حسكو حسكو: تفكيك الشكل وإذابته داخل المجال اللوني

إبراهيم إبراهيم – الدنمارك

مقاتل كردي، يقاتل بالضوء واللون. يسير باتجاه الوطن لوناً، ويمنح الحب لرائحة التراب التي تشبهه وتشبه طفولته الأولى…. حسكو حسكو ابن الضوء والنار، ترتديه الموسيقى نهراً عبر خطوط ممتدة من حدود التين والسماق والزعتر والزبيب إلى تلك البقعة الترابية ” شران “.! التي مازالت تنام بين أصابعه المرهقة، وابن تلك الجغرافيا التي لا تكتفي بأن تكون مكاناً للولادة، بل تتحول إلى قدر بصري يرافقه في كل رحلة جنون يغيب فيها.
حسكو يتقن الله كما يتقن اللون. وفي دمه الواسع يسكن الحب كما يسكن خنجر نائم في ذاكرة الجبال. هناك، بين الأزقة الحجرية التي كانت تعبرها نساء يحملن حكايات الورد وحبات القمح ومواسم الزيتون، بدأت الحكاية الأولى لفنان سيقضي عمره باحثاً عن أثر تلك المشاهد في اللغة البصرية.
وُلد حسكو في عفرين، أو «عرفين» كما كانت تنطقها أمي، عام 1973. درس التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة بدمشق وتخرج عام 2000، قبل أن يستقر لاحقاً في الدنمارك، في شمال آخر لا يشبه شمال الولادة. غير أن المسافة بين الشمالين لم تكن جغرافية فحسب، بل كانت أيضاً مسافة بين ذاكرة عامرة بالألوان والروائح والأصوات، وواقع جديد أكثر هدوءاً وبرودة. ومن هذا التوتر بين المكانين ولدت معظم أعماله.
يصعب قراءة تجربة الفنان الكردي حسكو حسكو بوصفها مجموعة من اللوحات المنفصلة، لأن الأعمال التي أنجزها خلال أكثر من عقد من الزمن تبدو وكأنها فصول متعددة من رواية بصرية واحدة. فثمة مفردات تتكرر باستمرار، وثمة عالم رمزي يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، وثمة ذاكرة كامنة تتحرك تحت سطح اللوحة حتى عندما لا تكون مرئية بشكل مباشر.


لا يرسم حسكو المكان كما تراه العين، بل كما تحتفظ به الذاكرة بعد سنوات من الغياب. ولذلك فإن أعماله لا تنتمي إلى الواقعية التمثيلية، بقدر ما تنتمي إلى منطقة وسطى بين التعبيرية والتجريد الرمزي،
حيث يصبح اللون حاملاً للمعنى، والحيوان حاملاً للذاكرة، والفراغ حاملاً للصمت. التكوين عند حسكو لا يقوم على ازدحام العناصر أو الحشد البصري، بل على اقتصاد مدروس في توزيع الكتل وهو ما يكشف وعيه الواضح بالبناء التشكيلي
في عدد كبير من اللوحات يحتل العنصر الرئيس // طائر أو حيوان أو شجرة أو شكل بشري // مساحة محدودة نسبياً، فيما يُترك الجزء الأكبر من السطح لفضاءات مفتوحة أو شبه فارغة. وهذه الاستراتيجية ليست تقنية فقط، بل دلالية أيضاً لأنها تجعل الكائن يبدو معزولاً داخل عالم واسع، وتمنح المشاهد إحساساً بالمسافة والوحدة.
كما تعتمد التكوينات على توازن مستمر بين المحورين الأفقي والعمودي. فالأفق يحضر بوصفه امتداداً للأرض والذاكرة، بينما تشكل العناصر العمودية نقاط ارتكاز بصرية تمنع التكوين من الانهيار داخل الفراغ. وتُظهر بعض الأعمال المبكرة ميلاً إلى بناءات هندسية أكثر وضوحاً، بينما تتجه الأعمال اللاحقة نحو تفكيك الشكل وإذابته داخل المجال اللوني، وهو ما يعكس انتقال الفنان من التفكير في الموضوع إلى التفكير في الأثر الذي يتركه الموضوع.

