنت في بلادنا وانفتاح العالم أمام المرء وهو جالس أمام جهازه، كان للكاتب خصوصية وقيمة عند الجمهور، باعتباره قادراً بموهبته وإمكاناته المعرفية أن يأتي بما لا يستطيع غيره من العامة. بعد ظهور الإنترنت تراجعت هذه القيمة ولم تعد ثقافة النص دليلاً على سعة اطلاع الكاتب وثقافته بالضرورة، إذ صار بإمكان أي أحد أن يستجمع من الشبكة الأفكار والمعلومات وينسج منها ما يشاء. أتذكر أن أحد “الكتاب” كان يرسل مقالات وأخباراً لبعض الصحف، وعندما قيل له إن الحكومة قد تقطع الإنترنت قال: انخرب بيتنا.
بعد ظهور الذكاء الاصطناعي انهار ما تبقى من تلك المصداقية والخصوصية عند جمهور القراء، لأن ذلك القارئ نفسه الذي لا يملك أي شيء من مقومات الكتابة صار بإمكانه أن يكتب ما يشاء من النصوص والمقالات، بل وحتى من الكتب عن طريق الذكاء الجديد الذي لا يحتاج إلى ذكاء أو موهبة أو معرفة تقليدية، بل معرفة بالتكنولوجيا. قبل حوالي عامين أعلنت إحدى دور النشر أنها انتهت من طباعة رواية من تأليف الذكاء الاصطناعي بالكامل، ولكن ماذا عن غير المعلن؟! ومن هنا ضاع الكاتب أو المبدع الفعلي الحقيقي الموهوب في زحام هذا الوباء، ولم يعد القارئ أو الناقد يثق بأية كتابة، وهو الذي تشكلَ لديه تصورٌ أن كل الناس يأخذون (أو يمكنهم أن يأخذوا) كتاباتهم من هذا الدخيل المخرب للإبداع.
هل يمكن للقارئ أن يميز؟ خبرة السنوات الطويلة المكتسبة من القراءة وممارسة الكتابة البشرية تتيح للمرء غالباً أن يميز بينها وبين الكتابة المصنوعة آلياً. إنها عملية تشبه إلى حد ما عمل الصائغ الخبير الذي يميز الذهب الأصلي من التقليدي لمجرد النظر إليه ولمسه دون الحاجة إلى إخضاعه للفحص. أما القارئ “العادي” فغالباً تنطلي عليه هذه الخديعة.
ما عدا عنصر الخبرة والإحساس، ثمة مؤشرات يمكن الاحتكام إليها لتمييز البشري من الاصطناعي من الكتابة، ومنها أن كتابة الذكاء الاصطناعي جافة لا روح فيها، كما أنها منطقية وعقلانية جداً وخالية من المشاعر، وعديمة الأخطاء (هناك من يتعمد الأخطاء أحياناً للتمويه) وكثيرة علامات الترقيم. هذه مؤشرات عامة طبعاً، ويمكن توفرها بدرجة أو بأخرى حتى في الكتابة البشرية. لذلك قدمت عنصر الخبرة على كل المعايير الأخرى التي يمكن التلاعب بها من قبل من يستخدمها على أية حال.
انتشار هذا النوع من الكتابة فتح المجال أحياناً لانتشار تهمة “الاعتماد على الذكاء الاصطناعي” كلياً أو جزئياً بين “الكتّاب”، خصوصاً أن الوسط الأدبي الثقافي في مجتمعاتنا الشرقية ـ بطبيعة الحال ـ وسط مشحون بالحساسيات والصراعات والاتهامات المتبادلة بين أفراده، حتى عندما كان المبدعون يكتبون على ضوء لمبة الگاز.
ظهور الإنترنت ومن ثم الذكاء الاصطناعي وفّر أجواء ومسوغات مثالية لممارسة مثل هذه الحساسيات البينية؛ فإذا كان اتهام أحدهم الآخر بالسرقة الأدبية أيام زمان بحاجة إلى دليل واضح لا لبس فيه، فإنه الآن لم يعد بحاجة حتى إلى دليل، لأن الاحتمال قائم سلفاً، إذ بات يكفي أن يتهم أحدهم الآخر بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي حتى يجعله وكتابته موضع شك. المشكلةهنا أنه لا الأول لديه دليل على اتهامه ولا الآخر قادر على دفع التهمة، طالما أن موضع الاتهام فضاء مفتوح لا حدود له ولا جواب واحداً ثابتاً فيه على السؤال ذاته. ومن هنا إذا كان هذا الطارئ قد فتح باباً واسعاً للانتحال والتزوير، فإنه بات للأسف ـ في معظم الحالات ـ وسيلة للتشويه أو التشهير أو الانتقام لأسباب شخصية لا علاقة لها بالحرص على نزاهة الكتابة.
الآن، في ظل هذه الهيمنة الرقمية، هل من سبُل للحفاظ على مصداقية الكاتب والأدب؟ يؤسفني أن أقول إن السبل والخيارات محدودة جداً؛فالبشرية بطبيعتها لا تراوح مكانها ولا تتراجع، بل دائماً تتقدم سلباً أو إيجاباً. وما يحصل في الإطار الذي نتحدث فيه هو إحدى نتاج هذا التقدم الذي لا مفر منه. لذلك أرى أن هذه المسألة سوف تستمر وتأخذ مداها خلال العقود القادمة، بل أرى أن نتاج الذكاء الاصطناعي من الكتابة وغيرهاسيصبح عما قريب حالة طبيعية وسينتهي هذا الجدل الاتهامي الذي يتم الآن. بمعنى أنه سيأتي يوم لن يكون اعتماد الكاتب (حتى الكلي) على الذكاء الاصطناعي موضع تهمة، بل حالة طبيعية، ولن يكون الفرق بين مبدع وآخر ـ آنذاك ـ في قدرة كل منهما على الإبداع الذاتي، بل في قدرته على توظيف الذكاء الاصطناعي في كتابته بالطريقة الأمثل، ولا أدري إن كان ذاك المستخدم سيسمى “كاتب” آنذاك.
من هنا أرى أن إمكانية مقاربة الموضوع بشكل يوازن بين حرية الابداع الأدبي ونزاهة العمل تتوقف على الموقف الأخلاقي للذات الكاتبة. إن المستقبل (وأقول ذلك آسفاً من جديد) ليس للكتابة البشرية الخالصة، بل للكتابة الاصطناعية التي ستصبح هي الطبيعية والسائدة لاحقاً، وذلك لسببين: الأول أن التكنولوجيا لم تعد فقط حاجة موضوعية خارج الإنسان تقوم بخدمته وتسهّل له حياته، بل صارت جزءاً أساسياً من تكوينه الفكري والنفسي أيضاً. أما الثاني فهو أن “الكاتب” المعتمد على الذكاء الاصطناعي سريع الإنجاز غزير الإنتاج. لذا سيجد الكاتب التقليدي “الطبيعي” نفسه يقف خلفه في الظل وغائباً عن المشهد، ومن ثم مضطراً للاختيار بين دخول اللعبة (بالانضمام إلى ما يجري) والبقاء على الهامش.







