«سوبارتو» لحليم يوسف: رواية البلاد التي تلتهم الحب

إبراهيم إبراهيم- الدنمارك *

يمتد العالم الروائي الكردي السوري حليم يوسف من النهر وقصصه إلى النهر وزكام زبده الممتد من ” سوبارتو ” ما قبل التاريخ إلى ” عامودا ” مابعده، حليم أوطان تسكنه مفردات وصور ومشاهد وموسيقى وأرواح وغيوم وأمطار ووطن واحد لسليمان وبلقيس . إنها بلاد تتجاور فيها الأسطورة والخراب، القرى والحرائق، الحب والخوف، والمدن التي ترتدي جنون الفوضى والشغب. نساؤه جميلات إلى حدّ لا تكفيهن قصائد المليون شاعر، ولا لوحات روما واشبيلية ولا حلب والشام. في قلب ذلك أو أبعد بقليل يقف حليم يوسف بوصفه ذلك الطفل الروائي البارع الذي تحدّى شراسة العشق والخوف، لتتعرى ” بلقيس ” أما الله ولهفة “سليمان ” سوبارتو .
” بلقيس “، ” سليمان ” بشر استثناء في مدينة الاستثناء كل منهما يتحرك داخل بلاد تتفق بكل أشيائها، تتساقط فيها أحلام الأطفال الذين غابوا مع رحيل الغيمة البيضاء ..!!
تحمل رواية “سوبارتو” حليم يوسف طاقة سردية كثيفة لا تكتفي بحكي الوقائع، بل تسعى إلى إعادة خلق العالم من الداخل؛ عالم القرية والمدينة، الخوف والجسد، الدين والفقر، السلطة والحب، كما تتشكل جميعها في وعي شخصيات مأهولة بالأسئلة والكوابيس والرغبات. ومنذ صفحاتها الأولى، لا تبدو الرواية مجرد سيرة طفولة أو حكاية حب، بل مشروع بناء كون روائي له قوانينه الخاصة، تتحول فيه التفاصيل اليومية الصغيرة إلى رموز اجتماعية ونفسية وسياسية عميقة.
في الباب الأول، تبدو القرية أكثر من مجرد خلفية للأحداث؛ إنها كائن حيّ يتنفس بالخرافة، ويضبط أفراده بالخوف الجماعي، وتتشابك داخله السلطة الأبوية مع الدين الشعبي والحزب والطبقة والجسد. لذلك لا تكمن قوة هذا الباب في الحدث كمركز ثقل بل في المناخ الذي يصنع الحدث، وفي الطريقة التي تُرى بها الأشياء من عين السارد. فالدراجة ليست مجرد وسيلة نقل، و«كيس البطاطا» ليس لقباً ساخراً فحسب، و«الأنسة» ليست معلمة عابرة، و«بلقيس» ليست فتاة جميلة فقط، بل تتحول هذه العناصر كلها إلى علامات كاشفة لبنية المجتمع ولتشكل الوعي داخله.
يمتلك السارد في هذا الباب حساسية بصرية عالية وقدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز. كما ينجح النص في إنتاج ما يمكن تسميته الواقعية الكابوسية، حيث يتجاور الواقعي والمتخيل:
العقارب والجن، الأحلام والجسد، الدين والرغبة، الخوف واللذة. فالواقع لا يُقدَّم بوصفه واقعاً موضوعياً، بل بوصفه واقعاً نفسياً مشوهاً بعيون طفل يتلقى العالم عبر الخوف والرغبة والأسطورة. والأهم أن الرواية في بدايتها لا تكتب الأحداث بقدر ما تكتب تشكل الوعي. نحن أمام طفل يكتشف السلطة عبر الأب والحزب والمعلم، ويكتشف الجسد عبر الرغبة والخوف والفضيحة، ويكتشف الدين عبر الملا والطقوس والكوابيس، ويكتشف الطبقة عبر الفقر والمال والأنسة وأبناء “البرجوازية”، ثم يكتشف الحب بوصفه خلاصاً شخصياً في عالم مأهول بالقبح. وهذا المسار يمنح الرواية عمقها الحقيقي، لأنها لا تقدم وعياً جاهزاً، بل تتابع ولادة هذا الوعي بتناقضاته وعثراته وخيباته.