يُعد اللون أكثر العناصرحضوراً وتأثيراً في تجربة حسكو حسكو، فاللون لا يصف الأشياء… بل يفسر لنا كيف يبدو العالم، بل وكيف يشعر هو نفسه تجاه العالم. الأصفر الذي يتكرر في عدد من الأعمال لا يؤدي وظيفة طبيعية مرتبطة بالشمس أو الضوء فحسب، بل يبدو أقرب إلى فضاء وجودي كامل. إنه لون الذاكرة، ولون الصيف الريفي، ولون الحقول التي بقيت عالقة في الوجدان بعد الرحيل. أما الأبيض، فلا يعمل بوصفه حياداً بصرياً، بل بوصفه منطقة صمت وتأمل. إنه مساحة تسمح للكائنات بالظهور ثم الاختفاء، كما لو أنها شريط فيلم لذكريات راحلة تمر من أمامه.
والأحمر لدى حسكو له دور مختلف تماماً فهو يظهر في بعض الأعمال كقوة درامية كثيفة، تكسر هدوء السطح وتدخل اللوحة في حالة من التوتر والانفعال. إنه اللون الذي يذكّر المتلقي بأن خلف هذا الهدوء الظاهري توجد ذاكرة مثقلة بالفقد والاقتلاع.
لا يعتمد حسكو على الخط بوصفه حدوداً فاصلة بين الأشكال، كما هو الحال في الرسم الأكاديمي التقليدي. فالخط عنده غالباً ما يولد من اللون ويعود إليه. وفي كثير من الأحيان تتحول ضربات الفرشاة نفسها إلى خطوط حركية تقود العين داخل اللوحة.
وتؤدي هذه الخطوط وظيفة مزدوجة:

