ولات محمّد

“معظم الناس يفضلون أن يقتلهم المدح على أن ينقذهم النقد“.
نورمان فينسينت
(تنويه: يستخدم المقال ملفوظ “العمل” للدلالة على كل نشاط أو منجز بشري: كتابي، سياسي، اجتماعي، فني، عمراني… إلخ)
النقد ـ بتعريف بسيط ـ نشاط فكري يهدف إلى قراءة الموضوع المنقود (عمل، شخصية) ثم تحليله وتقييمه على هذا المستوى أو ذاك، وذلك من خلال الكشف عن العناصر التي تدخل في بنية العمل وتحديد نوعية العلاقة الناظمة بينها وكيفية بنائه، ثم البحث عن دلالات تلك العناصر وذلك البناء ووظائفه وما فيه من مواطن قبح وجمال. بمعنى أن النقد يبحث في بنية العمل ليستنطق المنظومة التي يعمل بها ويرسل وفقها رسالته للمتلقي، ليقدم (النقد) للقارئ خلاصة رؤيته لذلك الموضوع، سواء أكانت في صالح العمل أم ضده.
من المهم أن نشير في سياق أطروحة هذا المقال إلى أن النقد ليس نشاطاً ذهنياً مقتصراً على فئة تسمى “النقاد”، بل آلية تفكير بشرية عامة تبدأ مع الإنسان منذ سنوات طفولته الأولى وتظل تنمو لديه بهذه النسبة أو تلك ويظل يمارسها ما دام موجوداً على قيد الحياة. لذلك لا ينبغي النظر إلى النقد على أنه نشاط فكري خاص بفئة محددة من الناس وبمجالات حياتية معينة، وإنما هو فعالية فكرية معرفية ثقافية علمية اجتماعية دالة على البنية الذهنية والثقافية والمعرفية والفكرية لفرد أو لمجتمع ما وانعكاس لطرائق تفكيره ولطبيعة علاقاته الاجتماعية أيضاً.
بناء على ذلك يمكننا القول إن ممارسة النقد تتم على مستويين: عام وخاص. الأول تمارسه العامة في الحياة اليومية عندما يعبر أحدهم عن رأيه (سلباً أو إيجاباً) في عمل ما أو سلوك شخص ما. أما الثاني فيمارسه أفراد محددون لديهم كفاءة وأدوات تمكنهم من مقاربة موضوع ما على أسس علمية ومنهجية. الجوهري في هذا التصنيف أن كلاً منهما يوثر في الآخر ويتأثر به، كلاً منهما سبب للآخر ونتيجة له، إذ يتفاعلان في علاقة متشابكة رهيبة؛ فإذا كانت لغة النقد ولغة التخاطب المجتمعي قوامها الموضوعية واحترام الآخر بعيداً عن التسفيه والسخرية فإن لغة الناقد المتخصص ستجد نفسها تسير في الاتجاه ذاته لأنها منبثقة عنها أساساً. وإذا كانت لغة الناقد المتخصص تتسم بالموضوعية واحترام العمل وصاحبه بعيداً عن التحامل والتشهير والإحباط أو الممالأة والمحاباة والنفاق فإن ذلك سيجد صداه في لغة التخاطب المجتمعي النقدي العام أيضاً.
ما يقصده المقال بـ”ثقافة النقد” أن تكون ممارسة النقد (إرسالاً وتلقياً) حالة سائدة وطبيعية في المجتمع. وهذا يعني ـ بدوره ـ أن يتقبل المنقود رأي الناقد فيه أو في عمله، ويعني أيضاً ـ وفي المقابل ـ أن يستهدف الناقد بمقاربته تقييم الموضوع المنقود وليس الإساءة إلى العمل أو إلى صاحبه. ومن الضروري هنا مراقبة لغة النقد لأنها أحد أهم الأركان التي تقوم عليها ثقافة النقد، كما أنها تحدد إلى درجة كبيرة طبيعة ردة فعل المنقود. وعندما تتوفر مثل هذه البيئة الصحية بين الناقد والمنقود في مجتمع ما يمكننا القول إن لدى هذا المجتمع ثقافة النقد.
