إبراهيم اليوسف

“عين ديوار” في إصدار أول للباحث عمر إسماعيل
أتعامل مع الكتب التوثيقية المتعلقة بالجغرافيا والتاريخ الكرديين من زاوية تختلف عن التعامل مع الكتب الأدبية أو الفكرية، ومرد ذلك هو أن جانباً كبيراً من تاريخ الكرد وجغرافيتهم لا يزال موزعاً بين الرواية الشفاهية والذاكرة الفردية والمصادر المتفرقة، في وقت تعرضت فيه مناطق كردية كثيرة إلى التهميش أو الإهمال أو إعادة الصياغة ضمن سرديات سياسية وإدارية لا تعكس دائماً حقيقة المكان وتاريخه. لهذا السبب- تحديداً- أجد أن أي جهد جاد في مجال التوثيق يستحق الاهتمام والمتابعة، حتى عندما يكون موضوعه مجرد قرية صغيرة، أو منطقة محدودة المساحة.
من هذا المنطلق قرأت كتاب” عين ديوار تاريخياً وجغرافياً*” في مخطوطه الأول للباحث عمر إسماعيل، بغرض المراجعة الأولى، ومتابعة سير المخطوط إلى لحظة النشر، رغم أنه لم يكن هدفي إجراء مراجعة أكاديمية مفصلة- فهو شأن سواي من ذوي الاختصاص- بل تقديم إضاءة سريعة على عمل أراه مهماً من حيث الفكرة والغاية والجهد المبذول فيه، وتشجيع هذا النوع من الإصدارات التي تحتاجها المكتبة الكردية والسورية على حد سواء.
تكمن أهمية الكتاب أولاً في موضوعه. فمنطقة عين ديوار أكبر من أن تكون مجرد قرية حدودية تقع في أقصى شمال شرقي سوريا، لأنها، في حقيقتها تمثل نقطة جغرافية وتاريخية ذات خصوصية واضحة. حيث موقعها عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وتركيا- وإن ضمن الخريطة المستحدثة زوراً للمنطقة- طالما منحها أهمية تتجاوز حجمها السكاني أو الإداري. فهي جزء من فضاء اجتماعي وثقافي أوسع ظل متصلاً عبر عقود طويلة رغم الحدود السياسية التي قسمت المنطقة إلى دول مختلفة. ومن هنا فإن الكتاب لا يوثق مكاناً منفصلاً عن محيطه الكردستاني، بل يوثق جزءاً من تاريخ منطقة كاملة.
من هنا، فإن هذا الكتاب يقدم مادة ثرية و جد مهمة حول الموقع والجغرافيا والسكان والعلاقات الاجتماعية والاقتصاد المحلي والعادات والتقاليد والذاكرة الشعبية، كما وتبرز أهميته في محاولته جمع أكبر قدر ممكن من التفاصيل المتعلقة بالحياة اليومية للسكان. وقد تبدو هذه التفاصيل- للوهلة الأولى- بسيطة، لكنها في الحقيقة تشكل البنية الأساسية التي بات يعتمد عليها الباحثون لاحقاً لفهم المجتمع وتطوره وتحولاته، رغم كل محاولات إغراق المنطقة بما يضمن ويستهدف تغييرها الديموغرافي
ما لفت انتباهي أن الباحث لم يكتف بالحديث عن الأرض أو التاريخ السياسي، بل حاول توثيق أنماط الحياة نفسها: الزراعة، المهن، الألعاب الشعبية، الأمثال، الأطعمة، الأسماء، العلاقات الاجتماعية، ودور المرأة في المجتمع المحلي. وهذه الجوانب غالباً ما تضيع عندما يغيب التوثيق المبكر، أو عندما يرحل أصحاب الذاكرة الشفاهية، من دون أن تُسجل شهاداتهم، ولكم خسرنا، جميعاً، بل لكم خسرت شخصياً الكثير في هذا المجال، منصرفاً إلى ما بات أقل شأناً، ضمن دورة التاريخ!
وحقيقة، فإن قيمة مثل هذا النوع من الكتب تكمن في أنها تسد نقصاً واضحاً في الدراسات المحلية، مقابل ما تعرض ويتعرض لها تاريخ وجغرافيا الكرد من تزوير. فالكثير من القرى والبلدات الكردية ما تزال تفتقر إلى أعمال توثيقية مستقلة، رغم ما يتوافر فيها من تراث وخبرات ووقائع اجتماعية وتاريخية مهمة. ولهذا فإن مبحثاً من هذا النوع يعد بمثابة هوية ليس فقط لأبناء عين ديوار وحدهم، بل إنه سيغدو جزءاً مهماً من مرجع حي يخدم كل مهتم بشؤون تاريخ منطقة الجزيرة والمجتمع الكردي عموماً.