لغة الرواية هنا واحدة من أبرز عناصرها وأكثرها خطورة في الوقت نفسه. فهي لغة شاعرية، كثيفة، مفعمة بالصور والاستعارات والانفعالات. يمتلك الكاتب حساً شعرياً واضحاً، ويعرف كيف يصنع جملة حية ومشحونة بالعاطفة، خصوصاً في وصف الحب والخوف والكوابيس والذاكرة الريفية. غير أن هذه القوة نفسها تتحول أحياناً إلى عبء، حين تصبح اللغة فائضة أكثر من اللازم، أو حين تتكدس الصور داخل الجملة الواحدة حتى تكاد تخنق الحركة السردية. كما يميل النص أحياناً إلى التكرار الموضوعي والانفعالي، خاصة في وصف الخوف والجسد والهواجس الدينية والانبهار بالأنسة أو بلقيس. وهذا لا يفسد النص، لكنه يكشف حاجة إلى تحرير فني يخفف الحشو ويبرز اللحظات الأقوى.
ومع ذلك، فإن ما يمنح الرواية تميزها الحقيقي هو جرأتها، فهي لا تهاجم السلطة بشكل مباشر أو دعائي، بل تكشف كيف تتغلغل السلطة في تفاصيل الحياة اليومية:
في اللغة، والمدرسة، و الدين، في الجسد، و الحب، وحتى في الأحلام يظهر الحزب كبديل ديني جديد، ويتحول الدين أحياناً إلى نظام خوف جماعي، ويصبح الجسد ساحة للصراع الاجتماعي والأخلاقي. ومن داخل هذا العالم تدخل بلقيس بوصفها وعداً بالخلاص والجمال، لا مجرد حبيبة، إنها رمز للطهارة والدهشة الأولى والحياة الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تظل محاطة بالخوف والقداسة والأسطرة.
في الباب الثاني، تتقدم الرواية خطوة أبعد نحو تعرية الخراب الداخلي لمدينة تحكمها الخيبة والخوف والأدلجة، وهو ما يعلنه العنوان الصادم: “بلاد لا يستطيع العيش فيها سوى الحيوانات والخونة”. فهذا العنوان ليس مجرد استفزاز لغوي، بل مفتاح لفهم العالم الروائي كله، حيث تتحول المدينة إلى فضاء طارد للحب والبراءة والاختلاف.
هنا يجعل الكاتب الشخصيات تتكلم بلسان جيل كامل يعيش الانكسار. فـــ ” صابرو ” لا يبدو مجرد عاشق، بل شاب ممزق بين رغبته في الحياة وبين مدينة تسحق أحلامه. لذلك تأتي عبارته:
ويا بلقيس، يا ابنة الأحلام، ما جدوى أن نحب في بلاد لا يسلم الحديد فيها من الاحتراق..
بوصفها واحدة من أكثر الجمل تعبيراً عن روح الرواية؛ فالحب هنا لا يقف في مواجهة المجتمع فقط، بل في مواجهة الخراب العام الذي يطال حتى الأشياء الجامدة. ويرتبط الحب دائماً بالخوف والرقابة. علاقة بلقيس وصابرو تتحرك تحت عين الحزب والعائلة والمدينة. وحين يقول صابرو:
أحبكِ… وسأظل، لا أريد منكِ إلا كلمة واحدة” فإنه يبدو كمن يتمسك ببقايا نجاة أخيرة داخل عالم يتداعى.
ومن أبرز ما يميز هذا الباب نجاح الكاتب في تحويل الحوارات السياسية إلى جزء عضوي من السرد، لا إلى خطب مباشرة. ففي الندوات الحزبية يختلط الحماس بالسخرية والانكسار، خصوصاً في خطاب ديوبرزان:
“دفاعاً عن الحب، أيها الكبار… لا كما ترغبون، تعلن لكم… رغم استنكاركم لقصايانا واستمراركم بمشاكلنا المزمنة…” هنا يتحول الحب إلى موقف احتجاجي ضد السلطة الاجتماعية والسياسية معاً، وكأن الرواية تريد القول إن الدفاع عن المشاعر الإنسانية بات فعلاً معارضاً.
