قراءة في كتاب خالد حسين الشعري “لم أكن ساهياً عن الوردة”
خضر سلفيج

في متاخمة الشعر
قراءة في كتاب خالد حسين الشعري “لم أكن ساهياً عن الوردة”
يحيل عنوان المجموعة الشعرية “لم أكن ساهياً عن الوردة” للشاعر خالد حسين، الصادرة عن دار كوديا في بغداد وكردستان، إلى دلالة تتجاوز مفردة “الوردة” حضورها الجمالي المباشر، لتتصل بالانتباه والتقاط التفاصيل، بما يجعل فعل الرؤية جزءاً من فعل الكتابة، ويضع الذاكرة والجمال والتجربة العاطفية في صميم التشكيل الشعري. وجاءت لوحة الغلاف للفنان القدير زهير حسيب في عتبة بصرية تنسجم مع هذا الأفق الدلالي. ويؤكد الكتاب نفسه هذا الحضور منذ عتبته الأولى، حيث يرد العنوان “لم أكن ساهياً عن الوردة” مقروناً بعبارة “في متاخمة الشعر”، بما يفتح منذ البداية مساحة بين العنوان وفعل الكتابة.
وتكشف بعض فضاءات المجموعة عن هذا المنحى؛ ففي قوله: “حاجباكِ يحرسَان المدينةَ التي أُحِبّ”، تتجاوز المرأة موقع الموضوع الغزلي لتغدو عنصراً في بناء المكان وإعادة إنتاج دلالته، فيما تتداخل الكلمات والموسيقى والحديقة والشعر في منظومة تصويرية تعيد تركيب المحسوس داخل اللغة. أما قوله: “آه… يا لسحر الوردة في شهقة العابر!“، فيكثف العلاقة بين الجمال والعبور والانتباه، ويجعل من الوردة لحظة إدراك شعري لما قد يفلت من الوعي في مجرى الحياة اليومية.
وانطلاقاً من هذا المنظور، لا تحيل الوردة إلى رمز ثابت بقدر ما تؤسس لبلاغة الانتباه؛ أي إلى قدرة الذات الشاعرة على استنقاذ التفاصيل من عابريتها وإعادة منحها حضوراً دلالياً داخل النص. ومن ثم تتشكل تجربة المجموعة في منطقة تتقاطع فيها ثنائيات الحب والذاكرة، الحضور والغياب، الجسد والطبيعة، والواقع والتخييل، عبر لغة تقوم على إعادة تنظيم العلاقات بين الأشياء لا على نقلها في صورتها المباشرة.
ومن هذه الزاوية، تأتي “متاخمة الشعر” بوصفها مفهوماً إجرائياً لقراءة المجموعة؛ فهي تشير إلى تلك المنطقة الفاصلة بين التجربة وتمثيلها، وبين الشيء وصورته، وبين المعنى وتعدد احتمالاته. وفي هذه المنطقة تتحدد القيمة الجمالية للنص بقدرته على تحويل المحسوس إلى دلالة، والعابر إلى ذاكرة، والتجربة العاطفية إلى بنية شعرية مفتوحة على التأويل.
الحب وإعادة تشكيل العالم
تحتل المرأة مركزاً واضحاً في التجربة الشعرية، لكنها لا تظهر بوصفها موضوعاً حسياً أو غرضاً وصفياً فحسب، بل بوصفها قوة فاعلة في إعادة تشكيل العالم. ففي العبارة: “يدكِ التي تبتكر العالم!“، تنتقل المرأة من موقع المرئي إلى موقع المنشئ، فلا تعود اليد جزءاً من الجسد فحسب، بل تتحول إلى فعل خلاق يعيد ترتيب الموجودات. وتؤكد نصوص المجموعة هذا المنحى في أكثر من موضع، بما يجعل فعل الابتكار جزءاً من طبيعة العلاقة الشعرية ذاتها.
ويتكرر ذلك في صور تستعيد فيها الكلمات أسرار الغابات، وتوقظ الأصابع ندى الحب، ويغدو الحديث اقتراباً من البحر، فيما يتحول العدم إلى حديقة عبر العينين. وهنا لا يعود الحب حالة وجدانية منعزلة عن العالم، بل يصبح طريقة في إدراكه وإعادة تفسيره؛ فالمرأة لا تُرى داخل العالم بقدر ما تصبح واسطة لرؤيته في صورة جديدة.
تراسل الحواس وبناء الصورة
من أبرز السمات الأسلوبية في المجموعة اعتمادها على تراسل الحواس، حيث تتداخل الوظائف الحسية وتتبادل مواقعها، فتكتسب الخطوات والليل والمطر والروائح والضوء علاقات لا تقوم على المنطق الحسي المعتاد. وبهذا لا تعمل الصورة على نقل الشيء كما هو، وإنما تعيد بناءه عبر شبكة من الإحالات الحسية المتداخلة.