وأرى أن أهمية عين ديوار في هذا السياق تتجاوز حدودها المحلية. فالقرية تقدم صورة مصغرة عن جوانب كثيرة من الحياة الكردية في أجزاء كردستان المختلفة. إذ صحيح أن لكل جزء من كردستان ظروفه السياسية والإدارية والثقافية الخاصة، وأن هناك فروقاً طبيعية بين كردستان سوريا وكردستان العراق وكردستان تركيا وكردستان إيران، إلا أن القارئ يلاحظ وجود عناصر مشتركة عديدة تتعلق بالبنية الاجتماعية والعلاقات العائلية والذاكرة الجماعية وأنماط العيش الريفي والقيم السائدة في المجتمع. لذلك فإن قراءة تاريخ عين ديوار وحياتها الاجتماعية تفتح نافذة لفهم جانب من التجربة الكردية الأوسع، مع الاحتفاظ بخصوصية كل منطقة وبيئتها المحلية.
كما أن الكتاب يكتسب أهمية إضافية في ظل الحاجة المتزايدة إلى توثيق الجغرافيا الكردية نفسها. فكثير من المواقع والأسماء والوقائع المتعلقة بالمناطق الكردية تعرضت خلال العقود الماضية إلى التغيير أو الإهمال أو التغييب. ولهذا فإن تسجيل أسماء الأماكن والحدود والعلاقات التاريخية والخصائص الاجتماعية يمثل مساهمة مهمة في حفظ الذاكرة الجماعية، بصرف النظر عن المواقف السياسية أو القراءات المختلفة للتاريخ.
لا أدعي أن أي كتاب يمكن أن يقدم الصورة الكاملة لمكان يمتلك تاريخاً طويلاً وتعقيدات اجتماعية وثقافية متعددة، لكن قيمة هذا السفر التوثيقي الحي من قبل أحد أبناء المكان، الملتصقين بتفاصيل حياة المنطقة مند ما يقارب ستة عقود، تكمن في أنه يفتح الباب أمام مزيد من البحث والتوثيق، لأن التاريخ المحلي لا يُكتب دفعة واحدة، وإنما يُتناول عبر جهود متعددة يضيف كل منها لبنة جديدة إلى عمارة البناء العام.، وهوما يجعلنا أحوج إلى الاستزادة في هذا المجال، وهنا أشير بإعجاب إلى جهود مماثلة تمت من قبل باحثين كرد في عفرين، ناهيك عن جهود باحثين آخرين في كل من كوباني- الجزيرة، وإن كان الاشتغال على التراث الشفاهي أخذ جزءاً أكبر، وإن حاجتنا إلى تأريخ وجغرافيا المناطق الكردية جد مهم.
لهذا كله فإنني أرى أن مبحث الصديق عمر إسماعيل حول مسقط رأسه، وملعب طفولته، ومسرح شبابه، وكهولته: عين ديوار يستحق القراءة والاهتمام والتشجيع، لما قدمه ووثقه من المعلومات الغنية التي يقدمها من خلال ذاكرة حية، لأنه يجسد نموذجاً مميزاً لجهد توثيقي نحن في حاجة إليه في مناطق كردية كثيرة، بل في عموم خريطة كردستان المجزأة، ما تزال تنتظر من يوثق تاريخها وجغرافيتها وتفاصيل حياة أهلها. فحفظ وصون الذاكرة المحلية أعظم من أن يعدا مسألة ثقافية فحسب، لأنه ضرورة معرفية لحماية ما تبقى من تاريخ وجغرافيا تعرضا طويلاً للإهمال وندرة الوثائق وضعف التدوين، ولتوفير مادة موثقة يمكن للأجيال القادمة والباحثين الاعتماد عليها في فهم المكان والإنسان والتاريخ.