كما ينجح النص في تصوير التحول النفسي للشخصيات عبر الجسد والمرض والإنهاك. فبلقيس لا تعيش الحب بوصفه حالة رومانسية فقط، بل كحالة قلق دائم واختناق داخلي. ويستخدم الكاتب تفاصيل الحمى والإغماء والانهيار العصبي ليجعل الجسد مرآة لعطب المجتمع نفسه. أما شخصية ))أبو عفشة(( فتظهر بوصفها نموذجاً للسلطة الرمادية التي تتحكم بالناس عبر الخوف والولاء الحزبي، بينما تكشف شخصية «الأستاذ» عن التناقض بين الخطاب الأخلاقي والسلوك الواقعي، بما يجعل المدينة قائمة على الازدواجية والقمع المقنّع. لغوياً، يحافظ الكاتب على نبرة شاعرية، لكنه يقترب هنا أكثر من الواقعية السوداء. فعبارات مثل:
“رفقاً بقلبي يا حجارة الأرصفة” و “ما هو جسدي يسافر وحده، وقلبي يرفض مغادرة بلاد تسكنها بلقيس”
تكشف قدرة النص على الجمع بين الشعر والألم السياسي دون افتعال. وهكذا لا يكتفي الباب الثاني بتطوير الحكاية، بل يوسّع أفق الرواية لتصبح شهادة على جيل يعيش بين الحب والحزب والمنفى الداخلي.
أما الباب الثالث، المعنون بـــ )) بلاد سقطت من عربة التاريخ فقطعتها الجغرافية من أذنها ((، فيشكل نقطة تحول كبرى في البناء السردي والنفسي. وإذا كانت الأبواب السابقة قدّمت الشخصيات وهي تحاول اكتشاف العالم والحب والمدينة، فإن هذا الباب يكشف سقوط تلك الأحلام تحت ضغط السياسة والجسد والذاكرة والموت. العنوان نفسه يضع القارئ أمام وطن خارج الزمن، لا يعاني من أزمة سياسية فقط، بل من اقتلاع تاريخي وحضاري؛ فالجغرافيا تتحول إلى قوة عقابية تقطع “الأذن”، أي تعزل البلاد عن الإصغاء للعالم والتاريخ والإنسان. يفتتح السارد هذا الباب بوصف الحياة الجامعية في سوبارتو، لكنه لا يقدمها كفضاء معرفي حر، بل كامتداد للخوف السياسي والاجتماعي. يقول:
شعرت بالغربة بينهم عندما تأكدت من أن للأحزاب يداً حتى في سكن الطلبة.
هذه العبارة تكشف تغلغل السلطة الحزبية حتى في التفاصيل اليومية الصغيرة، بحيث لا يعيش الطالب حياته الفردية بحرية، بل داخل شبكة مراقبة وانتماءات ضيقة. لذلك تتحول الجامعة من مكان للحلم إلى مكان للعزلة النفسية.
تحتل بلقيس مركز الثقل العاطفي في هذا الباب، فهي ليست مجرد حبيبة، بل تمثل لدى السارد الحلم بالنقاء والخلاص من العنف الداخلي. ومن أكثر الحوارات دلالة قولها: أريد أن أظل نظيفة، نظيفة، لا أريد أن أخطئ.
في هذه الجملة يتكثف مأزق المرأة في مجتمع محافظ، فهي لا تخشى الحب ذاته، بل تخشى “ الخطأ ” كما يعرّفه المجتمع لذلك يظهر الجسد في الرواية بوصفه ساحة صراع بين الرغبة والذنب، لا مساحة حرية كاملة.
ويتميز هذا الباب بلغة حسية كثيفة، حيث يعتمد الكاتب على وصف الجسد واللمس والأنفاس والارتجاف، لكنه لا يفعل ذلك بهدف الإثارة، بل للكشف عن هشاشة الشخصيات النفسية. ففي مشاهد العلاقة الحميمة يمتزج الحب بالخوف والندم والانكسار. الجسد هنا ليس انتصاراً للرغبة، بل محاولة يائسة للهروب من الوحدة. ولهذا تتكرر مشاهد البكاء والانهيار بعد لحظات القرب الجسدي. ومن أكثر المقاطع تأثيراً ذلك الاعتراف الطويل:
أبكي على دينو… أبكي على نفسي… أبكي لأنني سأموت… أبكي على سوبارتو… أبكي لأنسى… أبكي لأبكي.
