خضر سلفيج

Ilaria Giovinazzo
إيلاريا جوفيناتسو، شاعرة وكاتبة ورسامة إيطالية، وُلدت في روما عام 1979. حاصلة على شهادة في الآداب، ومتخصصة في الأنثروبولوجيا وباحثة في مجال الأديان المقارنة. تعمل مدرّسة للآداب في المرحلة الثانوية، وتعيش في منطقة سابينا بإيطاليا.
صدر لها عدد من الروايات والمجموعات الشعرية، من أبرزها: “كزهرة لوتس” (2020)، و”تناظر الأجساد” (2021)، و”دين الجمال” (2023). كما نشرت كتاب الأطفال المصوّر “الحياة: عشرة أشياء مهمة” (2022)، وترجمت إلى الإيطالية قصائد المتصوفة الكشميرية لال ديد في كتاب “نور خالص: أناشيد صوفية من التانترا الكشميرية” (2024).
نُشرت قصائدها في العديد من المجلات والمختارات الأدبية الإيطالية والدولية، وحصلت على عدد من الجوائز الشعرية، منها الجائزة الدولية للشعر غير المنشور “أوسي دي سيبيا” وجائزة لورينزو مونتانو. وقد تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات، من بينها العربية والإنجليزية والإسبانية والبنغالية.
في عالم تتسارع فيه التحولات وتتسع فيه مسافات الاغتراب، تبرز تجربة الشاعرة الإيطالية إيلاريا جوفيناتسو بوصفها مشروعًا شعريًا يسعى إلى إعادة وصل الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. إنها كتابة تنظر إلى الشعر باعتباره مساحة للتأمل والشفاء والبحث عن المعنى، حيث يلتقي الجسد بالروح، والجمال بالفكرة، واليومي بالوجودي.
تستند تجربة جوفيناتسو إلى خلفية معرفية وفنية متعددة؛ فهي شاعرة وكاتبة ورسامة وباحثة في الأنثروبولوجيا والأديان المقارنة. وقد انعكس هذا التعدد على كتابتها التي تجمع بين الحساسية الشعرية والتأمل الفكري، وتمنح القارئ نصوصًا تتجاوز الوصف المباشر إلى مساءلة الوجود الإنساني في أبعاده الروحية والثقافية.
في شعرها لا تبدو القصيدة مجرد بناء لغوي، بل فعلًا من أفعال البحث الداخلي. إنها تنصت إلى المناطق الخفية في التجربة الإنسانية، حيث تتجاور الهشاشة والقوة، والأسئلة والأحلام، والرغبة الدائمة في العثور على نور وسط القلق والالتباس.
يتجلى هذا البعد في مجموعاتها الشعرية، ولا سيما “كزهرة لوتس”التي تستدعي رمز اللوتس بوصفه علامة على النقاء والتحول والتجدد. أما في “تناظر الأجساد” فيغدو الجسد لغةً للذاكرة والهوية، وحاملًا لآثار الحب والألم والحنين، لا مجرد حضور مادي منفصل عن الروح. وفي “دين الجمال” يرتقي الجمال إلى مرتبة الرؤية الوجودية؛ إذ يصبح وسيلة لمقاومة القبح والنسيان واستعادة القدرة على الدهشة والتأمل.
وتمنحها دراستها للأديان المقارنة حساسية خاصة تجاه البعد الروحي، غير أن روحانيتها لا تنفصل عن الحياة اليومية، بل تتجلى في تفاصيلها الصغيرة: في الطبيعة والحب والصمت والعلاقة بالآخر. لذلك تبدو قصائدها وكأنها حوار دائم بين المرئي والخفي، وبين الأرض وما يتجاوزها.
ويكشف اهتمامها بالترجمة عن انفتاح عميق على التراث الروحي العالمي. فاختيارها ترجمة قصائد المتصوفة الكشميرية (لال ديد) يعكس اهتمامها بالأصوات الشعرية التي تتناول أسئلة الإنسان الكبرى وتتجاوز الحدود اللغوية والثقافية.
ولا تقتصر إبداعات جوفيناتسو على الشعر، بل تمتد إلى الرواية وأدب الطفل والمشروعات الثقافية والفنية، في إطار رؤية تؤمن بأن الأدب قادر على بناء علاقة أكثر إنسانية وجمالًا مع العالم.