وتتكرر في المجموعة مفردات تشكل حقلاً معجمياً واضحاً: المطر، الضوء، الليل، القهوة، الوردة، الكاردينيا، الجلنار، الحديقة، البحر، الطريق، الممر، الغابة، الخريف. غير أن حضور هذه المفردات لا يبدو زخرفياً؛ إذ تتغير وظائفها تبعاً للسياق. فالمطر، مثلاً، يستدعي الذاكرة ويعيد وصل الحاضر بالماضي، كما في قوله: “عيناكِ تستعيدان أزمنة مطر غابرة”، حيث لا يعود المطر ظاهرة طبيعية، بل وسيطاً لاستعادة زمن سابق.
ومن ثم فإن القيمة الجمالية لهذه الصور لا تنبع من غرابتها منفردة، وإنما من قدرتها على إنشاء علاقات جديدة بين الحواس والأشياء، بحيث تصبح اللغة نفسها فضاءً لإعادة ترتيب الإدراك.
الطريق والعتبة والتخوم
تكتسب مفردات الطريق والممر والعتبة والتخوم أهمية خاصة في بناء المعنى؛ لأنها تحيل جميعاً إلى فعل العبور، وإلى حالة لا تستقر في الوصول بقدر ما تظل مشدودة إلى الحركة. فهناك “عتبات اللغة” و”ممرات الألفة” و”الطريق” و”الدروب الغامضة”، وهي مفردات تجعل العلاقة بالآخر علاقة اقتراب مستمر لا بلوغ نهائي.
ولا يبدو هذا الحضور عابراً في بنية المجموعة؛ فحتى العنوان الفرعي “في متاخمة الشعر” يستدعي بدوره معنى الوقوف على الحد الفاصل، أو الحركة بمحاذاة شيء دون الاستقرار داخله تماماً. كما أن عناوين ونصوصاً مثل “ممرات” و“لا ممرات هنا!” تؤكد أن العبور ليس مجرد مفردة مكانية، وإنما جزء من المنطق الداخلي للتجربة.
ولذلك يبدو العبور في المجموعة بنية دلالية تتجاوز معناها المكاني إلى معنى وجودي وشعري؛ فالشاعر يمضي، أحياناً، احتفاءً بتلاشيه في ظلال الغابة، بما يجعل التلاشي نفسه شكلاً من أشكال الحضور.
الحضور والغياب
إذا كان الحضور يهب الأشياء معناها، فإن الغياب في المجموعة لا يأتي بوصفه نقيضاً سلبياً فحسب، بل بوصفه قوة تعيد تشكيل المكان والذاكرة. ويتجلى ذلك في تكرار صيغ النفي وما يتصل بها من حالات الانكشاف والوحشة، حتى يغدو المكان فضاءً يتبدل وفق ما يحضر فيه وما يتوارى عنه.
ولا يبقى الغياب محصوراً في العلاقة بالآخر؛ إذ يمتد إلى الأشياء المحيطة: يفقد الصباح ضحكته، وتتوارى التفاصيل اليومية التي كانت تمنح المكان حيويته، ويصبح الفراغ نفسه قابلاً لأن يتشكل في صور متعددة. وهكذا يتحول المكان من خلفية محايدة إلى كيان يتغير وفق درجات الحضور والغياب.
في المقابل، تعمل اللغة على استعادة الأشياء من غيابها عبر التحويل الشعري: العدم ينفتح على الحديقة، والعراء يمكن أن يتعطر بالكاردينيا، والخريف يتحول إلى فضاء لاندلاع الحب. وهذه التحولات تكشف أن الشعر، في جوهر التجربة، ليس وصفاً للعالم بقدر ما هو إعادة إنتاج له.
الخريف وقلب الدلالة
يكتسب الخريف في المجموعة وظيفة دلالية لافتة؛ فهو، في المخيال التقليدي، فصل الذبول والانحسار، لكنه يتحول هنا إلى فضاء لإمكان شعري آخر. ففي أحد المقاطع ترد الإشارة إلى “مشارف الخريف” في سياق تتجاور فيه القهوة والحديث والليل، بما يمنح الفصل وظيفة تتجاوز دلالته الزمنية المباشرة.
وهنا تتضح إحدى حركيات المجموعة الأساسية: قلب الدلالة. فما يبدو في الأصل علامة على النهاية أو الذبول يمكن أن يتحول إلى بداية أخرى داخل التجربة الشعرية. ومن ثم لا تعمل الطبيعة بوصفها مرآة جاهزة للحالة النفسية، وإنما تدخل في عملية إعادة تشكيل مستمرة داخل النص.
المرأة والبعد الثقافي
لا تتوقف صورة المرأة عند الحضور الجسدي أو العاطفي، بل تمتد إلى المجال الثقافي والمعرفي. فالخطاب الموجه إليها يستدعي الرواية والشعر والزهور والكتابة، وتظهر طاولة الكتابة إلى جانب القهوة والمطر، بما يجعل العلاقة قائمة على اشتراك في فضاء من القراءة والتأمل وإنتاج المعنى.