التكرار هنا ليس زخرفة لغوية، بل تفكك نفسي حقيقي، حيث يصبح البكاء اللغة الوحيدة الممكنة بعد عجز الكلمات عن تفسير الخراب الداخلي.
وتقدم الرواية شخصية «نرجس» بوصفها نموذجاً آخر للمرأة التي يسحقها الواقع الاجتماعي والسياسي. يقول السارد:
” عرفت جيداً أنه بعد خسارته الفادحة في حب ترجين بإمكانه الدخول في أية علاقة “.
تكشف هذه العبارة أن الخسارة العاطفية لا تجرح القلب فقط، بل تغيّر البنية الأخلاقية والنفسية للإنسان، وتجعل العلاقات اللاحقة أقل نقاءً وأكثر هشاشة. أحد أهم إنجازات هذا الباب هو الربط بين الخاص والعام. فالحب لا يجري في فراغ، بل داخل عالم مهدد بالموت والانفجار. ويتجلى ذلك بوضوح في مشهد العرس الدموي:
«اخترقت الطلقات رؤوس وأجساد المحتفلين».
هنا يتحول الفرح إلى مجزرة، والعرس إلى جنازة جماعية. كما أن صورة العروس التي بقيت «تراقب بذهول القتلة المدججين أمامها» تمنح المشهد بعداً رمزياً؛ فالعروس تبدو كصورة للوطن نفسه: جميل، أعزل، ومحاصر بالعنف.
وفي الصفحات الأخيرة من هذا الباب يتحول الحريق إلى رمز شامل للانهيار الحضاري والإنساني. يقول السارد:
«دخان الحريق… دخان بطانيات السجن المحروقة… دخان النجوم الذائبة في السماء».
الدخان يغطي السجن والمدينة والسماء والذاكرة، وكأن الشخصيات لم تعد تعيش داخل وطن، بل داخل رماد دائم. وتبلغ الرواية ذروتها الرمزية حين يطرح السارد سؤال الكتابة نفسها:
«لماذا تكتب؟ ما جدوى الكتابة عندما يحترق الناس وتحترق الأمكنة؟»
إنه سؤال وجودي يشكك حتى في وظيفة الأدب أمام المأساة الإنسانية.
وتأتي نهاية الباب شديدة الحزن، حين يقول السارد:
«ويبدو أنني فقدتك فعلاً يا بلقيس، فقدتك… شعوري، فقدت الشرف».
إنه اعتراف بسقوط الذات الكامل، ففقدان بلقيس يتحول إلى فقدان للهوية والكرامة والتوازن النفسي. ثم تأتي العبارة الأكثر تأثيراً على لسان سليمان:
«أريد أن أبكي».
هذه الجملة تختصر الباب كله: بعد العنف والحب والخسارات، لا تطلب الشخصيات الانتصار أو الخلاص، بل القدرة على البكاء؛ أي الاحتفاظ بما تبقى من إنسانيتها.
في الباب الرابع، ينتقل النص إلى مستوى آخر من تفكيك الداخل الإنساني. الرواية هنا لا تُبنى على الحبكة التقليدية بقدر ما تُبنى على التدفق النفسي ومراقبة التشققات الدقيقة في الروح والجسد والذاكرة. وهذا يمنح النص خصوصيته، لكنه يضعه في الوقت نفسه أمام تحديات فنية كبيرة.
أبرز ما يلفت في هذا الباب أن اللغة ليست مجرد أداة نقل، بل جزء من الحالة النفسية ذاتها. هناك قدرة واضحة على خلق مناخ عاطفي كثيف، خاصة في المقاطع التي يمتزج فيها الجسد بالحزن والاغتراب والحنين. ينجح النص في بناء توتر نفسي مستمر، وجعل الجسد مرآة للقلق الروحي، وتحويل الحوار إلى اعتراف داخلي أكثر منه تبادلاً للكلام، وخلق شعور دائم بأن الشخصيات تهرب من شيء لا تعرفه تماماً.