ما يميز هذه التجربة هو قدرتها على تحقيق توازن نادر بين الفكر والإحساس؛ فهي تكتب قصيدة واعية بأسئلتها الفلسفية، من دون أن تفقد دفئها الإنساني أو طاقتها العاطفية. ومن هنا يكتسب شعرها خصوصيته، بوصفه دعوة إلى الإصغاء لما هو عميق ومهمش داخل الإنسان، وإلى استعادة المعنى عبر الجمال.
إن مشروع إيلاريا جوفيناتسو الشعري مشروع إنساني بامتياز. فالشعر لديها ليس وسيلة لصناعة الجمال فحسب، بل أداة لبناء الجسور بين البشر والثقافات، وتذكير دائم بأن الكلمات ما تزال قادرة على مقاومة العزلة وفتح نوافذ للضوء. ولهذا تبدو قصيدتها، في جوهرها، احتفاءً دائمًا بالبحث الإنساني عن الحب والمعنى والجمال، وإيمانًا بأن الكلمة ما تزال قادرة على أن تكون جسرًا بين الذات والعالم.
مقتطفات شعرية
أنا كل النساء
Io sono tutte le donne
I Am All Women
أنا كل النساء
ذوات الأرواح المهترئة،
والجوارب المثقوبة،
والأجساد التي نهشتها المعارك.
في روحي عواصف،
وفي عينيَّ
سكينة مطلقة.
لي مركزٌ في القلب،
وأطرافٌ تائهة في الطريق.
لي اختيارات أمٍّ
عليّ أن أمضي بها،
واختيارات امرأة
أؤجل مواجهتها.
لي جسورٌ تنهار أمامي،
وبيوتٌ عليّ أن أعيد بناءها،
وطبقُ حساءٍ على المائدة
ينتظر يدي
كي تقدمه لأطفالي.
جسدي مغزل
Il mio corpo è un fuso
My Body Is a Spindle
جسدي مغزلٌ
أنسج به خيوط
جناتٍ لا تنتهي
وجحيمٍ لا ينتهي.
سطحٌ متعرج
لألعاب الجمال،
ولسهرات الروح الكسلى.
جسدي ساحة معركة،
في كل انحناءة منه
تعزف الملائكة
أبواق الحساب.
إنه المخبأ،
المهد،
الحنان،
مصدر الحياة،
إنه المعبد.
وحين تجد يداك
طرقاتها على حدوده،
تبحث عيناي عن ملجأ
في صمت اللقاء بينهما.
جسدي يحتضن الصمت،
ويرشح الروح من مسامه،
ويضيء؛
ثم يطلب الغفران
عن خطايا لم تُرتكب.
هل يُفرض على المرأة
أن تكفّر بالجسد؟
العذراء مريم تبتسم…
بلا جسد.
ليس لي دين سوى الجمال
Non ho altra religione che la bellezza
I Have No Other Religion Than Beauty
ليس لي من دينٍ
سوى جمال
روح الأشياء.
موكشا – التحرر
Moksha
Liberation
أحتاج أن أشعر بالسماء فوق جلدي،
بهدوئها،
بصمتها.
حاجة خفية
للتحرر من شهوات البشر،
من عبودية
ثمنها باهظ،
من الخطايا التي ارتكبتها،
ومن الألم الذي تركته خلفي.
أبحث عن بوصلة
لتوازني الهش،
أرفع قدميَّ عن الأرض،
وأميل إلى ما وراء رغباتي.
أراقب كل شيء،
ولا أطلب شيئًا،
وأتحول ببساطة
إلى قصبة خيزران مجوفة،
يعبر من خلالها الهواء
فتولد ألحانًا متناغمة.
أسقط على ركبتيَّ.
أخفض رأسي.
وأطلب الصفح من الجميع،
حتى من نفسي،
عن ضعفي الإنساني.
مرض
Malattia
Illness
بقيت متعلقة بالسماء،
تسندني خيوط رفيعة من الأمل،
أحاول ألا أسقط
في الهاوية التي بلا اسم.
أذلّتني أرواح وضيعة ومتكبرة
بجهلها المتعالي،
كم كان شاقًا
أن أبتسم في الصباح
بينما كان قلبي
ينزف في الداخل.
كم كان شاقًا
أن أبقى واقفة،
من دون أن أُسقط من عيني
اتساع الأفق،
ذلك الخط الدقيق
الفاصل بين الحياة والموت.
ترجمة النصوص عن الإنكليزية وتقديم: الشاعر خضر سلفيج







