سُكوغوس- مقاطع من ديوان ” التحرش بالرعد”

سليم بركات

  (غابةٌ من ضواحي ستوكهولم حيث يقيم الشاعر)        

 

(1)

  أُقيمُ هنا.

  تقيمُ معي الأمكنةُ هنا. في سْكُوْغُوْس.

  السماءُ تقيمُ معي في سكوغوس.

  الهضبةُ الصخرُ ـ مَجْثمُ الوجودِ رطباً كأحاديث الطيرِ،

  والزمنُ الفُطْرُ في ظلال التَّنُّوبِ،

  والبحيراتُ معلَّقةً بحبالٍ من زرقةِ السماءِ فوق أشجارِ القِيْقبِ،

  والرياحُ متدليةً كأذيالِ الثعالبِ من غصونِ المياه العاليةِ في الأشجارِ المياهِ،

  والرياحُ العالقةُ وَبَراً بأوراقِ الصنوبر، هنا في سكوغوس.

 

 (2)

  الآثارُ هنا أولاً قبل الإنسانِ الأثرِ؛

  ميلادُ الأقدامِ بلا جسومٍ للعبورِ إلى الأجسادِ الآثارِ. إقامةٌ معي. إقامةٌ معَ الأيامِ متساهلةً لا تمتحنُ مع الأيامَ، ولا تحاسبُها على تقصيرٍ: نخْبُ الخنافسِ اللآلئِ على قصبِ البِرَك، والحلزوناتِ متنكِّرةً، والغربانِ البُلْقِ ـ كَهَنةِ الحاضرِ ذي الزعانفِ، والنهارِ الذي وراء الأبواب منصرفاً إلى نَظْمِ الأشعارِ الليليةِ. نخْبُ خُططِ السناجبِ، واللَّيلكِ بكوابيسهِ؛ والعقاعيقِ السخريةِ من نجوى اليمامِ لليمام نداءً إلى السِّفادِ. الطُّرُقُ كلُّها جانبيةٌ كشُكْرِ الدراجاتِ، أو كسلامِ السطوحِ في منازلِ الشِّعرِ القرميد. 

 

(3)

  أيقوناتٌ وحشيِّةٌ،

  أيقوناتُ التوتِ،

  وأيقوناتُ الكرزِ مُراًّ لا يُقتطَفُ، مُهْرقاً سواداً من المَعْس بالأقدامِ: “تنفَّسْ أيها الكرزُ من رئة البياضِ الذي دوَّخ الأزاهيرَ”

  تنفَّسْ أيها الغدُ:

              كلُّ

              غدٍ

              يستحم بالجعةِ في سكوغوس.

 

 (4)

  لا تشتعلُ الغابةُ في سكوغوس،

  بل تشتعلُ السماءُ فوق الغابة.

  لا تشتعلُ السماءُ فوق البحيراتِ،

  بل تشتعلُ البحيرات:

  الغبارُ أثاثُ الزمنِ،

  والآثارُ كلُّها على طُرُقٍ زبدٍ.

  أيامٌ كاساحاتُ ثلوجٍ،

  ومَفَاخِرُ آلاتٌ لكنْسِ الحصى آخرَ الشتاء.

  واضحٌ هذا؛

  غيرُ واضحٍ أيضاً.

  لا حبالَ لنشر الغسيل في سكوغوس،

 بل لنشر الحياة مبتلَّةً من زفيرِ الهاربِ بأرضٍ في جيبِ يقينهِ،

  والحياةُ اختباءٌ في الموتِ، مثلُها كأيةِ حياةٍ حين يتذكَّرُ البلبلُ ما ينساه التنِّين.

 

(5)

  الصعودُ إلى سكوغوسَ الهضبةِ صعودٌ إلى مَجدِ البندق،

  والنزولُ نزولٌ إلى الكستنةِ لم تُسْتَنْفَدْ قشورُها المقضومةُ. سكوغوس لا تتأخرُ عن موعدٍ،

  مُذ هي المكانُ مقيماً معي في الساعةِ الجبليةِ،

  ومُذ هي العزلةُ إقامةً في المكانِ معي،

  وهي المنحَدراتُ برؤوسٍ متكئةٍ على أكتافِ المنحدرات.

  أيامُها الرمالُ المتحركةُ،

  وسماؤها السماءُ المستريحةُ على قمم الغاباتِ مائلةَ الشجرِ بأكتافها عليَّ.

 

 (6)

  الشهورُ؛

  لا شهورَ أقسى في سكوغوسَ، بلِ الذهبُ الأقسى،

  والقُبلُ الأقسياتُ،

  والهواءُ التراتيلُ القاسيةُ،

  والرنينُ الأقسى للملاعقِ في الصحونِ الخزفِ،

  والنظرةُ الأخيرةُ الأقسى ـ نظرةُ الغريبِ يُلقيها من سفحِ النهارِ إلى بساتين الليلِ أسفلَ السفوح.

