فرحة خليل

عن سؤال، كيف وُلدت فكرة بحث «تفكيك الحزام العربي»؟
تجيب الكاتبة:
لم تكن فكرة هذا البحث مشروعًا أكاديميًا مخططًا له مسبقًا، بل جاءت نتيجة تجربة شخصية وميدانية بدأت بعد سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024، وتبلورت خلال زيارتي الأولى إلى سوريا في نيسان/أبريل 2025، بعد أكثر من عقد من الغياب.
دخلت البلاد وأنا أحمل أسئلة كثيرة عن مستقبلها بعد انتهاء حقبة حكم البعث، لكن تلك الأسئلة تحولت سريعًا إلى مشروع بحثي عندما زرت عددًا من القرى الكردية المتضررة من مشروع الحزام العربي، وفي مقدمتها قرية مزكفت.
هناك واجهت مشهدًا يصعب نسيانه. فالقرية التي أُنشئت لإسكان الوافدين ضمن مشروع الحزام العربي كانت تعج بالحياة، بينما بدت مزكفت الأصلية شبه خالية، ولم يبق فيها سوى عدد محدود من المنازل، بعضها مهدّم، باستثناء منزل حديث شيده أحد أبناء القرية بعد عودته من ألمانيا.
في تلك اللحظة برز سؤال لم يفارقني طوال الرحلة: إذا كان النظام الذي أطلق مشروع الحزام العربي قد سقط، فلماذا لم يبدأ العمل الجاد لإعادة الحقوق إلى أصحابها؟ ولماذا لم تتحول هذه القضية إلى أولوية في النقاش العام، رغم أنها تمثل إحدى أبرز قضايا الظلم التاريخي في الجزيرة السورية؟
ازداد هذا السؤال إلحاحًا بعد زيارتي إلى عفرين في السادس من نيسان/أبريل 2025. فقد بدت آثار سياسات التغيير الديمغرافي أكثر وضوحًا؛ انتشار الفصائل المسلحة، والحواجز العسكرية، والمباني التي ترفع العلم التركي، إلى جانب منازل كردية استولى عليها مسلحون. عندها أدركت أن استهداف الأرض والهوية الكردية لم ينتهِ بسقوط نظام الأسد، بل استمر بأشكال وسياقات مختلفة.
من هنا ترسخت لدي قناعة بأن الدفاع عن الحقوق لا يقتصر على الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، بل هو مسؤولية كل من يؤمن بالعدالة وسيادة القانون. كما أيقنت أن معالجة آثار مشاريع التغيير الديمغرافي لا يمكن أن تتم إلا في إطار العدالة الانتقالية، بما يضمن إنصاف الضحايا واستعادة الحقوق، من دون خلق مظالم جديدة أو تغذية دوائر الانتقام.
بعد عودتي إلى ألمانيا في نهاية نيسان/أبريل 2025 بدأت العمل على هذا المشروع. عرضت الفكرة على عضوات منتدى جيان للفن والثقافة، وشاركت مجموعة منهن في المرحلة الميدانية من البحث، ولا سيما في تنظيم وإجراء عدد من المقابلات مع المتضررين، قبل أن أتولى لاحقًا كتابة الدراسة كاملة حفاظًا على وحدة المنهج والرؤية البحثية.
اعتمد البحث على مصادر أولية وثانوية. فقد استند إلى شهادات موثقة لضحايا مشروع الحزام العربي، ومقابلات مع محامين وباحثين وناشطين في مجال حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، إضافة إلى استبانة ميدانية صُممت خصيصًا لهذه الدراسة. كما استند إلى القوانين السورية، والوثائق الرسمية، والدراسات الأكاديمية، وتقارير المنظمات الحقوقية، والمواثيق الدولية ذات الصلة، مع الحرص على مقارنة المصادر والتحقق من المعلومات وتحليلها وفق منهج علمي.
وينقسم البحث إلى أربعة محاور رئيسية: الخلفية التاريخية والسياسية لمشروع الحزام العربي، وشهادات الضحايا، والآثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية للمشروع، ثم آليات العدالة الانتقالية واسترداد الحقوق، مستفيدًا من تجارب دولية في معالجة آثار الانتهاكات الجسيمة.
هذا البحث ليس محاولة لاستعادة الماضي من أجل البكاء عليه، بل هو مساهمة في توثيق إحدى أخطر سياسات التغيير الديمغرافي التي شهدتها سوريا، وفتح نقاش جاد حول سبل معالجتها وفق مبادئ العدالة الانتقالية. فالسلام المستدام لا يقوم على تجاهل المظالم، وإنما على الاعتراف بها، وإنصاف الضحايا، واستعادة الحقوق، وبناء دولة تحكمها العدالة وسيادة القانون.







