كتابة الأثر…

خضر سلفيج


 
من زمنٍ لا أتذكره،
وأنا أستندُ إلى جناحي
كما يستندُ الجرحُ إلى أثره.
أمضي،
لا لأبلغ السماء،
بل لأمنح السقوط
مسافةً أطول للتفكير.
 
الطريق 


الطريقُ
ميلٌ خفيفٌ في دهشة العالم.
لا يبدأ من مكان،
ولا ينتهي إلى جهة.
كل من يعبره
يترك ظلَّه خلفه،
ويمضي
أخفَّ من اسمه.
مررتُ به مرّةً،
فأضاعني.
ومرّ بي مرّةً،
فأضاع نفسه.
•  
كان الطريقُ
ينحني قليلًا
كلما سقطت نجمةٌ من ذاكرتها.
ويستقيمُ
حين يتذكّر أنه ليس سوى أثرٍ
لخطوةٍ لم تحدث بعد.
•  
في منتصفه
رأيتُ بابًا
مفتوحًا على مصراعيه.
دخلتُ.
فوجدتُ المسافةَ جالسةً وحدها
ترقّع ثقوبَ العالم.
•  
وحين وصلتُ،
لم أجد نهاية.
وجدتُ دهشةً قديمةً
تخلع الطريقَ
وترتديه.
 
قدمُ الرغبة


الرغبةُ
تمشي بقدمٍ غير مرئية
تجرّ خلفها سؤالًا
لم يجرؤ على التكوّن

كلما اقتربت
انشطرَ الهواءُ إلى جسدين
جسدٌ يشتهي
وجسدٌ يختفي كي يُشتهى

الهواءُ
يجرب شكلها في العابرين
ولا أحد
ينجو من التطابق
ولا أحد
يكتمل

الرغبةُ
لا وجه لها
فقط اتجاهٌ للسقوط
يبدو كصعودٍ مؤجل

خطوةٌ واحدة
تكفي ليصير الجسد احتمالًا
وخطوتان
تكفيان ليبدأ الغيابُ بتذكّر نفسه

في آخر الطريق
لا باب
فقط أثرُ قدمٍ دافئ
يتعلّم كيف يكون جسدًا
ثم ينسحب من شكله
ويكمل المشي
كأنه لم يكن أحدًا.
 
 
خيانةُ الألم


كان الألمُ
العضوَ الذي لم يذكره الأطباء.

ينامُ بين أضلعي
ويُقلّب الليلَ
على الجهة التي تناسبه.

كلما تهدّم شيءٌ في العالم،
أضاءه.
وكلما ضعتُ،
ترك جرحًا صغيرًا
كي أعرف الطريق.

لم أكن أحبّه.
لكنني كنتُ أعرف
أن الأشياء تُرى به.

ذات صباح،
استيقظتُ
فوجدتُه قد غادر.
لا دم.
لا وداع.
لا أثرَ حذاء.

فجأةً
صارت الجروحُ
ثقوبًا فارغةً فقط.
وصار الحزنُ
أثاثًا بلا منزل.

الأبوابُ التي فتحها في رأسي
بقيت مفتوحة.
لكن أحدًا
لم يعد يمرّ منها.

رأيتُ ندبةً
تسأل المرايا:
من الذي حدث هنا؟

ورأيتُ دمعتي القديمة
تتجوّل في الغرفة
كحيوانٍ أليف
نسي اسم صاحبه.

منذ رحيله
أصبحتُ أشكّ
في صدق الأشياء السعيدة.

فالوردةُ
التي لا يعضّها الفقد،
مجردُ لون.
والسماءُ
التي لم تخسر أحدًا،
سقفٌ أزرق لا أكثر.

الآن
أعيشُ في جسدٍ
أُفرغَ من مبرّره السري.
أتحسّس أضلعي
كما يتحسّس أعمى
بيتًا هجره سكّانه.

أحيانًا
ألمحه من بعيد.
يعبرُ داخلي
دون أن يتوقف.
كأنه لم يعرفني قط.
وكأنني
كنتُ خيانته الأخيرة.
 
خفّةُ السعادة


كانت السعادةُ
أخفَّ من أن تُرى.
تمرُّ في الغرفة
فتتحرّك الستائر
دون أن ينتبه أحد.

كلما حاولتُ الاحتفاظ بها
تركتْ شكلها
وأخذتْ معناها.

كانت تجلسُ أحيانًا
على حافة الكأس،
ثم تطير
حين أرفعها إلى فمي.