شخصية سليمان مرسومة بوصفها شخصية مأزومة داخلياً، تعيش بين الرغبة والذنب والحنين والبحث عن خلاص مستحيل. أما سيلفا فليست مجرد امرأة عابرة، بل تبدو استعارة للخلاص، أو محاولة لترميم الروح، أو تعويضاً عن انكسار قديم. العلاقة بين سليمان وسيلفا ليست علاقة حب بسيطة، بل علاقة إنقاذ متبادل، وتعلق مرضي أحياناً، ومحاولة للهروب من العطب الداخلي. ومع ذلك، تظهر هنا ملاحظة نقدية مهمة:
أحياناً تتحول الشخصيات إلى أصوات متشابهة نفسياً وفلسفياً. أي أن سيلفا وسليمان يتحدثان بوعي قريب، وباللغة الداخلية نفسها تقريباً، وبالدرجة ذاتها من التأمل، وهذا يضعف التمايز الدرامي بين الشخصيات. كان يمكن منح سيلفا لغة أكثر استقلالاً، وإيقاعاً نفسياً مختلفاً، وردود فعل أكثر تناقضاً، لكي تصبح شخصية حية بالكامل لا مجرد امتداد لوعي الراوي.
الجسد في هذا الباب ليس للإثارة الرخيصة، بل يحمل وظيفة رمزية ونفسية واضحة. إنه ذاكرة، وخوف، وعزلة، ومحاولة لاستعادة الحياة. غير أن بعض المشاهد الجسدية تطول أحياناً إلى درجة تبطئ السرد. فبعض المقاطع كان يمكن اختصارها دون خسارة شعورية، لأن التكرار قد يجعل التأثير أضعف بدل أن يجعله أعمق.
أقوى ما في هذا الباب هو الإحساس الحقيقي بالوحدة الإنسانية. هناك شعور دائم بأن الشخصيات خائفة، مكسورة، تبحث عن دفء، وتحاول الاحتماء من العالم عبر الحب. كما أن فكرة أن الإنسان لا يبحث فقط عن الحب، بل عن شخص يعترف بوجوده، تتكرر ضمنياً في النص، وهي من أجمل طبقاته الفكرية.
في الباب الخامس، «بلاد تأكل لحوم عشاقها وترمي عظامهم على الأرصفة»، تبلغ الرواية ذروتها الشعورية والنفسية. هنا تنتقل الحكاية من مجرد علاقة حب مأزومة إلى مواجهة عارية بين الإنسان ووحدته، بين الجسد بوصفه ملاذاً أخيراً، والعالم بوصفه آلة للسحق الأخلاقي والاجتماعي. العنوان يضع القارئ داخل فضاء افتراسي، فالبلاد ليست مكاناً جغرافياً فقط، بل بنية قمعية كاملة:
مجتمع، اقتصاد، أخلاق، وعلاقات بشرية تستنزف الحب حتى النهاية.
يفتتح الباب بمشهد بالغ القسوة حين تخبر بلقيس سليمان أن رجلاً سألها عبر الهاتف عن “الثمن الذي تطلبه لبيع جسدها”، فتقول:
«هل تصدق الآن كيف ينظر إليّ الناس؟»
هذه الجملة ليست شكوى امرأة مجروحة فحسب، بل إعلان انهيار المعنى الإنساني للمرأة داخل مجتمع يحولها إلى سلعة. الكاتب لا يقدم الحادثة كحدث عابر، بل يجعلها شرارة لانفجار نفسي طويل يكشف هشاشة الشخصيات وخراب العالم المحيط بها. اللافت في هذا الباب أن الحب لا يُكتب بلغة رومانسية تقليدية، بل عبر التلاصق الجسدي بوصفه مقاومة للموت. بلقيس لا تطلب من سليمان وعوداً، بل تطلب حضوره الجسدي الكامل:
«أحبني بقلبي، أرجوك… أحبني». وتقول أيضاً:
«سأعطيك كل يوم أحد أطعم الشوكولاتة التي تحبها… وأطبعك على صدرك حين تنامين».
هنا يتحول الجسد إلى وطن بديل، وإلى محاولة يائسة لبناء أمان نفسي في عالم متصدع. التفاصيل الصغيرة، مثل الشوكولاتة والسرير والعناق ولمس الأصابع، تصبح أدوات تعبير أعمق من الخطب الطويلة.