ولمزيد من إنصاف المؤلّف ومؤلَّفه، فإن أحد الجوانب التي لفتت انتباهي في الكتاب هو حجم الجهد المبذول في توثيق الأسماء المحلية، أسماء المواقع والوديان والينابيع والقرى والعائلات والشخصيات. وقد يبدو هذا الأمر عرضياً، أو نافلاً، في نظر بعضهم، لكنه في الواقع يجسد جزءاً أساسياً من تراث وعوالم الذاكرة الموثقة، لاسيما في مواجهة الحرب عليها، كما حالة أبناء شعبنا الكردستاني المذرذر. فأسماء الشخصيات المتناولة: نساء- رجالاً- شباباً- أطفالاً تعدو أن تكون محض إشارات جغرافية فقط، ولأنها خزائن ومستودعات ونفائس وكنوز للتاريخ الاجتماعي والثقافي. وعندما تضيع هذه الأسماء أو تمحى أو تتبدل، كما يراد ويخطط لذلك، فإن جزءاً مهماً من دواعي ومفردات وعناصر فضاء الذاكرة والمكان تتعرض للضياع، بل لنقل، كما هو الحال: للتضييع. لذلك كله فإن القيمة الحقيقية لهذا الجهد تتجاوز عملية جمع المعلومات، لتمضي أبعد، إلى استعادة وتثبيت جزء من الذاكرة المحلية المكتوبة المغيبة، المحكومة بالإعدام، في منطقة، بل مناطق، عانت طويلاً من ضعف، بل منع التوثيق، ومن ندرة الدراسات التفصيلية التي تتناولها من الداخل وبأصوات أبنائها، لأن كل ذلك كان في إطار المنع المحمي والمحروس بالإرهاب!
ما استوقفني خلال تصفح فصول الكتاب أن الباحث الصديق عمر إسماعيل منح مساحة واسعة من جهده، وشغله، لما يمكن تسميته بتاريخ الحياة اليومية، من دون أن يحصر اهتمامه بالأحداث الكبرى أو الشخصيات المعروفة، فالقارئ يجد نفسه أمام تفاصيل تتعلق بالزراعة والرعي والينابيع والكهوف والأشجار والألعاب الشعبية والطرائف والأمثال والعلاقات بين العائلات وأشكال التعاون الاجتماعي وطرائق مواجهة الكوارث الطبيعية والمواسم الزراعية، وهو من عداد ما هو مهمش، متجاوز عنه، ترفي، نافل، في حسابات بعضنا. هذه المادة الثرية، مترامية الأبعاد، بل لا متناهية الحدود، قد تبدو ثانوية في نظر من يبحث عن التاريخ السياسي فقط، لكنها في الحقيقة تمثل الوثيقة الأهم لفهم كيفية عيش الناس وتفكيرهم وتنظيم حياتهم. من هنا، فقد لفت نظري أن الكتاب نجح- بحق- في حفظ جانب من الذاكرة الاجتماعية التي غالباً ما ضاعت، أو ضيعت، قبل وصولها إلى حبر ومتون الوثائق الرسمية التي راح بريقها ينشغل بما هو مفروض، ورسمي، مزور في أكثره، لأن التاريخ تصنعه تفاصيل الحياة التي عاشتها المجتمعات جيلاً بعد جيل. ومن هذه الزاوية- تحديداً- تتجلى أهمية هذا العمل المميز ليكون بمثابة جزء من سجل للحياة الكردية الريفية في منطقة من أكثر مناطق الجزيرة خصوصية من الناحية الجغرافية والاجتماعية.
ولننسى، هنا، ونحن في حضرة هذا المبحث الفريد، أن من الجوانب المهمة التي يتوقف عندها الكتاب تركيزه على العلاقة بين الجغرافيا والهوية. فالباحث لا يتعامل مع” عين ديوار” كمجرد مساحة سكنية أو وحدة إدارية، ضمن خريطة طارئة، فحسب، بل إنها نتاج بيئة صاغت وفرضت نمطاً خاصاً من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهو ما يظهر من خلال تتبعه لتأثير نهر دجلة، وطبيعة الأرض الزراعية، والحدود السياسية المستجدة، في تشكيل حياة السكان اليومية. كما أنه يوضح- وبعفوية روح المدونة والمدون- كيف حافظ المجتمع المحلي على الكثير من عناصره الثقافية والاجتماعية رغم التحولات السياسية المتعاقبة، والهجرات، والنزوح، وتبدل أنماط الحياة، وفق بارومتر المستجدات ومن بينها: عامل محاولات فرض هوية مختلفة على المكان وكائنه، وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن الكتاب لا يوثق المكان بمعزل عن هذا الكائن، ولا هذا الكائن بمعزل عن مكانه، إذ ينصرف لتقديم صورة متكاملة عن التفاعل المستمر بين الجغرافيا والذاكرة والمجتمع. ومن هنا تتجاوز قيمة الكتاب حدود التوثيق التقليدي لتتحول إلى مساهمة في فهم آليات صمود المجتمعات الكردية الريفية، ومدى قدرتها على الحفاظ على شخصيتها الثقافية، بل” هويتها” الفارقة، على امتداد مراحل زمنية طويلة من المصاعب، والتغيرات، والكوابح، والتحديات.
المصدر:
عمر إسماعيل، عين ديوار تاريخيًا وجغرافيًا، دار النخبة للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2026، 458 صفحة من القطع الكبير. تقديم: خورشيد شوزي.







