“رموز وحكايات في إبداع نورس راشد”

أمل صيداوي

الرسم رسالة راقية كما الشعر هو تمثيل لفكرة وخيال يجسدهما الرسام عبر ريشة تتحرك بالألوان على قطعة من قماش مشدودة أو قطعة ورق مقوّى وسط أطر ثابتة مختلفة الأشكال كي تخلق لوحة تعبّرعما يراه ويشعر به الرسام فيترجمه عبر الألوان إلى حكاية تجسد مكنونات قلبه وأحاسيسه المرهفة تجاه أحداث ووقائع تجري في الزمن الحاضر أو عاشها فيما مضى.

اختارت الفنانة المبدعة: نورس راشد يوم 29 نوفمبر، وهو اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، لتقيم معرضها بعنوان: “مراقب لشظايا رحلة” الذي تميّز بكثافة المعاني، وبالرمزية القوية في كل لوحة.
عبّرت لوحات الفنانة نورس عن الألم والحزن اللذين تشعر بهما جراء حرب الإبادة التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني في غزة وعن أحلامها في أن يعمّ الحب والسلام اللذان مزقتهما أيدي ملطخة بالدماء في الكرة الأرضية.

1. اللوحة بعنوان: كم كان كهفي دافئاً

هي حكاية أسرة فلسطينية تحاول العيش بأمان في بلادها فلسطين أرض الخيرات لديها شهية أدبية بحيث امتلأ منزلها بالكتب والأدوات التعليمية مثل الكرة الأرضية والكتب والريشة في المحبرة. هي أسرة تحب الفنون إذ يوجد لديها نموذج مصغّر لسفينة شراعية في كهفها، كما أنها مكتفية ذاتياً بتربيتها لحيوانات أليفة تستفيد من لحومها. هذا الواقع المعيشي الذي لا يمكن إنكاره أقوى برهان على أن تلك الأسرة مثل معظم الأسر الفلسطينية لديها آمال ورغبات، ومتطورة فناً واقتصاداً وتعليماً. وأنهم رغم كل الظروف السيئة التي تمر بها بلادهم، فقد تمكنوا من تجنب الوقوع في اليأس، وحققوا إنجازات رائعة.

    2.اللوحة بعنوان: في مكان ما لا نعرفه إلا نحن.

    تأخذنا هذه اللوحة إلى قصص مفجعة من الألم والحزن والصمود لأطفال غزة الأبرياء الذين يسردون أوجاعهم بعد استشهاد جميع أفراد أسرتهم بحيث فقدوا السعادة واضطروا إلى مواجهة الحياة بمفردهم. الأرجل المنتهية بعجلات في اللوحة تذكرنا بالأطفال والنساء والرجال الذين بترت أطرافهم من جراء القصف الوحشي: (تسرد نور صاحبة الـ 10 سنوات التي كانت تحلم أن تصبح طبية قبل إصابتها البليغة وبتر في ساقها ): “اليوم انا أمنيتي الوحيدة أن أذهب إلى الجنة للقاء شقيقي الشهيد وزوجته وطفله قتلهم الاحتلال وهم أبرياء”. وأما الدم في اللوحة فيرمز لاستشهاد العديد من أطفال ونساء ورجال غزة أثناء حرب الإبادة التي انتهجها المحتل الغاشم ضد المدنيين الأبرياء: “يموت أطفال غزة قبل أن يولدوا، وقبل أن تُسجّل شهادة ميلادهم، تقول الأم الفلسطينية عند استشهاد طفلتها: “نامي بهدوء ياصغيرتي، اليوم عشتِ حلم حياتك ورحلتِ على طريق الألم إلى حيث لا يوجد إلا السلام والمحبة”. “يفاخر جنود جيش الاحتلال ويتباهوا بعدد الأطفال الذين تم قتلهم، وما يدعو إليه المتطرفون من وجوب قتل الأطفال في بطون أمهاتهم”. أما الهدهد إلى يمين اللوحة فهو شاهد عيان على وحشية المحتل وهمجيته، والسلحفاة الخضراء بأسفل اللوحة تمثل الملاذ الأخير للأطفال الذي يلتمسون فيه الأمان: “ينام أطفال غزة على هدير الطائرات ودوي القنابل وانفجار الصواريخ وأزيز الرصاص وكلها تنذرهم بالموت قبل موتهم، ليلهم ظلام دامس، لا ماء ولا غذاء ولا دواء ولا كهرباء، يبحثون دوماً عن كسرة خبز ورشفة ماء”.

    3. اللوحة بعنوان:”عين مدفونة وعين مصابة

    فالوجه الذي في وسطها الذي أردت شظايا القصف بإحدى عينه والعين الأخرى مصابة يعبّر تعبيرا بليغاً عن الويلات التي حلّت بالإنسان الفلسطيني؛ وعن إرادة الحياة رغم القصف والتدمير؛ وذاك الشخص الراكع إلى يمين اللوحة والذي يصله خيط بجسد الإنسان الفلسطيني يمثّل شقاء وعذاب ومعاناة أهل غزة من جراء الأوضاع الصعبة التي يعيشوها. أما السفينة في أقصى يمين اللوحة فهي ترمز إلى إغراءات السفر وترك أرض الآباء والأجداد، ويرمز الإنسان العاري إلى يساراللوحة إلى ضحايا تستغيث، وتصرخ، وتنتحب، وتحشرج، وتحتضر… ضحايا متهالكة، وأجساد ملتوية وفزعة، وعلى وجوهها كل ألوان الهلع. نرى يداً ذات أظافر طويلة إلى يسار اللوحة والتي تعبّرعن الانتهاكات التي تجري ضد الفلسطينيين. ترمز الأجساد المتعاكسة بالاتجاه في أقصى يسار اللوحة إلى كل ما يعصف من صراعات وحالات نفسية بذات الإنسان الفلسطيني من جراء آلام التهجير والفقد والدمار. يقف في منتصف أسفل اللوحة شخص منتصب القامة يمثّل إرادة الحياة تجاه وحشية التدمير، والأمل الذي لن ينطفئ بنور الحرية.

