العدميّة الناعمة في العصر الرقمي: حين يفقد المعنى ثقله..

خضر سلفيج

 في زمنٍ يبدو فيه كل شيء قابلًا للقول، لم يعد السؤال: ماذا نقول؟ بل: لماذا نقول أصلًا؟
هنا يبدأ الخطاب العدمي، لا بوصفه فلسفةً مكتملة، بل كحالة يومية تتسرّب إلى لغتنا، إلى تعليقاتنا، إلى ضحكنا، وحتى إلى صمتنا. إنه ذلك الشعور الخفي بأنّ المعنى لم يعد ضروريًا، أو أنه، في أفضل الأحوال، لم يعد ممكنًا كما كان يُفترض.

لكن هل العدمية اليوم موقف فكري؟ أم أنها أسلوب حياة لغوي؟

في الماضي، كانت العدمية تُطرح كصراع فلسفي مع المعنى: هل للحياة غاية؟ هل للأخلاق أساس؟ هل يمكن للإنسان أن يثق بأي حقيقة ثابتة؟ أمّا اليوم، فقد خرجت العدمية من الكتب الثقيلة إلى الجمل الخفيفة، من الفلسفة إلى اليومي، من السؤال الوجودي إلى النكتة العابرة. لم تعد تقول: “لا معنى للحياة”، بل تقولها بطريقة أكثر خفاءً: “كل شيء متشابه”، “لا فرق”، “لا جدوى”، “دعها تمضي”.

وهنا تحديدًا يحدث التحوّل الخطير: حين يصبح فقدان المعنى أمرًا عاديًا لا يثير القلق.

نعيش اليوم في خطابٍ مزدحم، لكنه متعب. كلمات كثيرة تُقال، لكن قليلًا منها يُقصد. كأن اللغة فقدت ثقلها الوجودي، وصارت أقرب إلى حركة سطحية فوق واقعٍ لا يُمس. نكتب أكثر، نتحدث أكثر، نعلّق أكثر، لكننا نفهم أقل، أو ربما نشعر أقل.

هل يمكن للإنسان أن يفرط في الكلام حتى يفقد قدرته على المعنى؟

في الفضاء الرقمي، تتجلى العدمية بأوضح صورها: كل شيء قابل للاستهلاك السريع، حتى الألم. مأساة اليوم تُستبدل غدًا بمأساة أخرى، والصورة الصادمة تفقد صدمتها بمجرد تمرير الشاشة. حتى اللغة نفسها تصبح “محتوى”، أي شيئًا صالحًا للاستهلاك لا للتأمل.

في هذا السياق، لا يعود السؤال: هل هذا صحيح أم خاطئ؟ بل: هل هذا مثير للاهتمام؟
وهنا تحديدًا تبدأ العدمية الناعمة، التي لا تنكر المعنى، بل تستبدله بالإثارة اللحظية.

لكن، هل الإثارة شكل جديد من العدم؟

الخطاب العدمي المعاصر لا يعلن نفسه كعدمية. إنه لا يرتدي السواد، ولا يرفع شعارات الإنكار. بل يظهر أحيانًا في شكل سخرية دائمة، أو لا مبالاة ذكية، أو وعي مفرط يُشبه البرود. كأن الإنسان يقول: “أنا أفهم كل شيء، ولذلك لا شيء يستحق”. هذه الجملة، في عمقها، ليست قوة، بل إنهاك وجودي متقن.

ما الذي يحدث حين يصبح الفهم نفسه سببًا للتخلي؟

هناك فرق خفي بين الوعي والمعنى. قد نفهم العالم أكثر من أي وقت مضى، لكننا لا نمنحه قيمة بالقدر نفسه. نحلّل، نفسّر، نفكك، لكننا لا نعيش بالضرورة ما نفككه. كأن العقل يتقدم خطوة، بينما القلب يتراجع خطوتين. وهكذا يتسع الفراغ بين المعرفة والوجود.

هذا الفراغ هو التربة التي ينمو فيها الخطاب العدمي: ليس لأنه يرفض الحقيقة، بل لأنه يشك في جدوى أي حقيقة.

في السياسة، يتجلى هذا الخطاب في لغة فقدت ثقتها بنفسها. وعود تُقال دون انتظار تصديق، وشعارات تُستهلك قبل أن تُفهم، وخطابات تبدو أحيانًا كأنها تُبنى لا لتقنع، بل لتملأ الفراغ فقط. وفي الإعلام، تتكرر المأساة حتى تفقد معناها الأخلاقي، وتتحول إلى رقم ضمن تدفق لا ينتهي.

فهل يصبح التكرار شكلًا من أشكال نفي الألم؟

في الحياة اليومية، تتسلل العدمية إلى العلاقات أيضًا. عبارة “كل شيء مؤقت” التي تبدو حكيمة، تتحول أحيانًا إلى ذريعة لعدم الالتزام، أو لتخفيف ثقل المسؤولية العاطفية. وهكذا، يُستخدم الوعي بالزوال ليس لتعميق المعنى، بل لتقليل أثره.

لكن، هل إدراك الفناء يجب أن يقود دائمًا إلى البرود؟ أم يمكن أن يقود إلى كثافة أعمق في العيش؟

ربما المشكلة ليست في العدمية ذاتها، بل في تحولها إلى راحة فكرية. إلى مساحة لا تُطالبنا بشيء: لا بالمعنى، لا بالموقف، لا بالالتزام. إنها مساحة مريحة، لكنها مقلقة في الوقت نفسه، لأنها تُفرغ الوجود من ثقله دون أن تقدم بديلًا.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن في العدمية لحظة صدق قاسية: حين يتكسر الوهم القديم حول المعنى الجاهز، وحين يُجبر الإنسان على مواجهة سؤال: ماذا لو لم يكن هناك معنى مُسبق أصلًا؟

هذا السؤال، رغم قسوته، قد يكون بداية جديدة، لا نهاية.

لكن الخطورة تبدأ حين يتحول هذا السؤال إلى إجابة نهائية: “لا يوجد معنى، إذًا لا حاجة للبحث”. هنا تتجمد الحركة، ويتحوّل الشك إلى استسلام، والفلسفة إلى انسحاب هادئ من العالم.

في المقابل، هناك خطاب آخر يحاول أن يقاوم: خطاب لا يدّعي امتلاك الحقيقة، لكنه يرفض التخلي عن السؤال. خطاب يرى أن المعنى ليس شيئًا موجودًا مسبقًا، بل شيء يُبنى، يُهدم، ويُعاد بناؤه باستمرار. هذا الخطاب لا ينفي العدم، لكنه لا يسمح له بأن يكون الكلمة الأخيرة.

ربما نحن اليوم بين خطابين: خطاب يُغري بالانسحاب، وخطاب يُصرّ على الاستمرار رغم الغموض. بين أن نقول “لا شيء مهم”، وأن نسأل “كيف يمكن أن يكون هناك شيء مهم رغم كل هذا؟”.

وهنا تحديدًا، لا تعود المسألة فلسفية فقط، بل إنسانية بامتياز.

لأن الإنسان، في النهاية، لا يعيش بالمعنى الكامل، بل بالبحث عنه. حتى حين يشك، حتى حين يتعب، حتى حين يميل إلى الصمت. وربما الخطر الحقيقي ليس في العدمية، بل في توقف السؤال.

فمتى نتوقف عن السؤال، نكون قد بدأنا بالفعل في الاختفاء، حتى ونحن ما زلنا نتكلم.

 ——

خضر سلفيج: شاعربريطانيا