ما كان القلب بضالٍّ…

مثال سليمان

 وقلوبٌ تدخل المودّة وحسبها أن تُلقي أثقالها عند العتبة، تتجرّد من حقولها المرتجفة كي تُؤذن لها المحبّة بالدخول. تعلم في خفيّ نفسها أنّ الودّ الذي يُكره الروح على التنكّر لجراحها؛ سرابٌ بقيعةٍ يحسبه الظمآن غيثا.

فأقبلت كما هي؛ تسهو في منتصف الكلام، تعتذر عن الشمس المشتعلة في عينيها، وما أضمرته الليالي في قلبها من وحشةٍ ووجل. تحمل عتمتها سرّاً مكنونا، كما ماردٍ في قمقم، تكتم في أضلاعها خفوت الضوء، تخشى عليه ريح الخذلان.

 تُبقي خلفها أثراً واهناً ينجو منها، لا تذروه الريح إلى قلبٍ آخر؛  أدركت أنّ الأرواح إذا ألقت بنفسها في لهيب العاطفة بغير هدى، صارت هشيماً تذروه العواصف. فالنار لا تذكر أسماء ما التهمت، ولا تُبقي للرماد هيئة.

ثم ساق الله إليها مودّةً أصفى؛ مودّةً تردّها إليها ردّاً رهيفاً. حبٌّ إذا نظرت فيه رأت الخفر الذي بددته السنون، وسمعت في سرّها همساً خفياً: هذا مقامكِ… فلا تتفرّقي.

مالت إليه بلا رعدة، ميل الطير المنهك إلى دفء الغيم إن أتاها. لم تعد تبرر للصباح  ارتجافات القلب والنجوم، ولا تستجدي السكينة من القمر، فالمطر الذي غسل وجه النهار، صار الليل شريكها يثأر للأرض يبابها.

وهوت الحيرة من صدر السماء دفعةً واحدة، استكانت الأسئلة التي أرهقتها أعواماً. آوت إلى  بحر اليقين. الحبّ لا يفتح أبواب الفقد، الحب يُحيي ما ذبل فيها، يرتّق ندوبها، كما ترميم الديار إثر الخراب. سلكت إليها ضوع الزّروع، تراتيل الصباح الأولى وهدأة الطير ساعة الإشراق.

ومع اسمٍ بعينه، اضطربت المصاريع في المتاهة اضطراباً؛ أكانت يداً خفيّةً رتبت على هواجسها المتصلّفة!؟  أم كان الأمر اعترافاً!؟  هي هدأة تسري في القلب، سريان النور في الفجر.

أسرّت لنفسها بعد طول اغتراب:

لا بأس

كأنّي عرفته منذ الأزل.”

فما كان قلبها بضالٍّ، هو كان يؤخّر ميعاد الوصول وحسب، يأتي موضعٍ يأمن فيه، فيغفو أخيراً قريراً، هانئاً بالقرب، لا خوف عليه ولا هو يحزن.