بغض النظر عن الجذور التاريخية والآيديولوجية لغياب ثقافة النقد لدينا فإن ما يحدث في مجتمعاتنا من كوارث وأزمات اجتماعية وسياسية وصراعات على كل المستويات يعود إلى افتقارها لتلك الثقافة، إذ يُنظر إلى أي نقد على أنه عداء وهدم وتخريب ينبغي مواجهة صاحبه بالتشويه والشيطنة والتخوين أو حتى بالإلغاء والإفناء. ومن هنا تبدأ حالة الصراع وتزداد الشقة بين من يرغب في نقد ما هو قائم وبين من لا يقبل بذلك مطلقاً ويرى فيه بداية الخراب أو بداية انهياره وانهيار مملكته “الخاصة”، سواء تمثلت هذه المملكة في دولة أم في حزب أم في مؤسسة أم في آيديولوجيا أم حتى في شخص بعينه.
أحد الأسباب التي تمنع سيادة ثقافة النقد في مجتمعاتنا يتمثل في البنية الذهنية والنفسية لدى إنساننا بصفة عامة. ومن أهم سمات هذه البنية وجود قناعة راسخة لدى الفرد عندنا بأنه دائماً على صواب وبأن عمله كامل لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، وبالتالي ينظر إلى كل من ينقد/ ينتقد أقواله وأفعاله وأعماله على أنه مخطئ ومغرض. أضف إلى ذلك حالة الازدواجية التي يعيشها الشخص نفسه؛ فقد ترى طرفاً ما (فرداً أو جماعة) يبيح لنفسه نقد الآخر بصراحة ومباشرة فاقعة إلى حد الشتم، ولكنه لا يستطيع أن يتقبل من الآخر نقداً لعمله إن لم تكن نتيجة ذلك النقد مطابقة لمزاجه، حتى ولو كان نقداً موضوعياً قائماً على البراهين والأسس العلمية والمنهجية للنقد.
من هنا قد يكون أحدهم من دعاة الرأي والرأي الآخر، ومردداً لمصطلحات ومفاهيم من قبيل الديمقراطية والتعددية والحداثة وما بعدها وتعدد القراءات ولانهائية الدلالات، وقد ينقد ويحكم بتلك المفاهيم على أعمال غيره، لكنه يتحول فجأة إلى ديكتاتور إذا أشار النقد إلى خلل ما في عمله الشخصي، فيتحول بذلك من منظر للديمقراطية وحرية الرأي والنقد إلى ديكتاتور مستبد يحاول بطريقة أو بأخرى أن يصادر رأي الناقد في نصه أو عمله وبوسائل مبتذلة أسهلها وأشهرها أن يتهم منتقده بالجهل وقلة المعرفة والكيدية والشخصنة. وهذا يظهر بجلاء أن قراءة الكتب والنظريات وحفظ المصطلحات البراقة وترديدها لا تجعل المرء حراً ديمقراطياً، ما لم تصبح تلك الأفكار جزءاً من سلوكه تجاه نفسه وتجاه الآخر، وما لم تصبح ـ قبل ذلك ـ جزءاً من ثقافة عامة سائدة في المجتمع.
الربط المباشر بين العمل المنقود وصاحبه يشكل أيضاً عائقاً في وجه سيادة ثقافة، إذ يجد الناقد نفسه (في هذه الحالة) مباشرة في موقع العداء مع الشخص صاحب الموضوع المنقود. لذا سرعان ما يتحول النقد عندنا من فعالية ثقافية تعمل على تنشيط الفكر وإصلاح الخلل إلى زعل ومعارك بين أشخاص، وسرعان ما يتحول الناقد إلى عدو في نظر المنقود، سواء أكان شخصاً أم جماعة. ومن هنا نطرح هذا التساؤل: لو أن ناقداً في مجتمعنا كتب قناعته التامة دون تحفظ فكم سيبقى له من أصدقاء؟!
