آناهيتا حمو

لوحات خريفية في باريس: بين مترو العاشر وممر البشمركا
غيوم شقراء الهدب تغمرنا لوحي حلم ،خريفية، أشجار حمراء غدت للسقوط أوراقها،
في خريف باريس، حين تتراقص الأوراق البنية، الحمراء والصفراء على الأرصفة المبللة، تبدأ الرحلة من مترو 13 المتجه نحو مترو العاشر. هناك، بين الزحام والعابرين، تختبئ كتاباتنا الكُردية، تحمل معها ذاكرة اللغة والمنفى، كوشمٍ على جدران المترو الباردة.
إنها باريس الخريفية، عطلة نهاية الأسبوع، بوجهها المتعدد بين الفن والتاريخ. في قصر فيرساي، تمتد الأشجار كقصيدة طويلة في حديقة خضراء تُخلّد الهدوء الملكي. أما في الشانزليزيه، فالحياة تمشي بخطى أنيقة على وقع الموسيقا والضوء بشعاعها قلوبنا تهتدي.
وفي حديقة سيتروين، التي تحمل اسم الشهيد والبشمركة، تتفتح لوحة مختلفة، لوحة الكردي الذي حمل قضيته بين الجبال في كُردستان، “بارزان مه تين، قصص بطولات البشمركا، وها هو اليوم يُذكر بين الورود والألوان، في قلب مدينة النور. هناك، بين العائلات والأطفال الذين يملؤون المترو عطلة نهاية الأسبوع، تُسمع لغات كثيرة، من الفرنسية إلى الروسية، تتداخل كأنها سمفونية عالمية، حيث الحياة في باريس لا تعرف الصمت.
في محطة الشانزليزيه – كليمنصو، يلوح القصر الكبير، ومعه تُستعاد أنغام موزارت وبيتهوفن ورخمانينوف، وموسيقى الفصول الأربعة لفيـڤالدي، كأنها تعزف للفصول المتغيرة في وجوه الناس.
تصل الرحلة النهاية ،إلى محطة أندريه سيتروين، حيث يقف الزائر أمام لوحة “البشمركة”، ذكرى مقاومٍ يرقد بسلام بين لوحات الخريف، وبين أصوات الحياة التي لا تنطفئ. فتاة روسية أنيقة تتحدث بهدوء إلى صديقتها، لغتها موسيقى، ويديها تعانقان باقة من الورود البيضاء، كأنها تهدي الحياة سلاماً جديداً.
هكذا تُصبح باريس في الخريف أكثر من مدينة؛ إنها متحف مفتوح للوحاتٍ من الذاكرة والمنفى والموسيقى لوحاتٍ تُعيدنا دوماً إلى سؤال الإنتماء والجمال.