لكن هذا الجسد نفسه يتحول تدريجياً إلى مصدر خوف وتهديد. بلقيس لا تتعامل مع جسدها بوصفه ملكاً لها، بل كشيء مطارد ومدان اجتماعياً. لذلك تتكرر إشارات الخجل والاختباء والارتباك، وكأن العلاقة كلها تُعاش داخل منطقة محرمة. ومن أجمل تقنيات الباب تكرار الزمن بطريقة هستيرية تقريباً:
“طلب لساعة واحدة…”
“طلب لدقيقة واحدة…”
“طلب لحياة واحدة…”
هذا التدرج يكشف أن الشخصيات تعيش الحب كشيء مؤقت دائم التهديد. الزمن هنا خصم يسرق اللحظات من العاشقين. وحين تقول بلقيس:
” أحبني يوماً واحداً فقط”
فإن الجملة في ظاهرها متواضعة، لكنها في العمق مأساوية؛ لأن من يطلب يوماً واحداً فقط هو شخص فقد ثقته بكل المستقبل.
الشخصية الأكثر تعقيداً في هذا الباب هي بلقيس. فهي تتأرجح بين المرأة العاشقة والمرأة المذعورة، بين الرغبة في الانصهار الكامل مع سليمان والخوف من تدمير حياته. تقول له:
«أنا لعنة». وفي موضع آخر: «إذا خرجت من هذا البيت فلن يعود إليّ أبداً».
إنها تدرك أنها تدخل علاقة مستحيلة أخلاقياً واجتماعياً، لكنها عاجزة عن التراجع. هذا التناقض يمنح الشخصية صدقاً إنسانياً كبيراً. فهي ليست “امرأة خائنة” بالمعنى السطحي، بل إنسانة ممزقة بين الحاجة إلى الحب والإحساس العميق بالذنب. ويبلغ هذا التمزق ذروته حين تقول: «كنتُ النوم الحقيقي».
فهذه العبارة تختصر معنى العلاقة بالنسبة إليها: سليمان ليس حبيباً فقط، بل راحة نفسية وهدوء داخلي افتقدته طويلاً. أما سليمان، فيتحول تدريجياً من عاشق مرتبك إلى شخصية خلاصية تكاد تتماهى مع صورة “المنقذ”. لذلك تقول له بلقيس:
«لا رجل في العالم يشبهك يا سليمان».
لكن النص يترك دائماً مسافة شك: هل سليمان فعلاً استثنائي، أم أن بلقيس تبالغ في خلق أسطورة حوله لأنها تحتاج إلى معجزة نفسية تنقذها؟ هذه المسافة تمنع الرواية من السقوط في الميلودراما الكاملة، وتجعل القارئ واعياً بأن الحب قد يكون أيضاً وهماً جميلاً.
الرواية لا تتعامل مع الخيانة كفعل أخلاقي فقط، بل كزلزال داخلي. بلقيس لا تخاف المجتمع بقدر ما تخاف انهيار صورتها عن نفسها. لذلك تقول:
«كنت أخاف أن أفسدك».
وفي المقابل، يظهر الزوج مراد بوصفه رجلاً غائباً حتى وهو حاضر. حضوره مرتبط بالعمل والمال والسفر والأشياء المادية، بينما سليمان مرتبط بالإصغاء والدفء والتفاصيل الحميمة. لذلك يصبح الصراع الحقيقي ليس بين رجلين، بل بين نمطين من الحياة: حياة الاستهلاك والفراغ، وحياة العاطفة الخطرة.
لغة الباب الخامس هي الأكثر شعرية في الرواية. الجمل طويلة، متدفقة، مليئة بالنداءات والتكرار والانفعالات، كما في عبارة:
«أنت كرامتي يا سليمان… أنت الحداد الذي صنع السمار لعينتي على الصبر».
هذه اللغة لا تسعى إلى الواقعية الدقيقة بقدر ما تسعى إلى كشف الهشاشة الداخلية للشخصيات. كما يستخدم الكاتب التكرار بوصفه أداة نفسية، لا أسلوبية فقط؛ فكلمات مثل “أحبك”، “خائف”، “لا تتركني”، “أنت حياتي” تعكس حالة الهلع العاطفي.
