مراجعة: مثال سليمان

تقف بلد الثلوج عند تخوم الرواية والشعر، بوصفها عملاً يرفض أن يُقرأ وفق مقاييس السرد التقليدي ويصرّ منذ صفحاته الأولى على أن يكون تجربة إدراك أكثر من كونه حكاية مكتملة. فـ ياسوناري كاواباتا يبني روايته على حركة داخلية خافتة، أشبه بانسياب الضوء فوق سطح ثلجي؛ حيث تتقدّم الصورة على الفعل والإيحاء على التفسير والصمت على اللغة نفسها. ولهذا تبدو الرواية أقرب إلى مرثية جمالية طويلة، تتأمل هشاشة الإنسان عبر عالم من البياض والانعكاسات والظلال المرتجفة.
منذ الجملة الافتتاحية-“نفقٌ طويلٌ بين المنطقتين وها قد حللنا في بلد الثلوج-” الشهيرة، حين يخرج القطار من النفق الطويل إلى “بلد الثلوج”، يؤسس كاواباتا لعالم لا تُرى فيه الأشياء بوضوح كامل، بل عبر زجاجٍ يعكسها ويشوّهها في آنٍ معاً. إننا لا ندخل فضاءً جغرافياً فحسب، بقدر ما نعبر إلى منطقة ملتبسة من الإدراك، حيث يفقد الواقع حدوده الصلبة وتتحول الرؤية إلى سلسلة من الصور المعلّقة بين الحلم واليقظة. ومن هنا تصبح المرآة والانعكاس والزجاج، عناصر مركزية في بنية الرواية؛ فالشخصيات نفسها لا تظهر بوصفها ذواتًا مكتملة، بقدر ماتظهر أطيافاً عابرة تتشكّل للحظة ثم تتلاشى داخل ضباب شعوريّ كثيف.
[في الخلفية البعيدة جداً كان منظر المساء يرتسم متوالياً كأنه أصبح، على نحوٍ ما، طبقة قصديرٍ متماوجة لهذه المرآة. وكانت الوجوه البشرية التي تعكسها أكثر وضوحاً إذ تتداخل كصورٍ مضاعفة في شريط. لم يكن هناك بالتأكيد أي رابط بين الصور المتوالية في الخلفية المعتمة وتلك، الأكثر وضوحاً، للشخصين الجالسين. ومع ذلك كان الكلّ متناغما في وحدة رائعة، فكم كانت الشفافية الأثيرية للوجوه تبدو ملائمة وممتزجة بالتشوّش المعتم للمنظر الذي يكتنفه الليل، ليشكلا معاً كوناً واحداً وحيداً، ضرباً من العوالم التي تفوق الطبيعة، العوالم الرمزية التي لا تنتمي إلى هذه الأرض…12]
في قلب هذا العالم يقف شيمامورا، بوصفه أكثر شخصيات الرواية اغتراباً وبرودة. إنّه رجل يعيش الحياة من موقع المتفرج، أكثر من موقع المنخرط فيها؛ يتأمل الناس كما يتأمل الطبيعة، بعين جمالية منفصلة عن حرارة التجربة الإنسانية. حتى اهتمامه بالباليه-الغربي يبدو قائماً على الخيال لا على المعايشة، وكأن كاواباتا أراد أن يجعل منه تجسيداً لإنسان حداثي وسيء نوعاً ما، يعيش داخل الصور أكثر مما يعيش داخل الواقع. ولهذا لا تبدو رحلاته إلى بلاد الثلج بحثاً عن حب أو خلاص وإنّما محاولة مؤقتة للهروب من خوائه الداخلي ومن عجزه العميق عن إقامة علاقة حقيقية مع العالم.
[ويفكر شيمامورا في بلد الثلوج ببرودة جوه، إلا أنه يجد فيه أيضا شيئا من الدفء، لابد أن يكون مصدره أسود شعرها الحالك. صفحة ٤٨]
وعلى النقيض منه، تتجلى كوماكو ” فتاة غيشا” بوصفها طاقة حياة قلقة ومشتعلة. فهي شخصية فائضة بالعاطفة والحركة والرغبة في التمسك بما يتداعى حولها، إلا أنّ هذا الفيض ذاته يحمل ملامح انهياره المحتوم. تتكلم كثيراً، تشرب بإفراط، تمنح نفسها بعشوائية مؤلمة وتتحرك كما لو أنها تحاول مقاومة الفراغ الذي يبتلع حياتها ببطء. لذلك نرى شخصيتها مشدودة دائماً بين الرغبة في الانبعاث والإحساس الخفي بالاستنزاف؛ كأنّها كائن يحترق لكي يثبت أنه ما يزال حيّاً. ومن هنا تنبع مأساويتها الحقيقية: فهي أكثر شخصيات الرواية قدرة على الحب، لكنها أيضاً أكثرها وعياً باستحالته.
تقول مخاطبةً بدها التي لم تطاوعها وهي في حالة سكر:
[ستنالين مني ما تستحقين أيتها الخاملة عديمة النفع الويل لك. وفيما بعد إذ نال منها القنوط في صراعها ضد نفسها وضد السكر قالت في عبارات موصولة: لن أندم على شيء ومع ذلك لست امرأة من ذلك الطراز من النساء، لست امرأة من ذلك الطراز.. إنه قطار منتصف الليل ينطلق في اتجاه طوكيو” قالت. 53]
أما يوكو، فتظهر في الرواية كحضور شبه متخيّل، أقرب إلى ومضة ضوء بعيدة منها إلى شخصية روائية تقليدية. إنها ليست امرأة بقدر ما هي صورة للجمال المستحيل؛ ذلك الجمال الذي يكتمل بابتعاده واستحالة امتلاكه. صوتها المنساب في الجبال الثلجية، ووجهها المنعكس على زجاج القطار، وحضورها المعلّق بين الحياة والموت، كلها تجعل منها كائناً يتجاوز الواقع المادي نحو بعد رمزي خالص. ولذلك يبدأ النص بها وينتهي عندها، كأنها الإطار الشفاف الذي يحتوي عالم الرواية كله.