وبذلك تغدو المرأة شريكاً في الأفق الثقافي للنص، لا مجرد موضوع للرؤية. وهذا التحول مهم؛ لأنه ينقل العلاقة من مستوى التملك العاطفي إلى مستوى التفاعل بين حساسين يتقاطعان في الكتابة والقراءة والذاكرة، ويجعلان من اللغة مجالاً مشتركاً لتشكيل التجربة.
أورفيوس وسؤال اللغة
يظهر الوعي بالشعر وبفعل الكتابة بصورة أكثر مباشرة في استدعاء أورفيوس، بما يحمله من دلالة الشاعر الذي يحاول استعادة المفقود عبر الغناء. وفي هذا السياق يصبح الجمال امتحاناً للغة والشاعر معاً؛ إذ لا يكفي أن يُرى الجمال، بل ينبغي أن تعثر الذات على اللغة القادرة على عبوره.
ومن هنا تكتسب عبارة “لقّنّيها لغة البحر” دلالة تتجاوز الاستعارة المباشرة؛ فاللغة ليست أداة مكتملة يمتلكها الشاعر، وإنما معرفة ينبغي أن يتعلمها من العالم نفسه. والكتابة، وفق هذا المنظور، ليست قولاً فقط، وإنما إصغاء أيضاً؛ إصغاء إلى البحر، وإلى الجسد، وإلى الذاكرة، وإلى ما تقوله الأشياء حين تدخل منطقة الشعر.
الوردة بوصفها انتباهاً
في ضوء ذلك كله، يعود العنوان ليكتسب كثافته الدلالية. فالوردة ليست رمزاً ثابتاً يمكن اختزاله في الحب أو الجمال، وإنما هي علامة على الانتباه نفسه؛ على ألا تمر الأشياء من أمام الذات دون أن تُرى.
ولهذا تتجاور في المجموعة الوردة مع المطر والقهوة والكاردينيا والجلنار والطريق القديم وتفاصيل الطبيعة والجسد. إن قيمتها لا تكمن في وجودها منفردة، بل في قدرة الشاعر على التقاطها في اللحظة التي تكاد فيها أن تصبح عابرة أو منسية. وبهذا يصبح “لم أكن ساهياً” موقفاً شعرياً قبل أن يكون مجرد عنوان؛ إنه إعلان عن يقظة الذات تجاه ما يمر، وعن مقاومة النسيان عبر اللغة.
المأخذ النقدي: كثافة اللغة البصرية
غير أن ما يمنح المجموعة وحدتها الجمالية هو نفسه ما قد يحد أحياناً من تنوعها التصويري. فالضوء واللون والوردة والندى والحديقة والبحر والغابة وتفاصيل الجسد تتكرر بدرجات مختلفة، وقد يؤدي تراكمها أحياناً إلى تقارب الوظائف التي تؤديها بعض الصور، بحيث تنتقل القصيدة من صورة إلى أخرى قبل أن تستنفد الصورة الأولى طاقتها الدلالية كاملة.
ولا يعني ذلك أن هذا التكرار يمثل خللاً بالضرورة؛ فقد يكون جزءاً من الخيار الجمالي الذي يمنح المجموعة نسيجها المعجمي الخاص. غير أن مزيداً من الاقتصاد في بعض الصور، وإيجاد مسافات أوسع بينها، كان يمكن أن يفتح المجال أمام تنوع أكبر في حركة المخيلة، بحيث تصبح الصورة طريقاً إلى المعنى لا غاية جمالية مكتفية بذاتها.
تكشف المجموعة، في مجملها، أن “لم أكن ساهياً عن الوردة” لا تكتب الحب بوصفه موضوعاً منفصلاً عن العالم، وإنما بوصفه طريقة في إعادة تشكيله. فالطبيعة تمتد من الذاكرة، والمرأة تشارك في بناء اللغة والمكان، والأشياء اليومية تستعيد حضورها حين تمر عبر عين يقظة لا تسمح لها بالاختفاء في العابر.
ومن هنا تبدو “متاخمة الشعر”وصفاً ملائماً للمساحة التي تتحرك فيها المجموعة: مساحة بين التجربة والتعبير عنها، وبين الحضور وصورته، وبين الشيء واللغة التي تستعيده. ففي هذه المساحة لا تكون القصيدة نقلاً لما حدث، بل إعادة خلق له؛ ولا تكون الوردة مجرد وردة، وإنما اختباراً لقدرة الشاعر على أن يرى ما قد يمر خافتاً، وأن يمنحه حياة أخرى داخل اللغة. ولعل الانتباه إلى الوردة، في نهاية المطاف، ليس إلا شكلاً من أشكال الانتباه إلى الحياة نفسها.