وتتكرر في هذا الباب رموز مركزية: الطيور بوصفها صورة للحرية المستحيلة، والخاتم بوصفه علامة عبور من البراءة إلى التورط، والبيت بوصفه مساحة مزدوجة: مكاناً للحب والخوف معاً. كل الأبواب والممرات والغرف تحمل توتراً دائماً، كأن الشخصيات تعيش داخل فخ.
ثم تأتي رسائل بلقيس إلى سليمان بوصفها إحدى الذرى العاطفية في الرواية. هذه الرسائل ليست زخرفة رومانسية، بل جزء عضوي من البناء النفسي. بلقيس هنا لا تبدو امرأة عاشقة فقط، بل امرأة تتعلم الاعتراف، تواجه خوفها، تتحرر من قمعها الداخلي، وتعيد تعريف الحب باعتباره شجاعة لا ضعفاً. الجملة المفتاحية في هذا القسم هي:
“أشعر بأن أكبر العقد في حياتي قد حُلّت، وهي عدم اعترافي بالحب”.
هذه ليست جملة رومانسية فقط، بل مفتاح فلسفي للشخصية كلها.
بعد ذلك يحدث انتقال ذكي من الخاص إلى العام. في البداية تبدو الرواية شديدة الخصوصية: امرأة، رجل، خيانة، شوق، رسائل. لكن لاحقاً تتحول الأزمة العاطفية إلى أزمة عالم. فالحرب، الفن، الاقتصاد، شبكات النفوذ، الأكاديميا، الصحافة، المال، وحتى «سوبارتو / المكان »، كلها تبدأ بالتقاطع مع مصير الشخصيات. هنا تخرج الرواية من إطار “رجل وامرأة” إلى سؤال أوسع: كيف يفسد العالم الحب؟ وكيف ينجو الحب وسط الخراب؟
في الباب السادس، المعنون بـ «بلاد لا تفتح بوابات صدرها إلا لذوي القرون، للعاهرات، وللموت… فقط»، تدخل الرواية مرحلة أكثر ظلاماً. العنوان يمتلك قسوة وشعرية وإعلاناً فلسفياً عن انتقال النص من الحميمية إلى الرؤية الحضارية السوداوية. في هذا الباب لم يعد سليمان مجرد رجل يحب بلقيس، بل صار شاهداً على انهيار العالم، وعلى تواطؤ الفن مع السلطة، وعلى اختلاط المال بالجسد، وعلى سقوط المعايير الأخلاقية. خصوصاً حين يصبح الفن نفسه جزءاً من شبكة النفوذ، لا خلاصاً روحياً.
تبدأ الفكرة ” سوبارتو/ المكان ” هنا بالتحول إلى رمز مركزي. في البداية قد يظنه القارئ مكاناً سرياً أو شبكة دعارة أو فضاء نفوذ، لكنه يتكشف لاحقاً بوصفه نظاماً كاملاً لإدارة الرغبة والسلطة. ظاهرياً هو مكان/سر/شبكة، نفسياً هو اختبار للرغبة والخوف، رمزياً هو بوابة إلى العالم السفلي، وفلسفياً هو تمثيل للسلطة الخفية التي تدير البشر عبر الرغبة والمال والاحتياج.
وتبلغ الرواية في الباب السابع منعطفاً مهماً، رغم قصره. إنه ليس مجرد فصل جديد، بل بوابة النزول النهائي. يأتي افتتاحه:
«أدعوكم للدخول بأنفسكم… تفضلوا!»
وكأن السارد لم يعد راوياً فقط، بل صار مرشداً داخل متاهة، أو حارس جحيم، أو شاهداً يفتح الأبواب للقارئ كي يختبر السقوط بنفسه. هذه نقلة روائية ناضجة، لأنها تجعل القارئ شريكاً في التجربة لا مجرد متلقٍ لها.
في هذه المرحلة لا تعود « سوبارتو » مكاناً فحسب، بل نظاماً يذيب الحدود بين الفن والجسد والمال والسياسة والروح. يصبح اقتصاداً وسوقاً وعقيدة وطريقة حكم وآلية لتفكيك الإنسان. وهنا يتحول سليمان إلى شخصية تراجيدية حقيقية: بدأ عاشقاً، ثم صار مراقباً، ثم باحثاً، ثم مهووساً، والآن يقترب من الجنون الوجودي. هذا الجنون ليس مفتعلاً، بل نتيجة طبيعية لاكتشاف الحقيقة، والاصطدام بالقوة الخفية، والعجز عن الإنقاذ، وانهيار صورة العالم القديمة.