لم أعرفها يومًا
وجهاً لوجه.
دائمًا
كانت تسبقني بخطوة
أو تتأخر عني بخطوة.

وحين ظننتُ أخيرًا
أنها استقرّت في قلبي،
اكتشفتُ
أن الذي بقي
هو مكانُ جلوسها فقط.
 
مهنةُ الغياب


الغيابُ
لا يحدث.
الغيابُ يعمل.

يستيقظُ قبلنا،
ويرتّبُ الكراسي الفارغة،
ويُعيدُ توزيع الصمت
في الغرف.

كلُّ شيءٍ
يحتاج إلى الغياب
كي يتقن شكله الأخير.

حتى الذاكرة
ليست سوى
الأثر المهنيّ
لعمله الطويل.
 
خيانةُ الذاكرة


لم تنسَني الذاكرة.
ذلك كان أسوأ ما فعلته.

احتفظتْ بي
كما يحتفظُ المتحفُ
بشيءٍ لم يعد يعرف استعماله.

كلما عدتُ إليها
أعادتني
بصيغةٍ أقدم.

وجهي الذي أتذكّره
لم يعد يخصّني.
خطواتي
يسير بها شخصٌ آخر.
وطفولتي
تتحدثُ بلسانٍ لا أعرفه.

الذاكرةُ
لا تحفظُ أحدًا.
هي فقط
تُنتج نسخًا متعاقبةً من الغياب.

رأيتُها ذات ليلة
تبدّلُ الصور في رأسي.
تنقلُ الضحكة
إلى فمٍ آخر.
وتنزعُ اسمي
من حادثةٍ عشتُها.

كنتُ أشاهدُ حياتي
تغادرني ببطء،
وتستقرّ
في شخصٍ يشبهني
أكثر مما ينبغي.

أردتُ أن أحتجّ.
لكن أيَّ دليلٍ
يملكه الأصلُ
ضدَّ نسخته؟

الآن،
كلما تذكّرتُ شيئًا،
أنظرُ حولي أولًا
لأتأكد
أن الذكرى
ما زالت تخصّني.

أخشى أن أستيقظَ يومًا
فلا أجد نفسي.
لا لأنني ضعتُ،
بل لأن الذاكرة
عثرتْ على بديلٍ أفضل.
 
تدريبُ الفراغ


لم يأتِ الفراغُ دفعةً واحدة.
كان يتدرّب.

في البداية،
أزاح كرسيًّا صغيرًا
ولم ينتبه أحد.

ثم أخذَ من الضحكة
صوتَها،
ومن النافذة
انتظارَها.

كلَّ يومٍ
كان يُنقِصُ شيئًا دقيقًا
بحيث لا يُرى النقص
إلا بعد اكتماله.

رأيتُه ذات مساءٍ
يجرّب الجلوسَ مكاني.
بدا مرتبكًا.
لكنّه تعلّم سريعًا.

بعد سنوات،
صار يعرفُ طريقتي في الصمت.
ويستعملُ اسمي
دون خطأ.

الأصدقاءُ
لم يلاحظوا الفرق.
المرآةُ أيضًا.

حتى الذكريات
بدأت تناديه
كلما أرادت الحديث عني.

الفراغُ تلميذٌ مجتهد.
لا يهاجم.
لا يكسر الأبواب.
لا يعلن انتصاراته.

يجلسُ قرب الأشياء
حتى يكتسب شكلها.
ثم يبقى
حين ترحل.

الآن،
حين أنظرُ إلى حياتي،
أرى أثرَ تدريبه الطويل.
كلُّ شيءٍ في مكانه.
وكلُّ شيءٍ فارغ.

أحيانًا
أتحسسُ وجهي
لأتأكد أنني ما زلتُ هنا.
لكنّ الفراغ
يبتسم من الداخل
كأنه أنهى الدرسَ الأخير.
 
 
الأثرُ الأخيرُ للحنين


الحنينُ
لا يموت.
لكنه يتعب.

يتناقص ببطء
حتى يصبح أثرًا.
ثم يتناقص الأثر
حتى يصبح عادةً في الهواء.

في آخر مراحله
لم يعد يعود إلى أحد.
بل يمرّ فقط
ليتأكد
أن أحدًا لم ينسَ طريقة الفقد.

رأيته ذات مرة
واقفًا قرب نافذةٍ قديمة.
لم يكن يشير إلى الماضي.
كان يودّعه.