  • تمنح الكائنات طاقة داخلية وحركة مستمرة، وأخرى
  • تساهم في تفكيك صلابة الشكل وتحويله إلى كيان متغير وغير مكتمل. ولهذا يشعر المشاهد بأن العناصر ليست ثابتة تماماً، بل في حالة تشكل دائم.
    تُعد العلاقة بين الكتلة والفراغ من أهم عناصر قوة التجربة لدى حسكو، فالفراغ عنده ليس مساحة غير مستغلة، بل جزء أساسي من البناء الجمالي، ويمكن القول إن الفراغ في بعض الأعمال يقوم بالدور نفسه الذي تقوم به الكتلة إنه فضاء نفسي أكثر منه فضاء هندسياً.
    فالطائر الوحيد، أو الحيوان المنعزل، أو الشجرة المنفردة، لا تكتسب قوتها من شكلها فقط، بل من الصمت المحيط بها، ومن هنا يتولد الإحساس العميق بالعزلة الذي يسكن كثيراً من الأعمال. تكشف أعمال حسكو عن اهتمام واضح بالمادة التشكيلية نفسها، فالسطح مثلاً ليس مجرد حامل للصورة، بل هوجزء من المعنى.
    وتظهر في بعض اللوحات طبقات من اللون والخدوش والآثار والتمزقات البصرية التي تجعل السطح يبدو كأنه سجل زمني يحمل آثار مرور الزمن. وهنا تقترب التجربة أحياناً من مفاهيم الفن المادي (Material Art)، حيث يصبح الملمس حاملاً للذاكرة بقدر ما تحملها الصورة نفسها. إن اللوحة عند حسكو لا تُبنى مرة واحدة، بل تُراكم تاريخها على السطح.
  • الحيوان في تجربة حسكو ليس عنصراً زخرفياً ولا موضوعاً طبيعياً بل إنه حامل للذاكرة الثقافية، فالطائر، والحصان، والثور، والكلب، والدب، جميعها كائنات تنتمي إلى البيئة الريفية الكردية وإلى المخيال الشعبي الذي تشكل عبر قرون.
    إن قراءة هذه الحيوانات من قِبل حسكو بوصفها بقايا لعالم قديم ما زال حياً داخل الذاكرة الجماعية، أما الطائر فهو الكائن الأكثر تكراراً في الأعمال، والأكثر ارتباطاً بفكرة الحرية والمنفى والترحال. وفي بعض اللوحات يبدو الطائر أقرب إلى صورة رمزية للفنان نفسه: كائن يبحث باستمرار عن مكان للهبوط دون أن يفقد رغبته في الطيران.
  • رغم غياب المشهد العفريني المباشر، إلا أنها حاضرة في معظم الأعمال.! في الألوان الترابية، والحيوان والأشجار المنفردة، والإحساس الدائم بالأفق المفتوح وفي العلاقة العضوية بين الكائن والطبيعة. إن الفنان لا يرسم عفرين بوصفها جغرافية، بل بوصفها بنية حسية وثقافية. لذلك إن المكان يتحول في مساحاته من موضوع للرسم إلى مصدر للرؤية نفسها. تشكل تجربة المنفى أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذه الأعمال ، فالفنان يعيش في شمال آخر يختلف عن شمال الولادة ومن هذا التوتر بين المكانين تتولد اللوحة. إنه لا يرسم ما يراه يومياً في الدنمارك بقدر ما يعيد إنتاج ما بقي في الذاكرة من عفرين. ولهذا تبدو اللوحات وكأنها تعمل باستمرار على استعادة عالم مفقود، فالمنفى هنا لا يظهر كموضوع، بل كآلية إنتاج جمالي.
    من الصعوبة تصنيف حسكو حسكو ضمن مدرسة واحدة فهو يستعير من التعبيرية اهتمامها بالانفعال والحالة النفسية. ويستعير من التجريد حريته في التعامل مع الشكل ثم يستعير من الرمزية القدرة على تحويل الأشياء إلى علامات دلالية، لكن يمكن رؤية حصيلة هذه العناصر ليس كمزيج مدرسي، بل لغة شخصية خاصة ، ليرسم أشياء يمكن التعرف عليها، دون أن يرسمها كما هي، بل كما تتذكرها الروح.
    إن قوة القوة الأساسية في تجربة حسكو حسكو تكمن في امتلاكها هوية بصرية واضحة. يستطيع المتلقي التعرف إلى عالمه من خلال الطائر أو الحيوان أو طبيعة اللون والفراغ دون الحاجة إلى رؤية التوقيع.
    كما تتميز الأعمال بقدرتها على تحقيق توازن بين الحساسية الشعرية والبناء التشكيلي، دون السقوط في السرد المباشر أو الخطاب الأيديولوجي، ومع ذلك، فإن بعض الأعمال تعيد إنتاج المفردات الرمزية ذاتها، ولا سيما الطائر والحيوان والأفق المفتوح، ما يجعل جزءاً من التجربة يدور داخل الحقل الدلالي نفسه.
    كما أن هناك أعمال تميل إلى الإيحاء أكثر من اللازم، بحيث يصبح الرمز مغلقاً على ذاته ويصعب على المشاهد غير المتخصص الدخول إليه. وربما كانت التجربة ستستفيد من مغامرات شكلية أكثر جرأة في بعض المراحل، تسمح بتوسيع قاموسها البصري دون فقدان هويتها الخاصة.
    أهمية التشكيلي حسكو حسكولا تكمن فقط في أنه يرسم الطيور أو الحيوانات أو الذاكرة الريفية، بل في قدرته على تحويل هذه العناصر إلى لغة تشكيلية متماسكة. ويجعل من الذاكرة مادة للرسم، ومن المنفى أداة لإعادة اكتشاف المكان، ومن اللون وسيلة للتفكير في الهوية والغياب والزمن. ولهذا تبدو أعماله، في جوهرها العميق، محاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى من الضوء في ذاكرة المكان، وما تبقى من المكان في ذاكرة الإنسان.

اترك ردّاً