وتظهر شخصية العجوز بوصفها من أقوى شخصيات الرواية في هذه المرحلة. فهو ليس مجرد شخصية عابرة، بل بواب وكاهن وسمسار وفيلسوف مظلم. أحياناً يبدو قريباً من شخصيات كافكا، أو من “فيرجيل” الذي يقود إلى الجحيم، أو من شيوخ الطرق الصوفية ولكن بصورة معكوسة ومظلمة. وجوده يمنح الرواية غموضاً وهيبة وعمقاً ميثولوجياً.
أما المشهد الإيروسي في الرواية، فلا يأتي جنسياً بالمعنى السطحي. الجسد ليس للمتعة فقط، بل هو أداة سلطة، وسلاح، وبوابة هيمنة، وطريقة لكشف هشاشة البشر. ولهذا لا تسقط الرواية في الابتذال رغم جرأتها العالية، بل تبقى داخل منطقة يمكن تسميتها الإيروس الفلسفي.
كما تصبح اللغة في الصفحات الأخيرة سينمائية جداً. الدخان، اللهب، الرائحة، الأبواب، الممرات، الظلال، الموسيقى، الرماد، الغرف الحمراء، الضوء المتقطع؛ كل ذلك يجعل الرواية قابلة للتحويل إلى فيلم نفسي أو مسلسل داكن أو عمل مسرحي بصري. الكاتب لا يكتب المشهد فقط، بل يبني جواً كاملاً.
أقوى ما في الرواية، في نهاية المطاف، ليس الحب وحده، بل العلاقة بين الرغبة والخوف. كل الشخصيات تريد، لكنها خائفة. حتى بلقيس نفسها تريد الحب وتخشاه، تريد الخلاص وتخاف من ثمنه. وهذا ما يمنح الرواية عمقها الحقيقي.
ومع ذلك، لا تخلو الرواية من ملاحظات فنية مهمة. فهناك أحياناً خطر التشبع العاطفي، حيث تتكرر الاعترافات والشوق ووصف الحب والخوف من الفقد بصيغ متعددة تؤدي الإحساس نفسه. وهناك أيضاً خطر التضخم الرمزي، حيث قد تجعل كثافة الرموز والفلسفة والإيروس والغموض والخطاب التأملي القارئ يبتعد عن الشخصيات نفسها. بمعنى آخر، قد تبتلع الفكرة الإنسان. لذلك تحتاج الرواية في بعض مواضعها إلى تثبيت الجانب الإنساني، ومنح الشخصيات لحظات ضعف بسيطة وعادية، وتخفيف التوتر الفلسفي أحياناً، وإعطاء القارئ متنفساً واقعياً.
ومع هذه الملاحظات، فإن «سوبارتو» لا تبدو رواية رومانسية تقليدية، بل رواية نفسية ـ فلسفية ـ اجتماعية. فيها أثر من دوستويفسكي في التحليل النفسي، ومن ماركيز في الجو الكابوسي، ومن نجيب محفوظ في مراقبة تحولات المجتمع، وربما من كافكا وكونديرا في بعض ملامح الغرابة والقلق الفلسفي، لكنها في الوقت نفسه تمتلك صوتها العربي ـ الكردي الخاص والواضح.
إن أهم ما يميز الرواية أنها لا تبدو مكتوبة للتأثير السريع، بل مكتوبة من داخل تجربة شعورية حقيقية. هي رواية عن بلاد لا تترك للحب أن ينجو، وعن شخصيات تحاول الاحتماء ببعضها من عالم أكثر قسوة منها. وفي لحظتها الأخيرة، حين تنفتح الأبواب ويدعو السارد القارئ: «أدعوكم للدخول بأنفسكم… تفضلوا!»، تكون الرواية قد تجاوزت مرحلة الحكاية، ودخلت منطقة العمل الذي يملك هوية أدبية حقيقية.

  • كاتب وإعلامي

اترك ردّاً