المؤسف هنا أن المثقف الكاتب ذاته (الذي يدعي أنه يواجه ديكتاتورية السلطة) قد يتعامل مع النقد الذي لا يرضيه بذات الذهنية التي يتعامل بها المستبد مع ذاك المثقف. انظر مثلاً إلى حجم السخرية والتشكيك والتشهير والزعل الذي يمارسه مثقف/ كاتب ما تجاه ناقد لأن هذا الأخير انتقده بكلمة أو بجملة، أو لأنه لم يكتب عنه كما يرغب هو؛ فإذا جاءت كتابة الناقد على هوى المنقود كان في نظره ناقداً بارعاً فذاً مبدعاً، وإذا كان النقد على غير هواه أقام القيامة على رأس الناقد وجعله في عيون الناس جاهلاً متخلفاً يحتاج إلى الكثير من القراءة كي يفهم عمله الفذ. وهذه مفارقة تفضح المشهد كله وتلخصه في آن معاً.
إذن والحال هذه، كيف يمكن لناقد أن يمارس عمله كما يحب دون أن يتسبب نقده في دخوله في مهاترات أو خلافات شخصية مع أفراد أو جماعات منقودة؟ في هكذا واقع صعب ومتداخل ومعقد لا يمكن للنقد أن يؤدي دوره المفترض كما ينبغي، ولا يمكن ـ في المقابل ـ للمجتمعات أن تحقق تقدماً حقيقياً على كل الأصعدة من دون حضور مميز للنشاط النقدي بصفة عامة؛ فالمجتمعات المتحضرة لم تصل إلى هذا المستوى من الرقي في الفكر والسلوك والأخلاق والصناعة إلا من خلال تفعيل ماكينة النقد، والمصلحون الفكريون والاجتماعيون لم يكونوا سوى “نقاد” في مجتمعاتهم.
ضرورة النقد تكمن في كونه لا يعمل فقط على الكشف عن مواطن الجمال والقبح في العمل المنقود، فيشجع على الأولى ويدعو لإصلاح الثانية، بل أيضاً يعلّم المجتمع كيف ينظر إلى الأشياء وكيف يمارس الحياة وكيف يحترم رأي الآخر حتى لو كان على خطأ من وجهة نظره الشخصية، ويعلمه كذلك القناعة بأن عمله (أياً كان) ليس كاملاً وأن من حق الناقد وواجبه أن يشير إلى ما فيه من نقص أو قبح أو خلل، كما أنه من حق عمله ـ في المقابل ـ أن تُبرز مواطن الجمال والإبداع فيه، ويعلّم الفرد أن انتقاد عمله لا يعني الانتقاص من شخصه.
في المحصلة النقد أداة بِناء لا هدم، لأنه يجعل المجتمع في حركة دينامية مستمرة ويضعه في حالة تجدد وتجديد وإصلاح دائمة، كما أنه لا يمثل حالة عداء مع صاحب العمل المنقود أو تشاطر عليه، وإنما هو محاولة تكامل مع ذلك العمل بغية الوصول إلى نتاج أفضل. العالم الغربي المتحضر الحر الديمقراطي المنتج للفكر والمعرفة الذي نراه اليوم يعيش بهدوء وأمان في علاقات مجتمعية صحية، لم يصبح على هذا النحو إلا عبر تكريس ما سماه المقال “ثقافة النقد”.
النظريات والمبادئ والأسس التي نقوم باستيرادها في هذا الإطار نقوم غالباً باستهلاكها بطريقة سيئة، إذ نقبل على أنفسنا فقط التزين بقشورها البراقة، بينما نقوم بممارسة جوهرها ضد الآخر المختلف. بتعبير آخر ندعي الإيمان بتلك المبادئ والنظريات ونتباهى بها ونصفق لها، وإذا اقتضى الأمر نمارسها على الآخر دون تحفظ، ولكننا لا نستطيع أن نقبل المبادئ ذاتها على أنفسنا أبداً، ذلك لأننا ـ ببساطة ـ نفتقر إلى ثقافة النقد التي هي تربية نفسية وعقلية متراكمة قبل أن تكون تعلماً وحفظاً للمصطلحات عبر استيراد النظريات وقراءة الكتب.