  البيوتُ السلاحفُ الصيفية بأحلامها الوسائدِ،

  وفُرُشُها النزيفِ في سكوغوسَ. لا يُصغى

       في سكوغوسَ

       إلى ملحٍ

       لهُ صوتُ

       السُّكَّر،

  أو إلى سُكَّرِ له صوتُ الملحِ،

  أو إلى نباحٍ كنباحِ الشمسِ وهي تذوبُ في قَدَحٍ الغيومِ،

  أو إلى قبضةِ الملاكم في القفازِ،

  بل إلى صوتِ قبضته العارية.

  لا يُصغى إلى السماءِ مسقوفةً بزفير المَتَاجرِ،

  بل إلى همس الأمشاطِ مكسورةً يُسرِّحُ بها البرقُ شَعرَ الغابةِ. كلُّ شَعْرٍ مسرَّحٌ في سكوغوسَ بمشطٍ من رفيفِ جناحيْ قُرْقُفٍ.

  ويُصغى إلى الأشباح محظوظين بالشتاءِ الإعصارِ،

  وبالنفخ القاسي من الشتاءِ في الأرحامِ: حَبَلٌ

             مائيٌّ

            في سكوغوس.

 

 (7)

  أشجارٌ على مقاسِ الساعاتِ رنيناً في الفجرِ،

  للنهوضِ إلى أشغالٍِ في مَزَارعِ الريح.

  أحزانٌ بلا مخالبَ،

  وأسِرَّةٌ لا ينام عليها أحدٌ، في سكوغوس.

  أفيالٌ في سكوغوسَ بخراطيمَ من أغصانِ التنُّوبِ،

  وأعمارٌ تتراجعُ متراخيةً، تلزمُها مقاودُ الكلابِ في المشي بخيالِ الخائفِ من وحدتهِ.

  والكلابُ كُثرٌ في المكان الذي يقيم إلى جواريَ. المستنقعاتُ النجومُ كُثُرٌ في أعالي المكانِ الذي إلى جواريَ. النِّصالُ الجليدُ منزلقةً عن أحفةِ السطوحِ كُثرٌ.

  بحيراتٌ طبولٌ،

  وضياءٌ بمزاجٍ معتكرٍ،

  وغمامٌ قنافذُ على ضفافِ البحيراتِ،

  وأصدافٌ ترصدُ أخطاءَ الماءِ،

  والفضاءُ!! هو الفضاءُ الحَلَمَةُ في ضرعِ الكون.

 

 (8)

  أحلامٌ وسائدُ بلا حشوٍ،

  وأسِّرةٌ مكسورةُ القوائم في المكان الذي يجاورني على حافةِ سكوغوسَ. أُعطيتُ ما لا يُعطى الأمكنةَ مهاجرةً مع المهاجرِ، والوقتَ أُعطيتُ دافئاً بالنظرِ إلى قدميَّ في الجليدِ. الدخولُ صعبٌ إلى الزمنِ في سكوغوس، والخروجُ سهلٌ.

  إنْ لم تجد ما تهديه في سكوغوسَ إلى إلهٍ،

  أوقفْ لعبكَ الصبيانيَّ بخرزِ العقل.

  

(9)

  نزولُ الزمنِ إليكَ على السلالمِ الصخرِ ـ

  مستحماًّ معكَ حيثُ تستحمُّ الأمكنةُ بعد تعبٍ من أشغالها الزمنيةِ ـ

  نزولٌ إلى التوازنِ بقدمين في القيودِ. الرطوبةُ قاسيةٌ في سكوغوسَ.

  الشجرةُ قاسيةٌ على نفْسِها.

  الثلجُ قاسٍ على نفْسِه.

  الورقُ متدحرجاً على الأرضِ، في الخريفِ، قاسٍ على الأرض يُذكِّرُها بما لا تريد.

  الحياةُ قاسيةٌ على نفْسها بالظرافةِ اللامعهودةِ للحياة.

  العدمُ قاسٍ على نفْسه بقبولهِ الأدوارَ هزليةً كلَّها على منصَّةِ الفَنَاءِ المسْرحِ،

  والجنونُ مُشاعٌ مع السناجبِ،

  راضٍ باللمسِ من أذيالها على خصيتيه.

 

 (10)

  الفجرُ عشوائيٌّ،

  يتدبَّرُ المساءَ مَخْرَجاً من أحواله،

  والأسماكُ البيْضُ دموعُ البحيرة إصغاءً إلى غَزَلِ الريحِ في سكوغوس.

  هذا تخميني ـ تخمينُ الأمكنةِ كلِّها إلى جواري في سكوغوس،

  وتخمينُ النهار يُؤكلُ فطيرةً غُمِستْ في قَطْر القيقبِ،

  وتخمينُ الرمادِ نثرتْهُ مكانِسُ الحرائق على الأهدابِ،

  وتخمينُ الآلهةِ في الشفاهِ التي ابتكرتِ القُبَل.

  تُعْرَفُ في سكوغوس سماؤها تُطوى مع الثيابِ في الحقائبِ.

  يُعرفُ الجوَّالونَ في غاباتها بسماءٍ مطويَّةٍ في الحقائبِ على ظهورهم.

  وبسيطٌ فهْمُ الكُليِّ للمتنبِّهِ أن الفراشةَ تمحو سطوراً من ذاكرةِ الزهرةِ إخفاءً لجرائمِ الفراشات.