كاوا درويش

الثامنة صباحاً، كما كل يومٍ منذ أربعين عاماً وأنا أجلس على هذا الرصيف، في آخر مقعدٍ من بين المقاعد المتناثرة، ألمحُ ذاك القطار الآتي من بعيدٍ وهو يقترب من محطة مدينتنا، ماداً ظلَّه ببطءٍ على الأرصفة وكأنه يتثاءب.
أربعون عاماً من الشوق مضتْ ولا يزال قلبي يرتجف وأنا أستذكر احمرار وجهك حين قلتها لكِ لأول مرةٍ: “عيناك أوسع من كل هذه الدنيا”.
أربعون عاماً من الفقد نسيت فيها ملامحي حتى وأنا أحدِّق في نفسي أمام المرأة أو أمام نبعة ماءٍ أو حافَّة نهر…
في كل صباحٍ أحمل لكِ وردةً واحدةً… حمراء من لون خدِّك، لعلّي ألقاكِ صدفةً… وردةٌ عاشقةٌ مائلة الرأس مثلنا، مثلما كنَّا عشاقاً نميل نحو الحياة لنعانقها فإذا بها تدير ظهرها لنا وتبتعد…
سنينٌ طوالٌ مرّتْ منذ ألقيتُ بآخر علبة سجائرِِ في سلة الذكريات… لم أفعل ما فعلتُه عملاً بنصائح الأطباء، ولكن لأنَّني لم أعد أحتمل أن أدخِّن لوحدي من دونكِ، من دون أن تسرقي السيجارة من فمي، أو تنفجري ضاحكةً، ساخرةً مني إن أحرقتُ لحيتي قليلاً بعود الثقاب من دون قصدٍ، أو اختنقتُ بدخان سيجارتي وأنا أقول لكِ “أحبكِ” فتقولين لي دامعة العينين: “أتنفسكَ”…
لن أنسى ذلك اليوم وأنتِ تشمتين بي بعد أن أمطرَتْني سيارة البلدية بالمياه وهي تنظف الشوارع من الوحول والأتربة…
دأبتُ منذ تلك اللحظة أن أتقصّد الاقتراب من سيارات البلدية كلما لمحتُها، لعلّها تمطرني مرةً أخرى، فأحظى من جديد بضحكةٍ تشبه ضحكتكِ…
سؤال واحدٌ لطالما سألته لنفسي آلاف المرات: هل ستأتي؟ هل ستعود يوماً؟ ليأتيني الجواب واضحاً جلياً منبعثاً من يسار صدري: ستأتي، ستأتي ولو كريحٍ عابرةِ تضلُّ الطريق وتسكن قلبي؟
ستأتي ولو بصمتها ولو بحزنها الذي يشبهها؟؟
ذاك الصمت، ذاك الحزن الذي لطالما ظننته هجراً أو لوماً أو عتاباً، حتى اكتشفتُه متأخراً حباً ودعاءً وحناناً؟
يمضي الوقت بطيئاً وتميل الشمس معه قليلاً لتسكن جوف السماء… تقترب القطارات، تمرُّ من أمامي، تهدي كل هؤلاء المنتظرين ابتسامات فرحٍ واحتفالٍ إلا أنا، تزرعني إبتسامة حزنٍ باهتةٍ حين تلمحني، وكأنني شباكٌ مغلقٌ في وجه الزمن…
يتوقف القطار، يلوِّح ركابه لأحبائهم من النوافذ، ثم ينزلون، يتعانقون جميعاً إلا أنا أقف بمفردي وحيداً كما كل صباحاتي…
يا إلهي، لا أصدِّق عيني، ثمَّة عجوزٌ تدنو مني وفي يدها وردةً، تقف أمامي، تحدِّق في عيني مليّاً، وتضع وردتها فوق المقعد الذي لطالما جلسنا عليه سويّاً ثم تهمس لي: تأخرنا كثيراً يا حبيبي… تجلس بجانبي برهةً، تتنهَّد وتسألني؟ أين سيجارتك؟
أصمتُ قليلاً لتردفَ من جديدٍ: سيأتي يومٌ وتفهمُ…
ابتسمتُ للحظةٍ وقلتُ: قد فهمتُ ولكن متأخراً.
لم يكن ذنبها، المسكينة لم تسقط يوماً في امتحانات مفردات الغياب، لأنها كانت تكتب بلغةٍ لا يفهمها أحدٌ سوانا…
وقفتُ لأدير لها ظهري وأمضي كما آخر لقاءٍ جمعنا منذ عقودٍ، لكنّني لم أستطع، ففي هذه المرة كان الأمر مختلفاً تماماً، ثمَّة شيءٌ ما في الهواء كان يشبه عطرها يناديني باسمي، التفتُّ فلم أرَ أحداً سوى ظلّين متعانقين على المقعد، أحدهما لي، والآخر أعرفه أكثر من ظلي…