    4. اللوحة بعنوان:”اللجوء

    ترمز برودة الوجه الأزرق في يسار اللوحة إلى عالم المُعذَبين والمظلومين الذين عانوا الأمرّين في أرضهم وديارهم التي انتُزِعت منهم بقوة السلاح ، وأما البندقية المنثنية على ذاتها في يسار اللوحة فهي تقول لنا: “حين اشتدت الخلافات فيما بيننا انثنت بندقيتنا وأصبحت في صدورنا بدلاً من أن تكون في مواجهة المحتل للدفاع عن أنفسنا وأرضنا”. هناك في يمين اللوحة إنسان بلون تراب الأرض المباركة عانى ومازال يعاني من شظف الحياة ومرارة الأيام في ظل الاحتلال يهبّ للدفاع عن نفسه وعن كرامته في وجه حرب الإبادة التي يشنها عليه المحتل الغاشم. ترمزبتلات الأزهارالرقيقة الصفراء الحزينة إلى الأطفال الفلسطينيين الذين يدفعون ثمناً باهظاً بسبب عدوان الاحتلال الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه الأكثر دموية وشدة في التاريخ الحديث، وأما الأوراق الخضراء فترمز إلى العزيمة المفعمة بالأمل بمستقبل مشرق للبلاد والعباد. في منتصف اللوحة شجيرة خضراء تقف منصبة القامة نابضة بالحياة ومزدهرة ترمزإلى عدم الاستسلام للعنف والتعسف وإلى الإصرار على فضح ممارسات مشروع المحتل التوسعي الإحلالي والإجلائي العنصري وتبشّر بقرب الاحتفاء بالحرية.

    5. اللوحة بعنوان:”محاكمة الصمت

    هناك رمزية قوية في اللوحة: عيون تنادي بتمزيق جدار الصمت ودق جدار الخزان، للتعبير عن حياة الفلسطيني الصعبة تحت وطأة الاحتلال، وفضح المحتل الذي سرق الوطن وزوّر التاريخ واستلب الأرض، لنكن معاً نناشد البشرية باسم فلسطين بإدانة الاحتلال الذي تنوعت أساليب قتله وإبادته للفلسطينيين أفراداً و جماعات، أطفالاً ورضّعاً ورجالاً وشيوخاً ونساء الذين يحق لهم العيش بكرامة. الناس في غزة يموتون في طوابير انتظار شيء من طعامٍ، فتقصفهم طائرات التجويع والتعطيش، ورصيف منع المساعدات، ومعابر الموت المغلقة.. يقارعون الموت تحت أنقاض منازلهم التي قصفتها الطائرات. أما المستطيلات الموجودة في منتصف اللوحة فهي ترمز إلى صعوبة الحياة في مخيمات البؤس التي فُرِض على الفلسطيني المشرّد العيش فيها. كان للألوان في اللوحة أهميتها حيث أثار كلا اللونين الرمادي والبني المحايد فينا مشاعر الحزن وذكّرنا اللون الأحمر بدماء الشهداء، بينما عبّر اللون البنفسجي عن المثل العليا والإنسانية، وارتبط اللون البرتقالي بالخوف، واللون الأخضرالداكن بالحياة، واللون الأخضر الفاتح بالتوازن.

    6. اللوحة بعنوان: جميع العيون ترنو إلى ذاكالسلامالأرضي

    يشعر الفلسطيني بالغربة في وطنه السليب، في غزة يفرّ الناس من موت إلى موت مئات الآلاف من النازحين أجساد منهكة وأرواح متعبة خذلها إخوتها في القومية وخيّبوا آمالها. ترنوالعيون في اللوحة نحوالسلام نحوفكّ الحصار عن شعب يحق له توفير أبسط مقوّمات الحياة والعيش الكريم من ماء ومسكن وطعام.
    تبكي العيون ألماً وخيبة أمل، وتناشد تلك العيون المجتمع الدولي بالتضامن مع شعب يقوم المحتل بإبادته وسفك دمائه. لقد غدا تراب غزة مجبولاً بدماء أبنائها حتى صار لونه أحمراً وتماهت أرض غزة في اللوحة مع أبنائها فنبتت فيها عروق تنبض بالغضب والحزن على مايحدث فيها من مآسي وكوارث، يشهد العالم وإخوتنا تلك المأساة فتتحرّك بعض الدول لتأييد قضيتنا ولكنها لاتستطيع التأثير على الرأي العام. تستصرخ أرواح الشهداء ضمير العالم بتطبيق قوانين الحرب الدولية التي تمنع المحتل من إجلاء الشعب الفلسطيني عن أرضه والاستيلاء عليها وقصف المدنيين العزّل.
    هذا غيض من فيض حول انطباعاتي عن بعض لوحات الفنانة المبدعة نورس راشد. هناك لوحات أخرى غنية برمزيتها ورائعة بحزنها تتطلّب الكتابة عنها في مقالات موسّعة.