ابراهيم إبراهيم

التحدي الذي يواجه الإعلام الكردي لا يكمن في إثبات وجوده، بل في إعادة تعريف ذاته، فبين إعلام يُستخدم كأداة أيديولوجية، وإعلام يُبنى كحقل معرفي ثقافي اجتماعي، تتحدد ملامح مستقبل المجتمع. وإذا لم تتحول مناسبة عيد الصحافة من احتفال بالذاكرة إلى ممارسة نقدية للواقع الإعلامي ومسيرته المرتَبَكة لا بل والخجولة في سياق العملية الإعلامية الحديثة، فإنها ستظل مجرد تكرار رمزي لتاريخ لم يُستكمل بعد، بدل أن تكون لحظة وعي تؤسس لما ينبغي أن يكون.
إن الفعاليات الثقافية لا تكتسب قيمتها من طابعها الاحتفالي فحسب، بل من قدرتها على استعادة معناها التأسيسي وتفعيل دلالاتها في الحاضر. وفي هذا السياق، يأتي عيد الصحافة الكردية، الذي يصادف في 22 نيسان من كل عام، بوصفه محطة رمزية تعود جذورها إلى صدور أول صحيفة كردية، كردستان، في القاهرة عام 1898، على يد العائلة البدرخانية، بما تمثله هذه اللحظة من وعي مبكر بدور الصحافة في بناء المجال العام الكردي.
غير أن هذا البعد التأسيسي، بكل ما يحمله من دلالات تاريخية ومعرفية، لا يجد انعكاسه الكافي في طبيعة الفعاليات المعاصرة التي تُقام بهذه المناسبة. إذ تكشف المتابعة النقدية عن اختلال واضح في مقاربة الصحافة، حيث يتم التعامل معها بوصفها رمزًا هوياتيًا أو أداة تمثيل قومي، لا كحقل معرفي مستقل يستوجب التحليل والتفكيك والمساءلة
في هذا الإطار، تغيب المقاربات العلمية التي تتناول الإعلام بوصفه منظومة مركّبة تتقاطع فيها الأبعاد المهنية والتقنية واللغوية والجمالية، لتحل محلها سرديات احتفائية تركز على استعادة تاريخ الصحف والمجلات، وتُعلي من شأن الإنجاز الكمي على حساب التقييم النوعي. وهنا تتحول المناسبة من فرصة للنقد والتطوير إلى طقس رمزي يعيد إنتاج ذاته دون مساءلة.
وإذا ما استعرنا مفهوم “المجال العام” لدى يورغن هابرماس، فإن الصحافة تُفهم بوصفها فضاءً للنقاش العقلاني الحر، تُنتج فيه الآراء من خلال التداول والنقد، لا من خلال إعادة إنتاج الخطاب الجاهز. غير أن ما يحدث في كثير من هذه الفعاليات يشير إلى غياب هذا البعد التداولي، حيث يتم استبدال النقاش العقلاني بخطاب أحادي الاتجاه، أقرب إلى التلقين منه إلى الحوار.
أما من منظور بيير بورديو، فإن الحقل الإعلامي يُفترض أن يمتلك استقلاليته النسبية، ويخضع لقواعد داخلية تحكمه، مثل الكفاءة المهنية ورأس المال الرمزي. غير أن هذا الحقل، في السياق الذي نتناوله، يبدو خاضعًا بدرجة كبيرة لمنطق خارجي، يتمثل في الهيمنة الأيديولوجية والتمويل السياسي، ما يفقده استقلاله ويحوّله إلى مجال تابع، يُعاد تشكيله وفق مصالح القوى المؤثرة فيه.
ويتقاطع ذلك مع تحليل ميشيل فوكو للعلاقة بين المعرفة والسلطة، حيث لا يُنتج الخطاب بمعزل عن شبكات القوة، بل يتشكل داخلها. وفي هذا المعنى، فإن الإعلام الذي يُفترض أن يكون أداة لكشف الحقيقة، يتحول إلى جهاز لإعادة إنتاج خطاب السلطة، حين يُخضع نفسه طوعًا أو قسرًا لشروطها. ضمن هذا السياق البنيوي، يمكن فهم ظاهرة اختزال الإعلام إلى مجرد نقل للخبر أو إعادة إنتاجه ضمن مشهد استعراضي أقرب إلى منطق “الأكشن” منه إلى منطق التحليل والمعرفة. فهذا الاختزال ليس خللًا تقنيًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لبنية إعلامية تُدار وفق منطق الولاء لا منطق الكفاءة، وتُنتج خطابها ضمن حدود مرسومة سلفًا.
ويتفاقم هذا الإشكال حين نأخذ بعين الاعتبار طبيعة الكادر الإعلامي في بعض التجارب، حيث لا يستند جزء معتبر من العاملين في هذا المجال إلى تكوين أكاديمي متخصص، بل يدخلون إليه عبر الانتماء الأيديولوجي أو القرب من مراكز القرار. وهنا تصبح صفة “الإعلامي” نتاج علاقة سياسية لا مسارًا معرفيًا، الأمر الذي ينعكس سلبًا على جودة المحتوى، وعلى القدرة على إنتاج خطاب نقدي مستقل.
كما أن هذه البنية تُنتج، بالضرورة، نمطًا إداريًا تابعًا، يفتقر إلى مقومات الإدارة الحديثة، من تخطيط استراتيجي، وإدارة موارد، وتقييم أداء، وتطوير مستمر. فالإدارة هنا ليست مؤسسة قائمة على المعرفة، بل امتداد لشبكات النفوذ، وهو ما يحدّ من قدرتها على تحقيق شروط النجاح أو بناء نموذج إعلامي قابل للاستمرار.
إن اختزال عيد الصحافة الكردية في هذا الإطار الاحتفالي الضيق، يُفرغ المناسبة من بعدها النقدي، ويحولها من فرصة لمساءلة التجربة الإعلامية إلى مناسبة لتكريس اختلالاتها. ومن هنا، فإن استعادة المعنى الحقيقي لهذه الذكرى لا يمكن أن تتم إلا من خلال إعادة توجيهها نحو أفق نقدي، يُعيد الاعتبار للإعلام كحقل معرفي مستقل، قائم على الكفاءة، والاستقلال، والمعيارية.
*إبراهيم إبراهيم– الدنمارك