[كان مفعماً بجمال ذلك الصوت الذي لا مثيل له والذي كان يبتعدُ قوياً ورجراجاً، فيتدحرج كالصدى على الثلج وفي أنحاء الليل. صوتٌ له سحر الكآبة المقلق فيخترق القلوب 7]غير أن عبقرية كاواباتا لا تتجلّى في بناء الشخصيات فحسب، وإنّما في الطريقة التي يذيب بها الحدود بين الإنسان والطبيعة أيضاً. فالثلج هنا ليس خلفية للمشهد، بقدر ما هو امتداد نفسي وروحي للشخصيات؛ بياضه البارد يعكس عزلة شيمامورا، بينما تتجسد كوماكو في صور النار والتوهج الأحمر وسط هذا البياض الكثيف. حتى الضوء المنعكس على الزجاج، وصوت القطار، وصمت الجبال، تتحول إلى عناصر حية تشارك في تشكيل المعنى. حتى أنّ القارئ يحسب أنّ الطبيعة في الرواية تصبح هي الحالة الشعورية ذاتها.
ولهذا يرتبط النص بعمق بالمفهوم الجمالي الياباني المعروف بـ”لمونو نو أواري”، أي الحساسية الحزينة تجاه زوال الأشياء. فالجمال عند كاواباتا لا يولد من الكمال والثبات، بل من الهشاشة والعبور والفناء كما يظهر ذلك في كل رواياته. كل شيء في الرواية يلمع للحظة ثم ينطفئ: الحب، الوجوه، الصوت، الثلج وحتى الرغبة الإنسانية نفسها. ومن هنا تكتسب “الجهود العقيمة” معناها الوجودي العميق؛ إذ لا يعود الفشل نقيضاً للجمال، إنّما شرطه الأساسي. فالأشياء الجميلة في هذا العالم هي الأشياء التي نعرف مسبقاً أنها لن تدوم.
ويتجلّى هذا الإدراك بأقصى درجاته في مشهد الحريق الختامي، أحد أكثر المشاهد شاعرية في الأدب الياباني الحديث. فالنار المشتعلة وسط البياض الثلجي، سقوط يوكو وامتداد درب التبانة فوق المشهد، كلها صور تتكثف فيها ثيمات الرواية الكبرى: الاحتراق والزوال والعزلة والرغبة المستحيلة في الإمساك بمعنى ثابت للحياة. ولا يتعامل شيمامورا مع الموت بوصفه نهاية مأساوية مباشرة، بل كتبدّل غامض في هيئة الوجود، وكأن الإنسان لا يختفي بقدر ما يذوب داخل الطبيعة والكون.
أسلوب كاواباتا نفسه يكرّس هذه السيولة الإدراكية. فالرواية تُكتب بلغة مقتصدة، شفافة، تقوم على الحذف بقدر ما تقوم على القول، حتى يبدو الصمت فيها أكثر بلاغة من الحوار. إنها كتابة تستعير حساسية الهايكو الياباني، حيث تختزل العواطف في لمحات بصرية عابرة، وتُترك المسافات البيضاء بين الجمل لتقول ما تعجز الكلمات عن الإفصاح به. ولهذا لا تُقرأ “بلد الثلوج” بوصفها رواية أحداث، بل بوصفها تجربة حسية وتأملية بطيئة، يدخلها القارئ كما يدخل فضاءً من الضباب والثلج والانعكاسات المرتجفة.
وقد نجح الشاعر والمترجم اللبناني الراحل بسام حجّار في نقل هذا العالم إلى العربية برهافةٍ نادرة، إذ حافظت ترجمته على ذلك التوازن الدقيق بين الصفاء والغموض، وبين الشاعرية والتكثيف، فجاء النص العربي محتفظاً بروحه الهشّة وإيقاعه التأملي، من دون أن يفقد حساسيته اليابانية الخاصة رغم نقله الرواية عن ترجمتها الفرنسية.
بهذا المعنى، لا تبدو بلد الثلوج رواية عن الحب بقدر ما هي تأمل عميق في العزلة الإنسانية، وفي استحالة القبض على الجمال قبل أن يتلاشى. إنّها عمل حداثي بالغ الرهافة، يحوّل الكتابة إلى مرآة قلقة تتكسر فوقها الصور والأحاسيس والوجوه العابرة، حتى يغدو الإنسان نفسه مجرد انعكاس مؤقت داخل بياض لا نهائي.
صدرت الرواية للمرّة الأولى عام 1935، غير أنّ كاواباتا ظلّ يعيد تنقيحها لسنوات طويلة حتى استقرّ نصّها النهائي سنة 1947، لتغدو لاحقاً العمل الذي كرّس مكانته بين كبار كتّاب اليابان، والرواية التي استحضرتها لجنة نوبل بوصفها نموذجاً بارزاً لفرادته الفنية وقدرته على تطويع الحسّ الياباني في قالب روائي بالغ الشاعرية.







